قاطرة النمو العالمي تعطلت.. لماذا يجب على العالم أن يقلق هذه المرة؟

خلال منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، خفض صندوق النقد الدولي خلال تقريره الدوري «آفاق الاقتصاد العالمي» توقعات نمو الاقتصاد العالمي، إذ كشف الصندوق عن أن 2019 سيسجل تباطؤًا هو الأكثر ضعفًا منذ الأزمة المالية، إذ تراجعت التوقعات لعام 2019 إلى 3%، وهذا هو الخفض الخامس على التوالي خلال عام، لكن لماذا يجب أن يختلف تعامل العالم مع الخفض هذه المرة؟

«لا مجال لارتكاب أخطاء في السياسات»

هكذا قالت، جيتا جوبيناث، كبيرة الخبراء الاقتصاديين لدى صندوق النقد، في إشارة إلى حساسية الوضع الحالي، وهي التي قالت أيضًا خلال مؤتمر صحفي في سانتياجو، تشيلي، خلال يوليو (تموز) الماضي، إن الاقتصاد العالمي عند «مفترق دقيق»، وخلال السطور القادمة سنرصد عدة أسباب توضح لماذا الخفض هذه المرة مختلف عن المرات الأربع السابقة.

رحلة الخفض.. كيف وصلت توقعات النمو إلى 3% فقط؟

التقرير الأخير لصندوق النقد خفض توقعات النمو العالمي إلى 3% في عام 2019، بدلًا من 3.2% في يوليو و3.3% المتوقعة في تقرير أبريل (نيسان) الماضي، وبحسب الصندوق فمنذ عام مضى، كان النشاط الاقتصادي يتحرك بمعدل سريع في كل مناطق العالم تقريبًا.

وكانت التوقعات في أبريل 2018 تشير إلى نمو بمعدل 3.9% في عامي 2018 و2019، لكن كل شيء تقريبًا تغير منذ ذلك الحين، إذ تصاعدت التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وزادت الضغوط الاقتصادية الكلية في الأرجنتين وتركيا – أبرز الأسواق الناشئة- بينما ارتفعت وتيرة الاضطرابات في قطاع صناعة السيارات في ألمانيا.

هذه المعطيات دفعت الصندوق لخفض النمو في 2019 في أغلب دول العالم، في الوقت الذي بلغ فيه النمو العالمي الذروة التي قاربت 4% في 2017، ثم انخفض إلى 3.6% في 2018، بينما تشير الأرقام – حتى الآن- إلى 3% في 2019، لكن هذا التوقع مرهون بتعاون صانعي السياسة لوقف التصعيد التجاري وخفض التوترات الجيوسياسية حول العالم.

كشفت تقديرات المكتب الهولندي لتحليل السياسة الاقتصادية في يوليو الماضي، أن حجم التجارة العالمية انخفض 2.3% بين أكتوبر 2018 وأبريل 2019، وهو أكبر انخفاض في ستة أشهر منذ 2009، وذلك في خضم الأزمة المالية العالمية، وتعد هذه التقديرات أحد أهم أسباب خفض توقعات النمو.

وصول الاقتصاد العالمي إلى هذه المرحلة ليس نهاية الاتجاه السلبي، فما زالت بعض المخاطر الكبيرة الأخرى من غير المعروف أين ستستقر، وأبرزها عدم تعافي منطقة اليورو/ وتفاقم التوترات الجيوسياسية في كثير من مناطق العالم، مثل التوترات في الخليج، والقلاقل الداخلية في العديد من دول الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية، مما يثير شبح التقلبات في الأسواق العالمية.

خيبة أمل.. قاطرة النمو العالمي تعطلت

تعد توقعات النمو في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية في آسيا بمثابة خيبة أمل كبيرة، وهي نقطة جوهرية في تغير النظرة إلى خفض توقعات النمو هذه المرة؛ لأن هذه الاقتصادات خلال آخر ثلاثة عقود على الأقل كانت قاطرة النمو العالمي، لكن بالنظر إلى تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، نجد أن النقد الدولي خفض وتيرة نمو الدول المتقدمة بواقع 0.1% إلى 1.7% خلال العام الحالي.

في المقابل خفض وتيرة نمو الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، بنسبة أكبر، إذ يتوقع الصندوق أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي نموًّا بنسبة 3.9% في عام 2019، وهو أقل بنحو 0.5% مقارنة مع توقعات التقرير الصادر في أبريل الماضي.

لا تنخدع بالأرقام.. لماذا لا تتراجع معدلات الفقر مع زيادة النمو الاقتصادي؟

ومنذ نحو أربعة أشهر من الآن، كشف محللو «سوسيتيه جنرال» في تقرير حول أوضاع الاقتصادات الناشئة، أننا «ندخل في مرحلة خطيرة ومتقلبة على نحو كبير للأسواق الناشئة»؛ إذ وصفوا امتلاك أصول الأسواق الناشئة، في هذه المرحلة من الدورة الاقتصادية بأنه «لعب بالنار»، خاصة إذا كان لمجرد الاحتفاظ بها.

لكن يمكن القول بأن خيبة الأمل الحقيقية جاءت من الصين، إذ أعلنت البلاد في 18 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، تباطؤ النمو الاقتصادي في الربع الثالث بأكثر من المتوقع، إذ بلغ أدنى وتيرة في نحو ثلاثة عقود، بعد أن ارتفع الناتج المحلي الإجمالي 6% فقط على أساس سنوي، وهو أبطأ نمو منذ الربع الأول من 1992، وهي البيانات الفصلية الأولى المسجلة على الإطلاق.

هذا النمو جاء دون التوقعات بتحقيق نمو نسبته 6.1% في استطلاع أجرته وكالة «رويترز»، كما أنه أيضًا عند المستوى الأدنى للنطاق المستهدف من الحكومة للعام بالكامل، والذي يتراوح بين 6 و6.5%، بينما تضع هذه الأرقام الاقتصاد العالمي في حالة كبيرة من الضغط.

فقدت قدرتها على دعم النمو.. السياسة النقدية استنفدت أدواتها

على مدار العقود الماضية تصدرت «السياسة النقدية» هيكل السياسات الاقتصادية، إذ لعبت دورًا بارزًا في تحقيق النهضة الاقتصادية لكثير من الدول المتقدمة؛ ومثلت محور السياسة الاقتصادية الكليّة، وخاصة ما بعد الأزمة المالية الأخيرة في 2008، وذلك من خلال اعتماد سياسيات التيسير الكمي.

لكن الآن فقد تغير كل شيء؛ فهذه السياسة لم تعد تحقق النتائج نفسها، فمنذ نهاية العام الماضي بات الاتجاه العالمي لخفض معدلات الفائدة، وصولًا للفائدة الصفرية والسالبة، فمعظم البنوك المركزية حول العالم لجأت إلى هذا الأمر، ومع ذلك لم يستجب النمو، في إشارة إلى أن السياسة النقدية باتت غير قادرة على حل أزمات الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى أن المبالغة في تطبيق أدوات السياسة النقدية، أصبح من أكبر المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي.

وعلى مدار السنوات الماضية حاولت البنوك المركزية حول العالم إقناع الجميع بأنها قادرة على تحفيز الاقتصاد، لكن هذا الأمر لم يحدث؛ فأوروبا واليابان مثلًا غارقتان في الركود، واستنفدت البنوك المركزية كل الوسائل، ولم يتغير شيء، فلم يعد تخفيض معدلات الفائدة كافيًا لمكافحة الركود. وبحسب ما يقول لورانس سامرز، وزير الخزانة الأمريكي الأسبق، في مقال له نشر على موقع «بروجيكيت سينديكيت»، فإن قدرة معدلات الفائدة المنخفضة على تحفيز الاقتصاد ربما باتت تسير في الاتجاه العكسي.

وفي أغسطس (آب) الماضي، عندما اجتمع محافظو البنوك المركزية العالمية في «جاكسون هول»، كان الحديث يبدو انقلابيًّا بعض الشيء على القواعد القديمة، إذ قال، جيمس بولارد، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، لـ«فاينانشيال تايمز» إن هناك تحولًا نظاميًّا بسبب التقدم «أعتقد أن هذا يتسبب في إعادة التفكير بالكامل في المصرفية المركزية، وفي جميع أفكارنا التي نعتز بها حول ما نعتقد أننا نفعله».

جرى الاتفاق على أن الظروف الاقتصادية الحالية يجب أن تكون نقطة تحول في الطريقة التي ينظر بها إلى النظام العالمي؛ فالأدوات التي استخدموها قبل الأزمة المالية لتشكيل البيئة الاقتصادية، مثل البنوك المركزية، غير قادرة على العودة إلى السياسات التي اعتمدت عليها قبل الأزمة المالية العالمية، التركيز الآن ليس على السياسة النقدية التي فشلت على مدار السنوات الماضية، إذن ما الحل؟

هل تكون «هيلكوبتر الأموال» بديل السياسة النقدية؟

باتت النظرية النقدية الحديثة أو ما يسمى بـ«هيلكوبتر الأموال»، بديلًا يطرحه الكثيرون الآن، وبحسب «الإيكونوميست» فإن سياسة «هليكوبتر الأموال» تعني طبع النقود لتمويل الإنفاق الحكومي، أو منح الأموال للمواطنين، وهو مصطلح ظهر في 1969، عبر ميلتون فريدمان، مؤسس المدرسة النقدية، وذلك عندما قال إن البنوك المركزية لا يمكنها الفشل في دعم زيادة المعروض من النقد مع قدرتها على ضخ أموال جديدة، في إشارة إلى طبع النقود.

واختفى الحديث عن هذا الأمر لمدة عقود، لكن يرى البعض الآن أن توجيه الإنفاق الاستهلاكي مباشرة أمر منطقي عند استهداف التضخم في أسعار المستهلكين، إذ إن النظرية تقول إن الحكومات ليست بحاجة لضبط ميزانيتها والقلق بشأن الدين؛ لأنها تستطيع ببساطة طباعة أموالها.

يرى كثيرون أن الوقت الآن قد يكون مناسبًا لاعتماد النظرية النقدية الحديثة، خاصة بالنظر إلى النموذج الياباني، إذ يرتفع عجز الموازنة ويقل معدل الفائدة عن الصفر؛ ولم يواجه الاقتصاد أي كارثة، فإغراء تخفيض أسعار الفائدة كما تطلب الحكومات للحفاظ على اقتصاد مزدهر، ومعدل بطالة منخفض، لم يعد يحقق تلك المكاسب قصيرة الأجل، لذلك من المؤكد أن الوضع الحالي لن يستمر.

وناقش الاقتصاديون هذه السياسة عدة مرات، كان أبرزها عند انكماش الاقتصاد الياباني بداية الألفية الجارية، وهذه السياسة تعد نوعًا من التيسير الكمي لكنه موجه مباشرة إلى المواطنين، ومن شأن هذه السياسة تحفيز الإنفاق، والنمو الاقتصادي، والتضخم، وبالتالي رفع مستوى الفائدة عن الصفر، وهذا الأمر فعلًا هو الذي تحتاجه أوروبا وكثير من الدول التي اعتمدت الفائدة الصفرية مؤخرًا.

بينما يقول تقرير حديث لـ«فاينانشيال تايمز» إن أسعار الفائدة لم تعد قادرة على معالجة الأزمة الأوروبية، مشيرًا إلى أنه قد حان الوقت لإطلاق «هليكوبتر المال»، لكن أيضًا هذا الأمر لا يلقى قبول الجميع حتى الآن، لكن في المقابل، وبحسب مقال في موقع «بروجيكيت سينديكيت» لأستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة «هارفارد»، كينيث روجووف، فإن النظرية النقدية الحديثة عبارة عن «هراء» على حد تعبيره، وهناك كثير من الخبراء أيضًا يؤيدون نظرته، لكن في النهاية فإن مجرد عودة الجدل حول هذه النظرية يشير إلى تحول عالمي كبير.

هل اقتربنا من انتهاء عصر استقلال البنك المركزي في العالم؟

آفاق الاقتصاد العالميالسياسة النقديةالصينالنقد الدوليالنمو الاقتصاديتباطؤ الاقتصادهيلكوبتر الأموال

المصادر