شكلت حادثة سقوط الطائرة الروسية المنكوبة في سيناء، محنة جديدة للاقتصاد المصري الذي يُصارع النجاة في ظل العجز الذي يعيشه على خلفية تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي، وتراجع حجم المنح الخليجية.

بيد أن هذه الحادثة ضاعف من تداعياتها الاقتصادية إعلان أجهزة المخابرات البريطانية أن سقوط الطائرة بنسبة كبيرة يعود إلى وجود قنبلة على متن الطائرة، وتصديق الحكومة الروسية هذه النتائج المُسربة، والتي ظهرت أول مآلها في إعلان دول بريطانيا وتركيا وروسيا عن وقف رحلاتها إلى شرم الشيخ، وتطور الأمر مع روسيا إلى وقف جميع الطائرات المتجهة من مصر إليها كنوع من الاحتياط الأمني.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” التعرف على مآل هذه الحادثة على الاقتصاد المصري، وكيف شكلت هذه الواقعة نتيجة سلبية على ترتيب مصر الائتماني، وتراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي، وكذلك على مستقبل الاتفاقيات التجارية الموقعة بين البلدين في ضوء تقارب العلاقات بينهما.

280 مليون دولار شهريًّا خسائر مُغادرة السياح

يذكر أن حادثة الطائرة الروسية، التي سقطت في صحراء سيناء، أدت إلى سحب السياح الروس والبريطانيين، ما أدى إلى فقدان مصر نحو 280 مليون دولار شهريًّا بعد إعلان دول -بريطانيا وتركيا وروسيا- عن وقف رحلاتها إلى شرم الشيخ.

يتراوح عدد السياح الروس الذين يزورون مصر شهريًّا ما بين 100 ألف و250 ألف لقضاء عطلة، بنسبة تصل إلى 31 % من إجمالي عدد السياح الذين يزورون مصر. ويصل متوسط سعر الرحلة إلى 600 دولار، ويبلغ متوسط إنفاق السائح الروسي في مصر نحو 57 دولارًا يوميًّا، مقابل 70 دولارًا للسائح البريطاني.

وتحتل روسيا المركز الأول في قائمة الدول المصدرة للسياحة إلى مصر، حيث بلغ عدد المواطنين الروس الذين قصدوا مصر بهدف السياحة عام 2014 نحو 3.16 ملايين سائح، تليها بريطانيا، وتأتي ألمانيا في المرتبة الثالثة، وشكل السياح الروس خلال هذا العام ربع إيرادات مصر من العملة الأجنبية خلال العام الماضي بقيمة 1.3 مليار دولار.

 

وكان بوتين قد أصدر مرسومًا رئاسيًّا يتضمن فرض حظر مؤقت على شركات الطيران الروسية فيما يتعلق بنقل المواطنين من أراضي روسيا إلى أراضي مصر، وتطور الأمر إلى إعلان هيئة “روزافياتسيا” الروسية لتنظيم النقل الجوي، حظر رحلات شركة مصر للطيران إلى روسيا.

القرار الأخير بحظر رحلات شركة مصر للطيران إلى روسيا، ليس مرتبطًا بشركة مصر للطيران كشركة بقدر ما له علاقة بالإجراءات الأمنية داخل المطارات المصرية، وفقًا لخبراء. ومن ثم جاء المرسوم الرئاسي بإلغاء كافة رحلات الشركات الروسية، وترتب عليه إلغاء نسبة 90% من حجوزات الكريسماس ومن المتوقع أن يتم إلغاؤها بالكامل خلال الفترة المقبلة.

الاحتياطي النقدي الأجنبي والتصنيف الائتماني.. خطوات للوراء

قالت مؤسسة موديز العالمية للتصنيف الائتماني إن حادث سقوط الطائرة الروسية في مصر سيؤثر بشكل سلبي على التصنيف الائتماني للدولة، بعدما قرر عدد من منظمي الرحلات في العالم تعليق رحلاتهم السياحية لمصر. مبررة ذلك بتقليل معدلات السياحة الوافدة لمصر، الأمر الذي يساهم في تقليل موارد العملة الأجنبية والتأثير على موقف مصر الائتماني.

وقال سيمون ويليامز، كبير خبراء الاقتصاد لدى «إتش إس بي سي»، إن ما يزيد على 10 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية في أذون الخزانة المصرية تدفقت خارج البلاد بعد عام 2011، و”من الصعب جدًّا قياس إلى أي مدى يعد الجنيه في حاجة إلى التراجع”.

وقال ويليامز قبل حادثة تحطم الطائرة الروسية، إنه يتوقع انخفاض قيمة العملة المحلية إلى 9 جنيهات مقابل الدولار بحلول منتصف عام 2016، ليحقق ارتفاعًا عن الأسعار الرسمية المتداولة حاليًا البالغة 8.03، وأسعار السوق السوداء التي تبلغ 8.56 جنيه.

بالتزامن مع التوقعات المرتبطة بانخفاض قيمة الجنيه، كان قرار البنك المركزي لرفع قيمة الجنيه المصري عشرين قرشًا، له تداعيات على تراجع وضع الاحتياطي الأجنبي. خصوصًا مع استبعاد انتعاش السياحة مرة أخرى في غضون الإعلان عن نتائج التحقيقات في حادثة الطائرة أو حتى الانتظار لبعد 6 أشهر على الأقل، وتراجعه من 36 مليار دولار في عام 2011 إلى 16.3 مليار دولار في سبتمبر 2015.

 

12 مليار جنيه.. خسائر البورصة المصرية

ارتفعت خسائر رأس المال السوقي لأسهم الشركات المصرية المدرجة في البورصة إلى أكثر من مليار دولار تقريبًا بعد وقوع حادثة تحطم الطائرة الروسية.

ووفقًا لبيانات السوق وخلال جلسة تعاملات يوم الحادثة، فقد خسر رأس المال السوقي للأسهم المدرجة نحو 8.5 جنيه، تعادل نحو 1.87%، بعدما تراجع من نحو 452.3 مليار جنيه في إغلاق تعاملات جلسة الخميس الماضي، ليسجل نحو 443.8 مليار جنيه في إغلاق تعاملات جلسة اليوم.

وواصلت البورصة المصرية خسائرها على خلفية قرار دول غربية وقف رحلات الطيران إلى مصر وإجلاء رعاياها، حيث خسر رأس المال السوقي للأسهم المقيدة نحو 4 مليارات جنيه في 15 دقيقة، مسجلًا 448 مليار جنيه.

 

 تكلفة التأمين على ديون مصر تسجل أعلى مستوى لها

على خلفية تأكيد عضو بفريق التحقيق “لرويترز” أن صوت الضوضاء المسموع في الثانية الأخيرة من تسجيل قمرة القيادة هو صوت انفجار قنبلة. وما تلا ذلك من قيام حكومتي بريطانيا وروسيا بإجلاء مواطنيهما من مصر، قفزت تكلفة التأمين على ديون مصر الخارجية إلى أعلى مستوى في 18 شهرًا.

وقالت ماركت للأبحاث إن تكلفة التأمين على ديون مصر لخمس سنوات زادت 12 نقطة أساس عن الإغلاق السابق لتسجل 383 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ أبريل/ نيسان 2014.

وتصل ديون مصر الخارجية، إلى 48.1 مليار دولار بنهاية السنة المالية 2014-2015 على خلفية المنح والودائع النقدية التي حصل عليها التحالف الحاكم من دول الخليج والمؤسسات الاقتصادية الدولية.

 

 3 مليون عامل في السياحة.. مستقبل مجهول

يصل حجم مساهمة القطاع السياحي إلى نحو 11.3% في الناتج القومي الإجمالي، كما يساهم بنسبة 7% كمصدر للعملة الأجنبية، وتبلغ نسبة العاملين في قطاع السياحة 12.6% من حجم العمالة المصرية، ويبلغ حجم استثمار السياحة في قطاع الخدمات نحو 5.5%.

نسبة العاملين بقطاع السياحة، والمذكورة سلفًا تُقدر بنحو 3 مليون عامل في حال كان النشاط مستقرًا، مُعرضة للتسريح كرد فعل طبيعي مع الأزمة السياحية الأخيرة في مصر، خصوصًا أن القطاع السياحي “رأسمالي”، يتحكم فيه رجال الأعمال بعيدًا عن القطاع الحكومي، ويُقدر حجم الضرر الذي سيقع على قطاع السياحة، والعاملين به أنه سيمتد لمدة عام كامل جراء الحادثة.

يظهر ذلك في عملية التسريح للموظفين داخل الفنادق بشرم الشيخ مؤخرًا، وخصوصًا أن غالبية العاملين في هذا القطاع لا يوجد تأمين على أغلبهم، ويعملون وفقًا لأجور شهرية دون عقد، خصوصًا بعد وصول العجز في إشغالات الفنادق إلى ٤٥%، بعد قرارات بعض الدول بوقف رحلات الطيران الخاصة بها إلى مصر، وتراجع إجمالي الحجوزات والإشغالات من ٧٥% إلى ٣٠%.

يُضاعف من أزمة العاملين في السياحة عدم وجود صندوق لرعاية المتضررين في القطاع، والاقتصار على صندوق واحد فقط لإنقاذ بعض المشروعات السياحية، وهو صندوق استثماري بالدرجة الأولى، لحماية وتأمين مصالح رجال الأعمال”.

الاتفاقيات التجارية.. سارية للمصلحة المُشتركة

خلال عام 2014، ارتفع حجم التبادل التجاري بين مصر، وروسيا بنسبة 86% ليصل إلى 5.4 مليار دولار، في تطور ملحوظ للعلاقات بين البلدين، وفقًا لوصف أحدث تقرير صادر عن جهاز التمثيل التجاري بوزارة الصناعة والتجارة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما وقعت مصلحة الجمارك المصرية مع نظيرتها الروسية اتفاقية تعاون للمساعدة الإدارية المتبادلة، فضلًا عن بروتوكولين للتعاون في مجال القيمة والمراجعة اللاحقة بين سلطات الجمارك، ولتبادل المعلومات الإلكترونية حول قيمة الأغراض الجمركية.

 

وتبلغ إجمالي الاستثمارات الروسية في مصر نحو 70 مليون دولار معظمها في قطاعات السياحة والإنشاءات، في حين تبلغ الاستثمارات المصرية في روسيا نحو 9 مليون دولار، كما امتد هذا التعاون إلى اختيار شركة “روس آتوم” الروسية لتولي إقامة محطتين نوويتين بمنطقة الضبعة، من أجل إنتاج الطاقة الكهربائية، والذي سيشمل إقامة مفاعلين نوويين بقدرة 2800 ميجاوات، وبتكلفة استثمارية تبلغ 8 مليارات دولار تقريبًا.

حسب المؤشرات الأولية، فإن حادثة الطائرة الروسية المنكوبة، التي سقطت في سيناء مؤخرًا، لن تؤثر على الاتفاقيات التجارية المُوقعة بين الجانبين لاعتبارات مرتبطة بمصلحة روسيا في المقام الأول، التي تُدرك أن تجميد هذه الاتفاقيات ينعكس عليها سلبًا، خصوصًا مع الرغبة الملحة لمصر في استمرار هذا التعاون الثنائي.

2.5 مليار دولار قيمة التعويضات المالية (المتوقعة) لضحايا الطائرة الروسية

ووفقًا لمعاهدة مونتريال 1990، التي وقعت عليها أغلب شركات الطيران الروسية، تدفع الخطوط الجوية عادة تعويضًا عن كل مسافر متوفي بمعدل 150 ألف دولار حال كان هذا الخطأ بعيدًا عن الشركة، وتصل هذه القيمة إلى 3 ملايين دولار لكل ضحية حال ثبوت التقصير في اتباع معايير الأمن والسلامة المُتبعة من جانب الشركة التابعة للحكومة المصرية في حالة الحادثة التي راح ضحيتها 224 مسافرًا أغلبهم روس.

مقابل ذلك تكفلت شركة التأمين الروسية “إنغوستراخ” إحدى الشركات الرائدة في سوق التأمين الروسي، بدفع تعويضات لأسر الضحايا منذ الـ 3 من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الجاري. وأفادت الشركة في وقت سابق بأنها قامت بدفع تعويضات لأقارب 44 ضحية.

وحسب المعلومات الواردة من أجهزة المخابرات البريطانية، والأمريكية والتي وافقتها مؤخرًا روسيا، تتجه احتمالات سقوط الطائرة بنسبة كبيرة إلى وجود قنبلة على متن الطائرة، حيث تُظهر المعلومات المُسربة أن القنبلة وضعت في المنطقة المخصصة لحمل الحقائب في بطن الطائرة قبل إقلاعها، ما يُضاعف من قيمة التعويضات التي تقع مسئولياتها على الحكومة المصرية وليس الشركة، كونها مسئولة عن عملية تأمين إجراءات الأمن والسلامة داخل المطارات.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد