خلال الأسابيع القليلة الماضية قفزت قيمة سوق السندات المالية العالمية، سالبة العائد، إلى مستوى قياسي وهو 13 تريليون دولار، وفق بيانات لوكالة «بلومبيرج». هذا العنوان قد يكون صادمًا للوهلة الأولى، كيف وصل حجم السوق إلى هذا الرقم؟ الأمر غير منطقي بالطبع لغير المتخصصين في الاقتصاد؛ فشراء سندات بعائد سالب هو شيء أقل ما يوصف به أنه جنون، فليس من العقل الاستثمار في الخسارة، لكن ربما يكون الأمر مختلفًا بعض الشيء عما يظهر عليه، فماذا يقول الاقتصاد حول هذا الموضوع؟

في البداية يجب أن نعرف أولاً ما هي السندات؟ يعرف السند بأنه صك يثبت أن مالك السند قد قام بإقراض الجهة مصدرة السند -حكومات أو شركات- مبلغًا معينًا من المال، وذلك مقابل الحصول على دخل ثابت أو فائدة ثابتة، يحصل عليها المستثمر مالك السند طوال مدة السند، على أن ترد الحكومة أو الشركة كامل قيمة السند بنهاية مدة السند.

ومن المعلوم أن السندات المالية ضمن أدوات الاستثمار الأقل مخاطرة، وذلك لأن المستثمر لا يتحمل أيًا من الخسائر أو المكاسب التي تحققها الجهة المصدرة. وهناك ثلاثة أنواع للسندات من حيث مدة السند؛ وهي مقسمة بين قصيرة الأجل، تكون مدتها أقل من ثلاثة سنوات، ومتوسطة الأجل وتتراوح بين ثلاثة إلى 10 سنوات، وطويلة الأجل وتستحق بعد أكثر من 10 سنوات.

أما فيما يخص العائد الذي هو مصدر الجدل حاليًا؛ ففي السابق كان هناك ثلاثة أنواع من السندات المالية. الأول، السندات ذات العائد الثابت، فتدفع الحكومة أو الشركة مصدرة السند مبلغًا سنويًا ثابتًا إلى حاملها إلى ما لا نهاية. والثاني، سندات ذات عائد متغير، إذ يتغير العائد كل فترة زمنية، يحدد لها سعر فائدة مبدئي لمدة ستة شهور، ثم يتم تعديلها على حسب معدلات الفائدة الموجودة في السوق. بينما النوع الثالث، وهي السندات الصفرية، وهي تلك السندات التي لا تدر عائدًا في مقابل طرحها بأسعار منخفضة عن قيمتها الاسمية، وعند استحقاق السند تُدفع القيمة الاسمية الكاملة للسند.

كيف يمكن لكلمات صغيرة أن تغير مسارات الاقتصاد العالمي؟

لكن الآن لم تعد سوق السندات المالية العالمية قاصرة على هذه الأنواع فقط؛ فهناك نوع جديد وهو السندات سالبة العائد، وأسعار الفائدة السالبة بشكل عام تعني أن يقوم المودعون بدفع فائدة على ودائعهم عوضا عن تلقي الفوائد عليها، وبالنسبة للسندات فإن المستثمر يشتري السند بعائد أقل من الصفر، وهذا الأمر الآن لم يعد جديدًا فمعظم السندات الحكومية المتداولة حاليًا في دول مثل اليابان وألمانيا وإيطاليا عائدها أقل من الصفر، بينما انضمت دول مثل النمسا والسويد وفرنسا للسوق مؤخرًا.

إلى أين وصل حجم سوق السندات المالية السالبة؟

وفقًا لبيانات «بلومبيرج»، فقد انضمت سندات النمسا والسويد وفرنسا الأسبوع الماضي إلى الديون الحكومية لأجل 10 سنوات التي يقل عائدها عن الصفر، وهبطت عائدات السندات في اليابان وألمانيا إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق، كما تراجع عائد الديون الدنماركية التي تستحق خلال 20 عامًا من الآن إلى مستوى قياسي منخفض، وتشير أرقام «بلومبيرج» إلى أن 40% تقريبًا من السندات العالمية يقل عائدها حاليًا عن 1%، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن 20% من السندات العالمية ستكون سالبة العائد بنهاية 2019.

وفي نهاية يونيو (حزيران) الماضي تجاوزت القيمة الإجمالية لسوق السندات المالية العالمية سالبة العائد مستوى 13 تريليون دولار للمرة الأولى، وذلك مقارنة مع تقلص حجم السوق إلى 6 تريليون دولار، إلا أنه الآن وفي ظل تسجيل الأسهم العالمية لمعدلات أرباح كبيرة، يواصل المستثمرون شراء هذه السندات وهو ما قد يدل بحسب مستثمرين على مخاطر تضر الاقتصاد العالمي على المدى الطويل.

بلومبيرج

وفي إيطاليًا ومع بداية يوليو (تموز) كان الأمر أكثر جنونًا، إذ هبط العائد على سندات الحكومة الإيطالية لمدة عامين لفترة وجيزة عن مستوى 0%، إذ قرر المستثمرون شراء سندات حكومية إيطالية بعائد سالب، الغريب في هذا الأمر هو أن إيطاليا كانت على وشك أزمة مالية عنيفة خلال أقل من شهر، كما أن المثير أكثر هو أن السندات الإيطالية حاصلة على تصنيف منخفض جدًا من وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني، لكن مع ذلك قبل المستثمرون شراء هذه السندات، فما هو تفسير ذلك؟

كيف ينظر الاقتصاديون إلى السندات المالية سالبة العائد؟

دائمًا ما تكون نظرة المتخصصين للأمور مختلفة عن العامة، وذلك ما دفعنا للحديث مع الأكاديمي المصري، محمد يوسف، الباحث والخبير في التنمية الاقتصادية، إذ يقول إنه: «إذا كانت لديك محفظة مالية، وتريد توظيفها في الأسهم والسندات المتداولة في البورصة، وكنت تمتلك قدرًا معتبرًا من الخبرة المالية، فإن تراجعًا في أسواق الأسهم سيدفعك للتوسع في شراء السندات. وفي هذه الحالة، وطالما الجميع يتحلى بالرشادة المالية ويسلك الطريق نفسه، سيكون لدى مُصدري السندات الإمكانية في تخفيض العائد على هذه السندات بسبب الطلب الفائض عليها».

ويضيف، يوسف، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه: «عندما تكون هذه السندات حكومية الإصدار، وعندما تصبح ملاذًا آمنًا للمستثمرين، قد يصل العائد للمستوى صفر، أو قد ينخفض دون هذا المستوى. فإذا كان السند يستحق بعد  10 سنوات، ستسترد قيمة تقل عما دفعته لشراء هذا السند، فبيع سند سالب العائد على الحكومة الألمانية بقيمة مليار دولار مثلا، يعني ببساطة أنه عندما يحين أجل هذا السند، ستدفع الحكومة الألمانية لحائزه قيمة تقل عن المليار دولار».

ونتيجة مباشرة للعولمة المالية، وبسبب النمو الفلكي للسيولة الدولية التي تبحث عن الربح بنهم شديد، كان من المنطقي أن يزداد الطلب الدولي على الأسهم والسندات في الأسواق المالية الرئيسية، أسواق الدول الصناعية تحديدًا، بحسب يوسف.

وتابع، خبير التنمية الاقتصادية، أنه بسبب موجات الركود العالمي في القطاعات الاقتصادية الحقيقية (الزراعة والصناعة والخدمات)، وتراجع معدلات نمو إنتاجية هذه القطاعات، تراجعت أرباح الشركات العاملة في هذه القطاعات، وتراجع على إثر ذلك جاذبية أسهم هذه الشركات في الأسواق المالية الدولية. وبناء على هذا التراجع، زاد الطلب على السندات كأداة استثمارية تتفوق على الأسهم، وخصوصًا إذا كانت سندات مضمونة من حكومات الدول الصناعية المتقدمة.

ما هي أسباب انتعاش سوق السندات المالية سالبة العائد؟

يرصد الباحث الاقتصادي أربعة أسباب لظاهرة الانتعاش سوق السندات العالمية سالبة العائد؛ وذلك بالنظر في الواقع الراهن للأسواق المالية الدولية، وبسبب التقدم الكبير في تقنيات التداول، وهي:

  1. إن معاناة نظام النقد الدولي من مشكلات متعددة، وغياب الاستقرار في أسواق الصرف، وحدوث تضخم شديد في السيولة الدولية، وللدرجة التي جعلت هذه السيولة تتضاعف أضعافا مضاعفة، متفوقة على قيم تدفقات التجارة الدولية في السلع والخدمات التقليدية؛ كل ذلك يعد المسؤول الأول عن تراجع الفائدة في أسواق السندات الدولية، نتيجة للمنافسة الشديدة على الأوعية الاستثمارية المتاحة في الأسواق الدولية.
  2. يعد تراجع الإنتاجية في القطاعات الحقيقية بفعل تراجع الطفرات التكنولوجية هو السبب في تراجع ربحية الشركات العاملة في القطاعات الحقيقية، وهو بدوره السبب في تراجع جاذبية أسهم هذه الشركات مقارنة بالسندات الحكومية.
  3. كما أن انتشار ظاهرة التضخم المحلي والتضخم المستورد جعل البحث عن ملاذات استثمارية آمنة للمستثمرين والمضاربين هو الهم الأول. ولما كانت السندات الحكومية تمثل أكثر الملاذات أمانًا، فإنها تشهد تكالبًا شديدًا عليها، وهو ما ينزل بأسعار الفائدة عليها لما دون المستوى صفر.
  4. ازدياد درجة المخاطر الاقتصادية وغير الاقتصادية في الأسواق الدولية، وانتشار ظاهرة اللا يقين في التجارة الدولية، وزيادة مسببات الحروب التجارية بين شركاء التجارة الرئيسيين، كل ذلك يدفع بالسيولة الدولية للاتجاه ناحية السندات الحكومية، وبما ينزل بالعوائد عليها لما دون صفر.

هل تلحق الصين بها؟ هكذا خسرت اليابان حربها التجارية أمام أمريكا في الثمانينيات

وبنظرة فاحصة للمستقبل المنظور، يمكننا أن نتوقع أن مستقبل سوق السندات المالية سالبة العائد هو اتجاهه ناحية مزيد من التوسع، وذلك لأن الأسباب التي دفعت بوجود هذه السوق ما زالت قائمة في هذا المستقبل المنظور، فإن استمرار تدفق السيولة الدولية في اتجاه هذه القنوات الاستثمارية يظل في رأينا هو الاحتمال الأقرب للصحة.

وفي الوقت الذي ستعالج مشكلات السيولة الدولية، وتهدأ تقلبات أسواق الصرف، وتتحسن الإنتاجية في القطاعات الحقيقية، وتتراجع محفزات التضخم المحلي والمستورد، ستتراجع درجة المخاطر واللا يقين في الأسواق الدولية، وسيعود لسوق الأسهم جاذبيته، وستختفي بالتدريج ظاهرة السندات المالية سالبة العائد من أسواق المال الدولية. ولكن حدوث هذا الاحتمال في الأجل القريب غير مرجح إلى حدٍ كبير.

ما هي علاقة السندات السالبة بمعدلات النمو الاقتصادي؟

على الجانب الآخر ينظر محمد عبد الحكيم، رئيس قسم البحوث بـ«شركة فيصل لتداول الأوراق المالية»، ومحلل أسواق المال، إلى الفائدة السلبية على أنها إجراء نقدي من قبل بعض البنوك المركزية في بعض الدول، يهدف إلى خفض إيداعات البنوك لدى المركزي، لتوظيف تلك الأموال. وينتج ذلك عن انكماش في معدلات النمو لدى الدول غير القادرة على تخليق أنشطة اقتصادية تدفع النشاط الاقتصادي للنمو على مستوى الاقتصاد الكلى.

ويضيف عبد الحكيم، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن ذلك يظهر بشكل معتاد منذ فترة في بعض الدول التي وصل بها معدلات استغلال الموارد الاقتصادية حدها الأقصى، في ظل إمكاناتها الحالية، وبالتالي لم يعد هناك إقبال على الاقتراض بشكل كبير مما يضطر البنوك المركزية إلى اتخاذ مثل تلك الخطوة، بالإضافة إلى تباطؤ معدلات النمو إلى هذه الدرجة يوقف تمامًا معدلات التضخم بشكل مباشر.

ويقول محلل أسواق المال، إن: «هذا الأمر مثار اختلاف بين الاقتصاديين حول إيجابيته لاستقرار النشاط الاقتصادي وسلبيته على بعض أوجه الاستثمار التي تستهدف العوائد الخالية من المخاطر مثل صناديق المعاشات وغيرها»، لكنه يرى أن نمو سوق السندات السالبة، له مدلول واضح على اتجاهات النمو في الاقتصادات المتطورة، ويرتبط مستقبله بقدرة مثل تلك البلدان على ابتكار أساليب جديدة للخروج باقتصاداتها من مرحلة الركود.

«للتداول وليست للأكل».. ماذا تخبرنا قصة السردين الفاسد عن السندات السالبة؟

ما زال الأمر يحتاج إلى التوضيح أكثر، فسؤال «هل يخسر فعلاً المستثمرون من هذه السندات؟»، بالتأكيد يشغل بالك الآن، لكن ربما توضح قصة تجار السردين الكثير عن هذا الأمر، فقد قرر ثلاثة تجار الدخول في تجارة السردين، فاشترى التاجر الأول علبة من السردين مقابل خمسة دولارات، وباع العلبة نفسها من السردين للتاجر الثاني بمبلغ 10 دولار، مما ضاعف أمواله، وضاعف التاجر الثاني مرة أخرى أمواله من خلال بيع العلبة من السردين إلى التاجر الثالث مقابل 20 دولارًا.

التاجر الثالث كان يعلم جيدًا أنه كان يدفع بشكل مبالغ فيه مقابل السردين، وقال لنفسه إنه «إذا تعطلت سوق السردين، فسوف أتمكن على الأقل من فتح علبة السردين وأكله».

وبالفعل تعطل السوق، وفتح التاجر العلبة ليجد أن السردين فاسد، فذهب على الفور إلى التاجر الذي باع له السردين السيئ وقال، هذا السردين غير جيد، إلا أن التاجر الثاني رد عليه وقال: «بالطبع إنه للتداول فقط، وليس للأكل». قد تطبق هذه القصة تمامًا على سوق السندات السالبة وربما تجيب عن سؤال لماذا يشتري المستثمرون، سندات ذات عائد سالب، فكما ذكرنا في تعريف السندات فإن من أهم مميزاتها أنها قابله للتداول.

ما حدث بالنسبة للسردين؛ يحدث حاليًا لأكثر من 13 تريليون دولار من سوق السندات السالبة في العالم، إذ يتم شراء السندات للتداول فقط، وليس  بغرض الاستثمار. بمعنى أنه إذا كان أصحاب السندات الحاليين غير قادرين على المتاجرة بها لشخص آخر قبل أن يفقدوا قيمتها، فمن المرجح أنهم سيجدوا أن هذه السندات لم تكن استثمارًا جيدًا على المدى الطويل ولا أداة توظيف جيدة لأموالهم.

وللتوضيح أكثر إذا نظرنا إلى سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأمريكي، فإن سعر الصرف الآجل المتوقع بعد عام، يكون  أعلى بحوالي ثلاثة سنتات لكل يورو، فمثلا عندما يشتري مستثمر سندًا ألمانيًا بعائد سلبي -0.25%، فهو بذلك قد احتاط من مخاطر العملة أولًا، وقام ببيع آجل لليورو إلى دولار، فهو بالتالي يبيع بسعر صرف آجل بسعر أعلى من سعر الصرف الحالي، لذا فإن الفرق بين سعر الصرف الآجل وسعر الصرف الفوري يمكن اعتباره «عائدًا» إضافيًا قادمًا من التحوط.

عوائد التحوط في الدولار واليورو والين

وعلى الجانب الآخر بالنسبة للمستثمر الذي يستثمر في اليورو، فإن التحوط يحول خسائره المتوقعة إلى عائد إيجابي بالدولار الأمريكي (لمستثمر بالدولار الأمريكي) وإلى عائد سلبي باليورو (للمستثمر باليورو). وذلك كما يوضح الرسم البياني السابق عوائد التحوط في الدولار واليورو والين في السندات الحكومية ذات مدة استحقاق 10 سنوات من منظور المستثمرين من مختلف البلدان.

عمومًا يمكن القول إن الأمر متعلق أكثر بتقلبات العملة، والتي تحدث بشكل حاد، وتؤدي إلى حدوث خلل في الأصول ذات المخاطر، لكن هذه السندات على الأغلب ستستمر لمدة أطول، خاصة في ظل توقعات خفض الفيدرالي لأسعار الفائدة خلال العام الجاري.

 لكن يظل التضخم هو أخطر ما يهدد المستثمرين في هذا السوق، إذ إن عودة التضخم إلى البلدان المتقدمة يعني تآكل قيمة الديون ذات العائد الثابت، أي خسارة أكبر للديون ذات العائد السالب، مما يعني أن أي ارتفاع قريب لمعدل التضخم سيؤدي إلى الكثير من التقلبات في سوق السندات السالبة وربما ستتقلص السوق كثيرًا وتختفي.

الأرقام لا تكذب عادةً.. 2019 موعد الأزمة المالية الجديدة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد