أحمد طلب

20

أحمد طلب

20

2,975

لا شك أن ملف الدعم هو من أكثر المواضيع الاقتصادية الشائكة والحساسة في مصر؛ وذلك لأنه مرتبط بشكل مباشر بالاضطرابات الاجتماعية. وفي الوقت الذي يرى فيه الاقتصاديون التقليديون الدعم بمثابة تشويه متعمد لأسعار السلع والخدمات، والتي يجب أن تتحدد طبقًا لقوى العرض والطلب، يرى العديد من المحللين الآخرين أن الدعم ليس هدفًا لذاته، ولكنه آلية لحفظ التوازنات الاجتماعية؛ بهدف الوصول إلى الانتعاش الاقتصادي الشامل وتقارب مستويات الدخل لدى أغلب الفئات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة.

ولعل المبرر الوحيد أو الهدف الأهم لوجود الدعم الحكومي، هو تحقيق العدالة الاجتماعية ودعم الكفاءة الاقتصادية، وفي حال عدم قيام الدعم بهذه الوظيفة، فلا مبرر لوجوده، بل إنه يكون بمثابة عبء على الدولة، وإهدارًا لمواردها، إذ إنه سيذهب لغير المستحقين، ويساهم في زيادة الظلم الاجتماعي، فيما تعاني مصر على مدى السنوات الماضية من حالة دعم غير المستحقين بحسب المراقبين، وذلك لأسباب عدة. أهمها: عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على تحديد المستحقين الحقيقيين، بالإضافة إلى الافتقار إلى قاعدة بيانات محدثة، وتغلغل الفساد في منظومة الدعم، ويحاول هذا التقرير عرض مفهوم الدعم، والمراحل التي مر بها في مصر على مدار السنوات الماضية.

ما هو المقصود بالدعم الحكومي؟

يعرف الدعم الحكومي، بأنه شكل من أشكال المساعدات المالية أو الإعانات المقدمة إلى قطاع اقتصادي، أو مؤسسة، أو عمل تجاري، أو أفراد، وذلك إما بشكل مباشر، مثل تقديم المنح النقدية والقروض بدون فوائد، والنوع الأكثر شيوعًا هو الدعم لتوفير مواد استهلاكية أساسية أسعارها ليست في متناول الفقراء، وذلك من خلال سداد الحكومة للفارق بين سعر البيع والسعر الحقيقي للسلع.

وينقسم الدعم إلى نوعين: مباشر، مثل دعم السلع والخدمات الأساسية عبر خفض أسعارها، وغير مباشر، مثل دعم القطاع الإنتاجي من خلال استثمارات ميسرة من قبل الدولة تُمكنه من الانتعاش، وأحيانا يكون الدعم الحكومي سياسيًا: إذ تلجأ الأنظمة غير الديمقراطية إلى خفض أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية لإشاعةِ جوٍّ من الطمأنينة وتصريف حالة الاحتقان القائمة، وهو ما يسمى: شراء السلم الاجتماعي.

ويواجه الدعم الحكومي تحديات وصعوبات كبيرة في مصر أبرزها استغلال النفوذ والفساد المالي، وكذلك صعوبة الحسم بشكل موضوعي في القطاع صاحب الأولوية، ثم الفاعل أو الفاعلين الأحق بالدعم، بالإضافة إلى أن الفئات المستهدفة غالبًا تكون محدودة الاستهلاك، ومن ثم فإن استفادتها من الدعم الحكومي للسلع تكون محدودة كذلك، فعلى سبيل المثل: إن الشركات والفنادق والمطاعم تستهلك كميات تفوق بكثير استهلاك الأسر المحدودة الدخل، كما أنَّ ملاك السيارات الفارهة والمصانع يستهلكون من الوقود أكثر بكثير من استهلاك الأسر محدودة الدخل.

منذ أن بدأت سياسات الدعم الحكومي بالظهور في بداية القرن التاسع عشر تبقى المعضلة هي أن النسبة الكبرى من مخصصات الدعم في مصر تذهب لصالح الفئات الأقل حاجة إليها، بحسب الخبراء.

يقول المحلل الاقتصاد المصري عمرو عادلي، إن ملف دعم الطاقة في مصر خلال العقد الماضي يعد جمعًا مأساويّا لغياب الكفاءة وانعدام الرؤية الإستراتيجية مع الكثير من الفساد والمحسوبية، إذ تم بناء إستراتيجية مصر للتنمية الصناعية على عنصر غير موجود وهو توفر الطاقة، إذ إن ربع دعم الطاقة تقريبًا يذهب إلى مجموعة صغيرة من المصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة، يملكها إما رجال أعمال كبار ذوو نفوذ سياسي أو شركات متعددة الجنسيات كحال قطاع الأسمنت، كما أنها قطاعات لا تخلق فرص عمل لكونها قليلة التشغيل بطبيعتها، مع عدم ربط الدعم هذا بأية أهداف اقتصادية أو اجتماعية تبرر تكلفته واستمراره مع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية.

بين العيني والنقدي.. متى يكتمل التحول؟

تعتمد أغلب أشكال الدعم في مصر على الدعم العيني وهو دعم السلع، وذلك في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة المصرية للاستبدال بهذا النوع الدعم النقدي، إلا أن التحول من الدعم العيني إلى النقدي أمر من الصعوبة بمكان، لكن مؤخرًا بات هناك إصرار واضح على التحول بأسرع وقت، ويرى الاقتصاديون أن أبرز عيوب الدعم العيني هي عدم وصوله لمستحقيه وهي أكبر الإشكاليات التي تعاني منها مصر، وهو ما يدفع الكثيرين لترجيح كفة الدعم النقدي كبديل أفضل للدعم العيني، تحت شعار أنه سيصل لمستحقيه فقط، كما أنه يضمن مقدار أقل من الهدر والفساد، ويمنح حرية الاختيار للمستهلك.

ولكن التحول ليس سهلًا كما يتخيل البعض، فحتى الآن الحكومة غير قادرة على الإجابة على سؤال لمن يتم صرف الدعم النقدي؟ هل يصرف الدعم للأب الذي ربما يكون غير أمين وينفقه على ملذاته أم للأم التي ربما تنفصل عن الزوج والأسرة وتستأثر بمبلغ الدعم وحدها؟ وكيف تضمن الدولة أن الدعم النقدي سيستخدم في شراء الغذاء فقط، دون غيره ووصوله إلى كل أفراد الأسرة.

مدحت نافع، الخبير الاقتصادي وأستاذ التمويل، يرى أن الدعم العيني مطلوب استمراره جزئيًا فيما يتعلق بتحقيق أهداف محددة، أما الدعم النقدي فيجب أن يتم الانتقال إليه بشكل تدريجي ووفقًا لقواعد بيانات دقيقة؛ لأنه أسهل في التسرب إلى جيوب الفاسدين، إلا أن الأثر التضخمي له كبير جدًا، سواءً كان بسبب التضخم الجامح الذي بدأ يضرب الاقتصاد بدون التحول إلى الدعم النقدي أو ذلك التضخم الذي يصاحب زيادة المعروض النقدي والقوى الشرائية نسبيًا في أيادي مستحقي الدعم، وحينها قد تجد الدولة نفسها مضطرة إلى إعادة الدعم العيني مع بقاء الدعم النقدي.

الدعم ما قبل قرض النقد الدولي

وبحكم أن موضوع الدعم كبير، ويحتاج إلى أبحاث لمناقشته، يمكننا تركيز الحديث بصورة أكبر حول التغيرات التي حدثت للدعم الحكومي في مصر في السنوات الأخيرة مع لمحة تاريخية، من خلال مناقشة عنصرين أساسيين، وهما الدعم قبل حصول مصر على قرض صندوق النقد الدولي الأخير، أو ما يسمى دعم صندوق النقد الدولي لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الحكومي، والدعم ما بعد قرض الصندوق، إذ إن المرحلة ما قبل القرض الأخير متشابه كثيرًا منذ بدأ سياسة الدعم.

بدأت القصة في عام 1941، إذ قامت مصر بتطبيق برنامج دعم لكافة المواطنين، كإجراء مؤقت لتخفيف حدة الآثار السلبية للحرب العالمية الثانية على مستوى المعيشة، وبعد يوليو (تموز) 1952، بدأت مرحلة التغير في الدور الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد، إذ أصبح نظام الدعم ضمن يعبر عن التوجه السياسي للدولة في فترة الخمسينات والستينات، حيث باتت الحكومة تتحمل المسئولية عن تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية للمواطنين من صحة وتعليم، وفي منتصف الستينات ومع ارتفاع أسعار السلع ونقصها خاصة بعد حرب 1967، قدمت الحكومة نظام البطاقات التموينية لعدد محدود من السلع، لم يكن الهدف في البداية من النظام المقدم دعم أسعار السلع، بل توفير السلع الأساسية للمواطنين كإجراء لمواجهة النقص في هذه السلع.

وشهدت فترة السبعينات توسعًا في نظام الدعم وقيمته، فقد شمل الدعم عددًا أكبر من السلع بلغت 18 صنفًا، فيما جاء قرار الحكومة برفع الأسعار في يناير (كانون الثاني) 1977 على عدد من السلع، كجزء من الاتفاقات مع صندوق النقد الدولي في 1976 لتخفيض الدعم، وذلك لتنفيذ حزمة من الإصلاحات الاقتصادية، ولكن سرعان ما تراجعت الدولة عن قرار الخفض، بل توسعت في نظام الدعم بعد انتفاضة كبيرة شملت محافظات عديدة في مصر، ولكن مع بداية الثمانينات انتهجت الدولة أسلوبًا جديدًا لخفض الدعم وذلك بالعمل على إستراتيجية طويلة المدى متدرجة في خفض الدعم، بافتراض أن التغيير التدريجي لن يجعل المواطنين يشعرون بالتغير الحاد في مستوى المعيشة.

ونستطيع القول إن هذه الإستراتيجية استمرت بصور متباينة وأحداث متشابهة حتى نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، وهو الشهر الذي بدأت فيه الحكومة بتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وافق عليه صندوق النقد الدولي، وكان هذا الشهر تحديدًا هو بداية الانتقال إلى إستراتيجية إلغاء الدعم بشكل شبه نهائي.

الدعم ما بعد قرض النقد الدولي

كان هدف الحكومة المعلن منذ سعي الحكومة للحصول على قرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار، هو تطبيق خطة رفع الدعم، دون أن يمس محدودي الدخل أعباء هذه الخطة، لكن ما حدث هو أن الحكومة اتخذت قرارات تقشفية كثيرة خلال الأشهر التسعة الماضية، وذلك في ظل ثبات الأجور، إذ استهدفت الحكومة رفع الدعم عن كل شيء وبشكل متسارع وبصورة غير مسبوقة؛ مما جعل من الصعوبة بمكان انتظار أي تحسن للأوضاع المعيشية للمصرين، سواء على المدى القصير أو المتوسط.

وبالنظر إلى القرارات الأخيرة فقط، فإن معدل رفع الدعم في مصر وصل إلى معدلات قياسية، ففي يوليو (تموز) الجاري فقط، قررت الحكومة المصرية، رفع سعر سلعتي السكر والزيت بنسبة 25% و17% على التوالي، ببطاقات التموين، ليرتفع بذلك سعر كيلو السكر ببطاقة التموين إلى عشرة جنيهات، وسعر زجاجة الزيت إلى 14 جنيهًا، ثم جاء الدور على أسعار الوقود؛ إذ أعلن مجلس الوزراء المصري، رفع أسعار المواد البترولية للمرة الثانية منذ التعويم بنسب تصل إلى 100%، ولم تمر أيام حتى أعلنت وزارة الكهرباء رفع أسعار الكهرباء المنزلي بنسب متفاوتة وفق شرائح الاستهلاك، تراوح بين 18 – 42.1% خلال العام المالي الجاري 2017 / 2018.

وتعد زيادة أسعار الكهرباء هي الزيادة الثانية من نوعها خلال نحو عام؛ حيث رفعت مصر أسعار الكهرباء بداية من يوليو (تموز) 2016 بنسب تتراوح بين 17 – 46%، فيما يتوقع أن يستقبل المواطن المصري مطلع أغسطس (آب) المقبل، قرارًا بزيادة هي الثالثة على أسعار الأدوية خلال خمسة عشر شهرًا، بعدما رفعت مصر أسعار الدواء، مطلع العام الجاري، بنسبة تراوحت ما بين 30 إلى 50% للأدوية المحلية، و40 إلى 50% بالنسبة للمستوردة، بعد زيادة الأدوية الأقل من 30 جنيهًا (7 آلاف صنف)، بنسبة 20% في مايو (أيار) 2016، ناهيك عن رفع جزء كبير من الدعم عن تذاكر الكثير من المواصلات العامة وفي مقدمتها المترو والقطارات.

ومع هذه القرارات القاسية تظل تدابير الحماية الاجتماعية التي وعدت بها الحكومة ضعيفة جدًا، ولا يمكن أن تعوض خسائر المواطن الذي كان يعتمد بشكل أساسي في حياته اليومية على هذا الدعم، إذ قررت مصر في 29 مايو (أيار) 2017، اعتماد سلسلة من تدابير الحماية الاجتماعية لمساعدة المواطنين على مواجهة الظروف التضخمية وتخفيف الأعباء عنهم، بإجمالي 2.5 مليار دولار من الموازنة العامة للدولة، فوافقت الحكومة، على مقترح بزيادة المعاشات التأمينية بنسبة 15%، اعتبارًا من مطلع العام المالي الجاري.

وشملت إجراءات الحماية الاجتماعية، زيادة قاعدة الموظفين والعاملين غير الخاضعين لضريبة الدخل، ومنح خصم من الضريبة الواجب على الأفراد سدادها، ويزداد الخصم كلما قل الدخل، ولكن لا تزال هذه الإجراءات غير كافية بحسب الخبراء.

وربما تشير الأرقام إلى أن مخصصات الدعم في البلاد قد ارتفعت، إذ أعلنت الحكومة عن زيادة مخصصات الدعم في الموازنة الجديدة، وبخاصةً دعم كل ما يمس احتياجات المواطن البسيط، ورفعت الدولة مخصصات دعم المواد التموينية بنسبة 53.7% إلى 63 مليار جنيه في موازنة العام الجديد 2017/2018 مقابل 41 مليار جنيه في موازنة 2016/2017، ولكن هذه الزيادة تعد سالبة؛ لأن قيمة العملة المصرية قد تراجعت خلال التسعة أشهر الماضية بأكثر من 100%، وهو ما يجعل هذه الزيادة وهمية لا أكثر.

وعلى ما يبدو فإن قرار الحكومة برفع الدعم بشكل نهائي بات مسألة وقت لا أكثر، إذ قال رئيس بعثة صندوق النقد الدولي إلى مصر كريس جارفيس: إن الصندوق متفائل بشأن جهود مصر لإلغاء الدعم لمنتجات الطاقة على مدى ثلاث سنوات، موضحًا أن هيكلة دعم الطاقة هي «أحد الأعمدة الرئيسة» في برنامج الإصلاح الاقتصادي.

رغيف الخبز.. الناجي الوحيد حتى الآن

بالرغم من خطوات الحكومة المتسارعة في الاستغناء عن كل أشكال الدعم العيني في مصر مازال رغيف الخبز صامدًا حتى الآن، وذلك في ظل تأكيد الحكومة على أن سعر رغيف الخبز لن يُمس، وهو خمسة قروش، وهو نفس السعر الثابت منذ عام 1988، وطبقًا للموازنة العامة الأخيرة، تبلغ تكلفة إنتاج رغيف الخبز 36.8 قرشًا، منها 27.54 قرشًا صافي دعم الرغيف، وبذلك يبلغ حجم دعم الدولة للخبز 23.715 مليار جنيه، وذلك قبل ارتفاع سعر إنتاجه بعد تعويم الجنيه.

وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال الرئيس السيسي: إن قيمة دعم رغيف الخبز وصلت إلى 55 قرشًا، فيما ينظر إلى دعم الخبز على أنه حماية للفقراء، إذ إن دعم الخبز يساهم في رفع مستوى معيشة الملايين من المصريين، ويحول دون وقوع ملايين منهم في الفقر وما دونه، ووفقًا لتقرير مركز دعم اتخاذ القرار في 2010، فإن 60% من المصريين كانوا يعتمدون على الخبز المدعم بشكل أساسي، ولكن بات استمرار دعم رغيف الخبز مهددًا الآن في نظر البعض، وسط قرارات حكومية استهدفت منظومة إنتاج وتوزيع الخبز بشكل مباشر، فهل يقترب قرار الحكومة برفع الدعم عن الخبز، والإعلان عن نهاية عصر الدعم العيني في مصر؟