مر الأسبوع الماضي بتقلبات اقتصادية والعديد من أخبار الاقتصاد ومنحنيات هامة، منها ما هو اقتصادي وآخر سياسي بآثار اقتصادية عميقة، وخلال السطور القادمة سنذهب في جولة لشرح ما ربما قد وجدته عسير الفهم خلال الأسبوع من تلك الأحداث، وكيف تأثرت بها أسواق المال عربيًا وعالميًا.

«حدث الأسبوع».. «أوبك +» تنجح في زيادة تخفيضات إنتاج النفط

في السادس من ديسمبر (كانون الأول) الجاري كتبت «أوبك» وحلفاؤها نهاية للتكهنات بشأن أكبر تخفيضات لإنتاج النفط في العقد الحالي؛ إذ قادت السعودية وروسيا اتفاقًا تلتزم بموجبه تعميق خفض مستويات إنتاج النفط الحالي بمقدار 500 ألف برميل يوميًا في الثلاثة أشهر الأولى من العام المقبل، وذلك سعيًا إلى تفادي فائض في المعروض ودعم الأسعار.

وعلى مدار الأسبوع الماضي كان اجتماع «أوبك» هو محور اهتمام الأسواق المالية وسط توقعات بتأجيل الزيادة تارة، وتوقعات بأن ستزيد «أوبك+» التخفيضات في الشهور الثلاثة الأولى من 2020 ستة أشهر أو 12 شهرًا تارة أخرى، ولكن جاء هذا القرار الذي اعتبره جار روس، مؤسس «بلاك جولد إنفستورز»، الأفضل؛ إذ يرى أن القرار يضع أرضية تحت الأسعار عند 60 دولارًا لخام النفط برنت.

لكن طرح هذا الأمر بهذه المعطيات فقط لا يكفي لفهم أبعاد تخفيضات «أوبك+»، إذ إن الجانب الأهم هو أن التخفيضات ستعوضها زيادة متوقعة من دول ليست ضمن «أوبك+»، وعلى رأس هذه الدول المنتجة الكبيرة الولايات المتحدة، التي بلغ إنتاجها في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي نحو 12.9 مليون برميل يوميًا، لتسجل بذلك أعلى مستوى من إنتاج النفط على الإطلاق، إضافة إلى أن الزيادة في الإنتاج من العراق ونيجيريا تجبر السعودية على تحمل أكثر من حصتها في الخفض.

يشار هنا إلى أن هناك 11 دولة فقط أعضاء في أوبك البالغ عددهم 14 دولة يشاركون في تخفيضات الإنتاج، بينما كلّ من إيران وليبيا وفنزويلا معفاة من الاتفاق، بينما تضم «أوبك+» 10 دول، على رأسهم روسيا، وتسع دول أخرى هي أذربيجان، والبحرين، وبروناي، وقازاخستان، وماليزيا، والمكسيك، وسلطنة عمان، وجنوب السودان، والسودان.

في المقابل لا يمكن إهمال علاقة هذا القرار بطرح «أرامكو»، فوفق «وول ستريت جورنال» فإن السعوديين مارسوا الضغط من أجل أن تستمر تخفيضات «أوبك» لفترة أطول مع اقتراب الطرح العام الأولي لشركة «أرامكو»، وبالفعل نجحت المملكة في هذا الأمر، فيما قررت السعودية تسعير الطرح العام الأولي لـ«أرامكو» عند الحد الأعلى لنطاقه الاسترشادي؛ مما يجعله أكبر طرح في العالم بقيمة تزيد على 25 مليار دولار التي جمعها إدراج مجموعة «علي بابا» الصينية في 2014.

وقالت عملاق النفط «أرامكو» السعودية إنها سًعرت طرحها العام الأولي عند 32 ريالًا للسهم، على أن يبدأ تداول أسهم بالسوق السعودي في 11 ديسمبر (كانون الأول) الجاري، فيما استفاد النفط من الاتفاق، وأنهت عقود خام القياس العالمي مزيج برنت الأسبوع الماضي على مكاسب قدرها 3%، إلى 64.38 دولار للبرميل.

صراع الساسة يخنق الاقتصاد.. «الناتو» وترامب وأشياء أخرى

وبعيدًا عن النفط تأثر الاقتصاد العالمي مجددًا بالصراعات السياسية الدائرة في عدة مناطق من العالم، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان على موعد مع صدمة للأسواق العالمية خلال تعاملات الثلاثاء، الماضي؛ إذ صرح بأنه من الأفضل تأجيل التوقيع على صفقة تجارية مع الصين إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية في 2020، محطمًا الآمال بإمكانية توقيع الصفقة الجزئية قبل نهاية 2019.

تصريحات ترامب قادت البورصة الأمريكية لخسائر قوية في ختام الجلسة، إذ فقد مؤشر «داو جونز» -أ مؤشر في العالم – أكثر من 280 نقطة، بينما قفز الذهب في نفس اليوم ليربح نحو 15 دولارًا خلال جلسة واحدة، بينما تأثر كل من الأسهم الأوروبية واليابانية بهذا التصريحات السلبية.

وجاء وقع هذه التصريحات قويًا؛ لأنه تزامن مع ما نقلته صحيفة «جلوبال تايمز» الصينية من أن بكين تصر على ضرورة أن يكون إلغاء التعريفات الجمركية جزء من المرحلة الأولى في اتفاق تجاري مع واشنطن، ويعد نشر مثل هذه التصريحات في الصحيفة التي تنشرها صحيفة «الشعب» اليومية الرسمية الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، يشير أن المفاوضات التجارية باتت في وضع صعب.

على الجانب الآخر، وفي نفس التوقيت تقريبًا، أعلنت واشنطن عزمها فرض تعريفات عقابية تصل إلى 100% على منتجات فرنسية بقيمة 2.4 مليار دولار، وذلك بعد تقرير كشف صادر عن مكتب الممثل التجاري الأمريكي عن الآثار الضارة للضريبة الرقمية التي فرضتها فرنسا على شركات التكنولوجيا الأمريكية، وهو ما دفع فرنسا للتعهد بالرد بإجراءات انتقامية في حال نفذت واشنطن خططها، وهو ما يفتح الباب أمام صراع تجاري أمريكي فرنسي وشيك.

الغريب في الأمر أن التهديدات الأمريكية جاءت بعد لقاء ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، في لندن على هامش قمة حلف شمال الأطلسي؛ مما يوضح مدى التوتر بين البلدين، ويرجح فرضية أن الأمور ربما في اتجاه تصاعد أكبر، وهو ما جعل الأسواق العالمية تتعامل مع هذه الأنباء بقلق بالغ. خاصة أن هذا ليس التهديد الأمريكي الأول، فقد سبق لترامب أن هدد قبل حضور قمة مجموعة السبع في أغسطس (آب) الماضي، بفرض ضريبة على النبيذ الفرنسي، إذ قال: «سأفرض ضريبة على نبيذهم بشكل لم يروه مطلقًا من قبل»، في حال فرضت فرنسا ضريبة تستهدف شركات التكنولوجيا الأمريكية، بحسب ما ذكرت «دويتشه فيله».

العالم والاقتصاد

منذ 11 شهر
لماذا يجب أن يستحوذ الذهب على النسبة الأكبر من استثماراتك في 2020؟

على الجانب الآخر خلال الأسبوع الماضي عاد للواجهة الحديث عن فرض أمريكا لرسوم جمركية على السيارات المستوردة، إذ قال وزير التجارة الأمريكي، ويلبور روس، الثلاثاء الماضي: «إن إدارة ترامب لم تستبعد فرض رسوم جمركية على السيارات المستوردة»، وهذا الأمر يضع صناعة السيارات الأوروبية تحديدًا أمام اختبار قاس في ظل المعاناة الحالية، وسط توقعات بتسجيل مبيعات السيارات أكبر هبوط منذ الأزمة المالية في 2008، وذلك بما يعادل نحو 4.1 مليون لتصل إلى 80.1 مليون سيارة في 2019، وفق تقرير للرابطة الألمانية لصناعة السيارات.

في المقابل تابع الاقتصاديون بترقب اجتماع حلف شمال الأطلسي «الناتو» في الذكرى الـ 70 لتأسيسه، في ظل ما يتردد من خلافات وتباينات بين قادة دوله، والقلق من تراجع قدرة الحلف على توجيه ضربات أو عدم التزام أعضائه ببند الدفاع المشترك مستقبلًا، إذ يوجد عدد هائل من الخلافات بين الأعضاء، الأوروبيين من جهة، وبينهم وبين الشريك الأكبر في الجانب الشمالي من المحيط الأطلسي -الولايات المتحدة – من جهة أخرى، وفي المنتصف تركيا وحرب التصريحات بين أردوغان وماكرون.

المستثمرون يفضلون المخاطرة.. ملخص ما حدث بأسواق المال العربية والعالمية

رغم كل التقلبات التي مر بها الأسبوع نجد أن كثيرًا من الأسواق تجاوزت الظروف وتمكنت من التغلب على حالة القلق السائدة، ففي الخليج سجلت البورصة القطرية أداءً أفضل من بقية جيرانها، بنهاية جلسة الخميس، بينما لم تتمكن مصر من الصعود إذ تراجعت مع انخفاض معظم أسهمها القيادية، بينما ارتفع مؤشر السعودية بشكل طفيف منتظرًا ولادة «أرامكو» الأسبوع الجاري.

بينما صدم تقرير أشار إلى أن النمو في القطاع الخاص غير النفطي في الإمارات تباطأ إلى أدنى مستوى في 10 أعوام في نوفمبر (تشرين الثاني)، بورصتي دبي وأبوظبي، إذ أنهت تعاملات الخميس، دون تغير يذكر.

بينما عالميًا، فقد استطاعت بورصة وول ستريت جني مكاسب كبيرة، بجلسة الجمعة، مع زيادة الاتجاه المستثمرين للمخاطرة بعد تقرير قوي للوظائف في أكبر اقتصاد في العالم، ويعني نمو الوظائف في الولايات المتحدة أن الاقتصاد الأمريكي يبقى في مسار نمو معتدل، على الرغم من ركود طويل الأمد في قطاع الصناعات التحويلية، وهو دفع المستثمرين للتفاؤل.

ولم يستفد الذهب من هذا التفاؤل إذ هبطت أسعار المعدن النفيس نحو 1% يوم الجمعة، وذلك بعد أن تجددت الرهانات على أن مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) قد يتريث بشأن أسعار الفائدة، وهو ما شجع المستثمرين حول العالم لتفضيل المخاطرة،

ووفق بيانات بنك «أوف أمريكا ميريل لينش» فقد شهدت السندات مرتفعة المخاطر وأسهم أمريكا تشهد أكبر تدفقات أسبوعية داخلة في شهر، إذ أظهرت بيانات «إي.بي.إف.آر» جلوبال إن صناديق الأسهم العالمية تلقت 7.2 مليار دولار في الأسبوع المنتهي الأربعاء الماضي، وهي أكبر تدفقات أسبوعية داخلة إليها في شهر.

وعلى مستوى العملات، كان الجنيه الإسترليني أكبر الرابحين بمعاملات الأسبوع الماضي؛ إذ وصل إلى أعلى مستوى في عامين ونصف مقابل اليورو وسجل أقوى مستوى في سبع أشهر أمام الدولار الأمريكي، وذلك بفعل توقعات بأن حزب المحافظين سيفوز بأغلبية مريحة في الانتخابات البريطانية المرتقبة، وفق أحدث استطلاعات الرأي.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
وداعًا للعصر الألماني.. كيف أصبحت فرنسا الحصان الأسود لاقتصاد أوروبا؟

المصادر

تحميل المزيد