منذ عقود عدة، تتخذ بعضٌ من الدول فرض عقوبات اقتصادية على أخرى مناهضة لسياساتها مبدأ لها، محاولة في الوقت نفسه إرغامها على تعديل سلوكها السياسي دون استخدام القوة العسكرية، لكن الأضرار الناجمة عن ذلك الأسلوب تكون وخيمة، وتلقي بظلالها على منشآت الدولة الرئيسية.

لذلك، فإن العقوبات الاقتصادية هي وسيلة تمارسها الدول بهدف معاقبة دول أخرى ترى أنها مخلة بالقوانين والأعراف الدولية، حتى باتت الوسيلة في الوقت الحاضر أكثر قبولا لدى المجتمع الدولي من مهاجمة ما يسمى بالدول المارقة عسكريا أو غزوها.

وتشمل هذه العقوبات فرض تقييد أو مجموعة من القيود على التجارة الدولية مع البلد المستهدف من أجل إقناعه على تغيير سياسته في مجال من المجالات، فضلا عن الحد من التصدير إلى أو الاستيراد من البلد المستهدف، وتقييد التحويلات النقدية من وإلى ذلك البلد وغيرها.

في التقرير التالي، نسلط الضوء على بعض من الدول التي عانت من تبعات قرار فرض العقوبات الاقتصادية عليها، ونتائجها، سواء كانت من قبل دولة، أو حتى مجموعة دول، مثل كوبا، إيران، روسيا، كوريا، السودان، وحتى اليمن وسوريا وغيرها.

أولا: إيران

مندوبو الدول العظمى الست خلال توقيع اتفاق مرحلي بشأن برنامج إيران النووي

 

فرضت الولايات المتحدة قيودًا على إيران منذ أن احتجزت الرهائن الأمريكيين عام 1979، مما أدى إلى حظر تجاري كامل عليها عام 1995، إضافة إلى جملة القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة أيضًا في عامي 2006-2007، حول زيادة الضغط بشأن برنامجها النووي وبرنامجها الصاروخي.

لثلاثة عقود والحصار المالي والاقتصادي لا يزال يراوح مكانه في إيران، عقب جملة القرارات الأمريكية والأوروبية أيضا بشأن برنامجها النووي، وعدم استجابتها لمطالب الوكالة الدولية للطاقة النووية.

آثارها

عام 2012 أقر الاتحاد الأوروبي جملة من العقوبات النفطية ضد إيران، والتي أدت إلى انخفاض سعر النفط في السوق العالمية، وارتفاع أسعار المواد الأساسيّة في السوق الداخلية الإيرانية بشكل كبير.

إلى جانب تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة، لا يزال يعاني من آثارها حتى اللحظة، حيث إن العقوبات الأمريكية والأوروبية معا على القطاعين النفطي والبنكي الإيراني، أدى إلى تشرذم الساحة السياسية الداخلية في إيران، وسط خطط إستراتيجية بديلة لمواجهة الآثار.

ولا بد من الإشارة إلى أن تدخل إيران في الصراع الدائر بسوريا ودعمها المباشر لنظام الأسد هناك، أسهم بشكل كبير في فرض المزيد من العقوبات الدولية، وتعمق العجز الاقتصادي الداخلي، وتوسيع الهوة بين النظام وعموم الفئات الشعبية التي ترى في هذا الدّعم إهدارًا للثروات الوطنية، وتكريسا لأوضاعهم الاقتصادية المتأزمة.

ثانيا: روسيا

خلال فض اعتصام المعارضين الأوكرانيين

عقب الأزمة الأوكرانية عام 2014، اتخذت دول غربية منها الولايات المتحدة الأمريكية قرارا بفرض عقوبات على روسيا، بعد اتهامها بدعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا ونشر جنود لها في داخل البلاد، الأمر الذي انعكس سلبًا على اقتصادها من حيث الاستثمار وهبوط العملة.

في المقابل، أعلنت روسيا فرض حظر كامل على واردات المواد الغذائية التي ينتجها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا وأستراليا والنرويج.

آثارها

وشملت عقوبات الاتحاد الأوروبي توسيع قائمة تجميد الأصول وحظر السفر على المسؤولين ورجال الأعمال والهيئات الروسية، ومن ينظر إليهم على أنهم يدعمون ماديا أو ماليا الأعمال التي تقوض أو تهدد سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها واستقلالها.

فضلا عن استهداف المزيد من أعضاء الدائرة المقربة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبعض الشركات الروسية الكبرى، والموارد الاقتصادية مثل العقارات، حيث إن الأشخاص الذين تم إدراجهم في قائمة العقوبات لن يسمح لهم بشراء أو بيع أصولهم في الاتحاد الأوروبي بمجرد دخول تجميد الأصول حيز التنفيذ.

ويشار إلى أن أبرز مسؤول روسي تستهدفه عقوبات الاتحاد الأوروبي حتى الآن هو “فياتشيسلاف فولودين” النائب الأول لرئيس إدارة الرئاسة الروسية “الكرملين”، وهو مدرج أيضا على قائمة العقوبات الأمريكية.

ويرتبط الاتحاد الأوروبي بعلاقات اقتصادية مع روسيا أقوى من الولايات المتحدة، ولذا فإن تضييق نطاق عقوبات الاتحاد الأوروبي سيحد من التأثير الشامل لها على موسكو.

لذلك، ستشعر بعض دول الاتحاد الأوروبي بالتأثير أكثر من دول أخرى، وأصبحت روسيا سوقا مزدهرا للسلع الاستهلاكية الغربية في العقد الماضي.

ثالثا: اليمن

الحوثيون وإحكام سيطرتهم على العاصمة صنعاء مؤخرًا

 

مؤخرا، لوحت بعض من دول الخليج خلال اجتماع مجلس التعاون الخليجي إلى إمكانية فرض عقوبات اقتصادية على اليمن عقب سيطرة الحوثيين على مقومات الدولة، وسقوطها في أيديهم.

ومنذ صدور الإعلان الدستوري من قبل الحوثيين بتشكيل مجلس رئاسي وخلافه، توالت التصريحات والتلميحات باستخدام عصا العقوبات الاقتصادية على الإدارة الجديدة التي فرضت نفسها بقوة السلاح على الساحة اليمنية.

لكن شبح فرض العقوبات الاقتصادية على اليمن بدأ في الظهور مع نهاية عام 2014، حيث فرض مجلس الأمن عقوبات اقتصادية على الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح وبعض قيادات الحوثيين، بمنعهم من السفر وتجميد أصولهم المالية.

آثارها

ونتج عن ذلك، تضييقٌ في موارد الدولة اليمنية خلال الشهور الماضية، بسبب ما تعرضت له البنية الأساسية لنقل وإنتاج النفط من قبل الفصائل المتنازعة هناك، إضافة إلى تراجع أسعار النفط في السوق العالمي بنسبة وصلت لنحو 55%، مما أثر على عوائد الموازنة العامة بشكل كبير.

وفي حال فرض عقوبات اقتصادية شاملة أو جزئية من قبل دول الخليج على اليمن، ستكون سواء في ما يخص المساعدات، أو التبادل التجاري، أو العمالة؛ مما سيسبب العديد من المشكلات للاقتصاد اليمني. ومن هذه المشاكل على سبيل المثال ما يلي:

فضلا عن انخفاض قيمة العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم، وزيادة معدلات البطالة، وتراجع ثقة المؤسسات الدولية، وبالتالي يترتب على وقف الصادرات النفطية لليمن وقفُ رواتب العاملين بالدولة، وشل الكثير من المرافق والخدمات العامة، والتسبب في شيوع ظاهرتي الفقر والبطالة بمعدلات أكبر مما هي عليه الآن.

رابعا: السودان

السودان خلال جلسة في الأمم المتحدة لبحث العقوبات المفروضة

 

عام 1997 أصدر الرئيس الأمريكي الأسبق “بيل كلينتون” قرارا بتجميد الأصول المالية السودانية، وحظر الأنشطة الاقتصادية بكافة أشكالها مع دولة السودان، إضافة إلى توسيع دائرة العقوبات هذه في العامين 2006، 2007 من قبل الرئيس السابق أيضا “جورج بوش” في إطار حملات عرفت بتجفيف منابع الإرهاب آنذاك.

آثارها

ومن أبرز الآثار السلبية للعقوبات هي حرمان السودان من التحويلات المالية، ما جعله يعاني عجزا في ميزان المدفوعات، وافتقار قطاعات حيوية مثل القطاع الزراعي والصحي وقطاع النقل للتقنيات الحديثة التي تسيطر عليها الشركات الأمريكية، أو الحصول على تمويل من صندوق النقد والبنك الدوليين.

فضلا عن عرقلة مشروع إعفاء الديون الخارجية للسودان، والتي تتجاوز 40 مليار دولار، رغم تنفيذه للإصلاحات الاقتصادية التي تشترطها مبادرة “الهيبك” لإعفاء الدول الفقيرة المثقلة بالديون، والتي تتضمن اتفاقا بين جميع جهات الإقراض الدولية الرئيسية على منح فرصة جديدة للبلدان التي تكافح لتجد مخرجًا تتمكن من خلاله من التخلص من أعباء ديونها التي تثقل كاهلها.

والمعروف عن السودان أنها دولة مصدرة للصمغ، والذي تستفيد منه أمريكا، وبالتالي وقف تصديره سيجعل الشركات الأمريكية تضغط في اتجاه رفع العقوبات وتطبيع العلاقات، إلى أن استثنت واشنطن خلال الأعوام الماضية عددًا من الأنشطة التجارية من قانون الحظر، أبرزها الصمغ العربي وبعض تقنيات القطاع الصحي والزراعي.

وبالتالي، تكون السودان قد فقدت الغطاء الدولي للاستثمار بفقدان أي فرص للتمويل الدولي من المؤسسات المالية الدولية أو الإقليمية بعد التزام أغلب الدول بالقرار الأمريكي، خاصةً دول الاتحاد الأوروبي؛ مما شكل أزمة بالغة الصعوبة داخل الاقتصاد السوداني مع انفصال الجنوب مؤخرا.

خامسا: سوريا

جلسة داخل مقر الأمم المتحدة خلال بحثها فرض عقوبات على سوريا

تم إقرار العقوبات العربية على سورية في السابع والعشرين من شهر آب 2011 والعقوبات ليست جديدة على السوريين بل هي مستمرة منذ الثمانينات من القرن الماضي، وتعود أسبابها إلى تجذر الموقف السوري المتمسك بسيادته وبقراره الوطني المستقل ودفاعه عن الحقوق العربية.

وفي العام 2004 عززت واشنطن هذه العقوبات التي كانت قد بدأتها في الثمانينات بعد رفض سورية للاحتلال الأمريكي للعراق ورفض الإملاءات الأمريكية والأوروبية ودعمها لحركات المقاومة في لبنان وفلسطين.

آثارها

أصدرت الولايات المتحدة ما سمي بقانون محاسبة سورية الذي حظر الصادرات إليها وجمّد أصول مؤسسات سورية، وحظر الرحلات الجوية بين الولايات المتحدة وسورية.

بينما في عام 2011 ومع اندلاع ما سمي بـ”الثورة السورية”، فرضت دولٌ عربية، وبناءً على قرار الجامعة العربية التي تديرها قطر؛ عقوباتٍ على خمسة قطاعات رئيسية في سوريا هي: السفر والتمويل والتحويلات المصرفية وتجميد الأموال، إلى جانب القطاع الاستثماري والتعاملات التجارية.

فيما فرض الاتحاد الأوروبي حزمة من العقوبات منها حظر استيراد النفط السوري وتوريد السلاح، وقف التعاملات التجارية والمصرفية، حيث هدفت بالمجمل إلى التأثير على المجتمع والمواطن السوري كونها تمس كل جوانب الحياة من خلال أنها تمس موارد الدولة وقدراتها.

وبالتالي، بدأت معالم وآثار وانعكاسات الأزمة في سورية وما رافقها من عقوبات تظهر بوضوح وجلاء على الاقتصاد السوري، لجهة معدلات نموه المنخفضة وارتفاع نسبة البطالة والانكماش الاقتصادي والتضخم والتراجع في سعر صرف العملة.. وغيرها.

ويعد قطاع النفط من أكثر القطاعات تأثرا بهذه العقوبات؛ حيث انخفض الإنتاج بعد عامين من الأزمة إلى نحو 70 ألف برميل يوميًا من نحو 380 ألف برميل يوميا، وكان يتم تكرير ما بين 220 – 240 ألف برميل في مصفاتي حمص وبانياس لإنتاج البنزين والكيروسين وغيرهما.

إلى جانب تأثيراتها السلبية على قطاع التجارة الخارجية، حيث أظهرت دراسة لهيئة ترويج وتنمية الصادرات مطلع العام 2013 أن قيمة المستوردات السورية عام 2011 بلغت نحو 16,57 مليار دولار انخفضت في العام 2012 نتيجة العقوبات إلى نحو 3,58 مليار دولار.

سادسًا: كوبا

الزعيم الكوبي فيدل كاستروا

 

فرضت الولايات المتحدة عقوبات تجارية عليها سنة 1962 وقيدت التعاملات التجارية معها على مدى أكثر من 50 عامًا، حيث تدهورت العلاقات الدبلوماسية بينهما وقطعت، في ظل حصار تجاري يعطل الحياة العامة في كوبا.

واستمر الحصار والقيود الأمريكية إلى أن ظهرت بوادر خجولة للانفراج بين البلدين، منذ تولي “راوؤل كاسترو” الحكم، حيث خفف أوباما قيود السفر إلى كوبا، وفي ديسمبر من العام الماضي تصافح النظيران في مدينة جوهانسبورج خلال حفل تأبين نيلسون مانديلا، كما تبادل الجانبان إشارات المودة في إطار مكافحة إيبولا.

آثارها

وكان قد تم تعليق عضوية كوبا في المنظمة عام 1962 ولم تشارك في قمة الأمريكيتين التي عقدت لأول مرة عام 1994 كتجمع لمنظمة الدول الأمريكية، حيث رفعت منظمة الدول الأمريكية تعليق عضوية كوبا عام 2009، إلا أن هافانا لم تطلب رسميًا عودتها على الرغم من أن جميع دول أمريكا اللاتينية تقريبا طلبت حضور كوبا للقمة.

ويشار إلى أن أمريكا قد اعتبرت كوبا منذ 1962 “دولة راعية للإرهاب”، وبحماية متمردين كولومبيين ومناضلين من الباسك وأمريكيين هاربين، وقد أمر أوباما بمراجعة هذه التسمية على أن يتم رفع تقرير بذلك خلال ستة أشهر.

ويعتمد اقتصاد كوبا بشكل كبير على سخاء الدول المتبرعة مثل روسيا وفنزويلا، وكانت الولايات المتحدة قد فرضت أول عقوبات ضد كوبا عام 1960 في إطار توسيع الحرب الباردة ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي القديم، بعد ثورة “فيديل كاسترو” التي حولت “كوبا” إلى حليف لموسكو رغم سقوط الشيوعية في العديد من الدول العالمية.

وعلى إثرها تضررت كوبا من الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها الدول المتبرعة مثل فنزويلا وروسيا، وأصبحت الدولة مثقلة بالديون حيث بلغ حجم الاقتصاد الكلي حوالي 121 مليار دولار وفقاً لتقديرات المخابرات الأمريكية، مع تعداد سكان يفوق 11 مليون نسمة، ورغم الإصلاحات التي قامت بها الحكومة الكوبية إلا أنها لازالت تواجه المصاعب.

المصادر

تحميل المزيد