منذ سنوات طويلة والصين تسعى إلى أن تكون القوة العظمى في العالم عبر تطوير قدراتها العسكرية والاقتصادية والسياسية وسط مخاوف من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في أن تكون الصين فعلاً هي السوق الذي سيغزو الأسواق الأوروبية والعربية بمنتجاتها المتطورة بين الفينة والأخرى خلال المرحلة المقبلة.

ووفقًا لبيانات جديدة صادرة عن البنك الدولي كشفت أواخر الشهر الماضي عن أن الصين قد تُتوج على عرش الاقتصاد العالمي هذا العام كأكبر اقتصاد في العالم متخطية بذلك الولايات المتحدة.

وقال البنك الدولي في تقرير له – وفق ما نقلته مجلة تايم الأمريكي على موقعها الإلكتروني -: “إن الصين تتمنى هذا اليوم منذ أن كانت تسعى نحو الثروة في الثمانينيات من القرن الماضي ولكن الواقع يقول بأنها تتستر خلف قناع لتغطية ضعفها الاقتصادي”.

وأفاد تقرير جديد لبرنامج المقارنات الدولية التابعة للبنك الدولي أن الاقتصاد الصيني يكاد يلحق بركب الاقتصاد الأمريكي بصورة غير متوقعة، ويعيد التقرير تقييم إحصائيات إجمالي الناتج المحلي بناء على تقديرات تم تحديثها مؤخرًا لـ”تعادل القوة الشرائية” بين الدولتين – وهي العملية التي تقيس ما يمكن شراؤه بالمال في الاقتصاديات المختلفة؛ حيث إنه في هذه العملية تنامى اقتصاد الصين بشكل كبير على غير المتوقع؛ حيث ارتفع إجمالي الناتج المحلي الصيني إلى 13.5 تريليونًا، بناء على استخدام أسعار الصرف.

ويُعدُّ اقتصاد الصين قريبًا جدًّا من اقتصاد الولايات المتحدة الذي يقدر بـ 15.5 تريليون دولار، كما تظهر هذه الأرقام أن الصين قد تتفوق على أمريكا وأنها ستصبح أكبر اقتصاد في العالم في وقت مبكر من هذا العام.

مثار قلق

وبدأت الصين في الفترة الأخيرة تثير قلق الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية، التي باتت متخوفة من دخول الصين نادي الكبار، ولعب دور أكبر في ميزان القوة الدولي، خاصة بعد أن سجلت تقاربًا ملحوظًا مع الهند، القوة الآسيوية الأخرى الساعية إلى الظهور على المسرح العالمي كفاعل اقتصادي قوي، الأمر الذي أصبح مثار قلق واشنطن التي ترى في البروز الصيني الجديد بداية التهديد لسيطرتها العالمية في المنطقة الآسيوية.

ولقد حددت الصين لنفسها هدفًا، وهو أن تعود خلال السنوات القادمة من القرن الحالي إلى الساحة الدولية، ولكي تحقق هذا الهدف الذي تريد من خلاله موازاة النفوذ الأمريكي العالمي فإنها مجبرة على أن تصبح أولاً القوة الإقليمية الأولى في آسيا، كما ذكرت صحيفة “لوموند” الفرنسية ضمن تقرير لها في أواخر الشهر الماضي.

وفي العام 1820 وقبل أن تتمكن من القضاء على الإهانة التي ألحقتها بها القوى الغربية ثم اليابان بعد ذلك، كانت الصين في عهد إمبراطورية ماندشو تمثل 30 في المائة من الاقتصاد العالمي، واليوم تحاول جمهورية الصين الحصول على نفس المكانة التي كانت لها من قبل، ولأجل هذه الغاية تسعى إلى رسم صورة التنين القوي عن نفسها أمام العالم، وذلك من خلال إستراتيجية وضعها مخططوها، وهي “الظهور السلمي للصين على المسرح الدولي”، والرهان كبير، إذ أنه يرتكز على رغبة الصين في تهميش التأثير الأمريكي في المنطقة، وفي نفس الوقت تجنب أي اصطدام بينها وبينه.

وأشارت الصحيفة إلى أنه في عام 2003 كانت الصين تستهلك 7 في المائة من البترول الدولي الخام المستهلك عالميًّا، لكن حاجاتها المتزايدة من الطاقة والمواد الأولية تجعلها تنخرط بقوة متنامية في السوق الدولية. وتنتج الصين 3.4 ملايين برميل من النفط يوميًّا، الأمر الذي لا يلبي حاجتها من الاستهلاك، لذا فهي تضطر إلى شراء خمسة ملايين برميل من النفط يوميًّا، أي ما يعادل 6 في المائة من حجم الاستهلاك العالمي وربع الاستهلاك الأمريكي.

وفي العام الماضي سجلت الولايات المتحدة والصين معًا عجزا تجاريًّا مهمًّا في تاريخهما (162 مليار دولار)، ويتم تحميل المنافسة الصينية في واشنطن مسؤولية فقدان ثلاثة ملايين منصبَ شغلٍ في القطاع الصناعي الأمريكي عام 2001، وهو ما يعد مؤشرًا واضحًا على قوة المنافسة الصينية، وتأثيرها القوي على الاقتصاد الأمريكي والعالمي بوجه عام .

مسألة وقت

وفي السياق نفسه، ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية – في سياق تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني الخميس الماضي – أن المسح الذي أجراه مركز “بيو” للأبحاث في 39 دولة، يؤكد كثيرًا ما يقوله الخبراء في واشنطن من أفكار بشأن تحول ميزان القوة بين الولايات المتحدة والصين.

وقالت الصحيفة: “إن التوترات المتبادلة تتزايد مع انخفاض الآراء الإيجابية لدى الأمريكيين عن الصين من نسبة 51 % قبل عامين إلى 37 % حاليًا وانخفاض مماثل بين الصينيين من نسبة 58 % إلى 40 % فيما يتعلق بالولايات المتحدة”.

وأضافت:” أن هناك إدراكا بأن القوة الاقتصادية للصين في صعود في حين تنخفض القوة الاقتصادية للولايات المتحدة، وبرغم أن الكثير من الدول لا تزال ترى الولايات المتحدة على أنها القوة الاقتصادية الكبرى في العالم إلا أن الأغلبية تعتقد أنها مسألة وقت فحسب أن تحل الصين محلها.

قد يكون تحول ميزان القوى للصين خلال المرحلة المقبلة سببه ضعف الاقتصاد الأمريكي خلال السنوات القليلة القادمة، خاصة مع بروز الأزمة الاقتصادية وما نتج عنها عام 2008؛ حيث كانت أمريكا قبل بضعة عقود أكبر دولة مدينة في العالم، بيد أنها باتت اليوم أكبر دولة دائنة.

وتعاني ميزانيتها من عجز يبلغ تريليونات الدولارات، وكانت ركيزة نفوذ أمريكا هو اقتصادها ووضعها المالي الذي مكَّنها من خوض الحروب والهيمنة السياسية علي بقية الدول في عدة صور منها القوة الناعمة، وتقديم القروض والإعانات والإغراءات المالية للحصول على مكاسب، كتصويت بعض أعضاء مجلس الأمن لقرارات تصب في خدمة مصالحها أو مصالح حليفتها إسرائيل.

قوة صاعدة

في الوقت الحالي، فإن الوضع الاقتصادي لأمريكا لا يسمح لها بذلك لأن دينها القومي يبلغ 11 تريليون دولار، يُتوقع أن يرتفع بمعدل تريليون دولار سنويًّا، ويبلغ الدين الخارجي تريليونات الدولارت، كما أن المواطنين الأمريكيين يدينون بـ 11 تريليون دولار للمصارف وشركات بطاقات الائتمان.

وتعتبر الصين في نظر محللي السياسة والاقتصاد وما قيمه المؤتمر التقييمي الإستراتيجي الذي عقدته قيادة سلاح الجو الأمريكي عام 1995م أن الصين قوة صاعدة ومرشحة لمنافسة واشنطن وفق التقديرات في عام 2015 كقوة اقتصادية متفوقة اقتصاديًّا على الولايات المتحدة ومهيأة لمنافسة واشنطن في النفوذ السياسي والأهمية الإستراتيجية، وتؤكد الأحداث أن الصين خرجت من مرحلة استمرت مئات السنين لتدخل في مرحلة حديثة تحولها إلى قوة عظمى مرتبطة بعامل الوقت وجدية الصينيين وبفعل تبني سياسة الإصلاح والانفتاح في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي كانت كل مناطق الصين تخضع لدرجة عالية من الإدارة المركزية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد