يترقب المغاربة، كباقي شعوب العالم، قدوم العام الجديد بكثير من التوجس، آملين أن تكون سنة 2017 أفضل حالًا من نظيرتها 2016، بعد كل الأحداث المضطربة التي شهدتها، والقرارات الحكومية المثقلة لكاهل المواطنين.

وبحلول العام الجديد، يستعد المغرب لاتخاذ مجموعة من القرارات السياسية والاقتصادية، التي تهم معيشة المواطنين المغاربة.

تحرير صرف العملة المغربية

تحرير العملة هو مصطلح اقتصادي يروج في الأوساط المالية، ويعني ترك تحديد قيمة العملة لقاعدة العرض والطلب، بدل سعر الصرف المحدد سلفًا تبعًا لعملات مرجعية كالدولار واليورو، تفرض الدولة التعامل على أساسهما في السوق.

وفي سياق الإصلاحات الليبرالية التي تباشرها الدولة على مستوى الاقتصاد، يستعد المغرب في سنة 2017 لبدء تحرير صرف الدرهم المغربي، المشروع الذي استغرق شهورًا طويلة من التحضير، تخللتها عدة لقاءات بين الجانب المغربي وخبراء صندوق النقد الدولي خلال السنتين الماضيتين، للتباحث حول طريقة الانتقال من نظام سلة العملات (تحديد العملة وفق العملات المرجعية) إلى نظام صرف مرن.

ويثير هذا الإجراء الاقتصادي، الذي ينوي المغرب تنفيذه العام الجديد، حفيظة الخبراء الاقتصاديين المحليين، منهم نجيب أقصبي، الذي يرى أن «استفادة الاقتصاد المغربي من قرار تحرير سعر صرف الدرهم المغربي، رهينة بتحسين القدرة الإنتاجية للمغرب، والرفع من قيمة صادراته وتنويعه»، وتنجح عادة البلدان ذات القدرات التنافسية من حيث الإنتاج والتصدير في الانتقال إلى نظام الصرف المرن، في حين تعاني الاقتصادات الهشة من مخاض عسير، خلال طور انتقالها، خاصة بالنسبة للطبقة الاجتماعية الفقيرة.

لكن المغرب يعول على الانتقال التدريجي للمرور إلى نظام الصرف المرن، تجنبًا لأي مخاطر متوقعة، على شكل مرحلتين، الأولى تضع خلالها الدولة حدودًا عليا ودنيا لسعر صرف الدرهم، وتتدخل في حالة تجاوزها، ثم في المرحلة الثانية تعطى الانطلاقة لدخول المغرب دخولًا كاملًا في نظام تحرير سعر الصرف، حيث سيصبح الدرهم المغربي خاضعًا لقانون العرض والطلب في السوق.

وكان من المفترض أن تبدأ المرحلة الأولى مع بداية 2017، إلا أن أنه تم إرجاؤها حتى منتصف العام الجديد، «لتحليل المعطيات والوقوف على التجارب السابقة والاستفادة من محطات دول أخرى أقدمت على تعويم عملتها المحلية إراديًا أو تحت الضغط، ولانتظار جهوزية الأطراف المحلية المعنية بالتحرير»، كما قال عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب.

ويضيف عبد اللطيف الجواهري في مقابلة له مع جريدة «الحياة»، في عددها أمس، إن «انهيار العملات المحلية في بعض الدول، كمصر، عند تحرير نظام الصرف، كان بسبب محلات الصرافة والضغوط الخارجية بهدف الاقتراض»، معتبرًا أن الأوضاع الدولية تمر بفترة عدم استقرار وضبابية ويُستحسن الانتظار إلى حين انكشاف الرؤية، خصوصًا السياسة المرتقبة في الإدارة الأمريكية، والانتخابات في فرنسا وإيطاليا وألمانيا والنتائج الاقتصادية لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ارتفاع المحروقات الطاقية

يصنف موقع «غلوبال بترول برايس»، المتخصص في رصد أسعار المواد الطاقية حسب الدول، المغرب باعتباره واحدًا من البلدان الأكثر غلاءً من حيث أسعار المحروقات، إذ تتقدم المملكة منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، في الوقت الذي عرفت فيه سنة 2016 هبوطًا ملحوظًا لأسعار النفط العالمية.

الأمر الذي يثير استغراب المواطنين المغاربة، ولاسيما أن المملكة انخرطت في سياسة تحرير قطاع الطاقة من الدعم الحكومي، منذ قرابة عام، حيث من المفترض أن تنخفض أسعار المحروقات تبعًا لتراجع سعر برميل البترول في السوق، إلا أن تلاعب الشركات النفطية المحلية بالأسعار في غياب تدخل الدولة، يحول دون ذلك.

لكن الأسوأ لم يأت بعد، إذ يتوقع الخبراء الدوليون ارتفاع سعر النفط بحلول العام الجديد بعدما تقلص الإنتاج، حيث سبق لوكالة الطاقة الدولية (أوبك) أن حذرت من تراجع الاستثمار في قطاع النفط والغاز إلى أدنى مستوى له في الستين عامًا الماضية، مما قد يخلق أزمة إمدادات مع النصف الثاني من العام المقبل، تؤدي إلى ارتفاع صاروخي في أسعار البترول مع منتصف العام الجديد.

وفي هذا الشأن، يتوقع البنك الدولي أيضًا أن تقفز أسعار البترول من متوسط 43 دولار للبرميل في سنة 2016 إلى متوسط 55 دولار للبرميل خلال 2017، مما يقود إلى زيادة قوية في أسعار المواد الطاقية.

وهو ما سينعكس، تبعا لذلك، على أسعار بيع المحروقات المحلية في بالبلاد، في ظل تخلي الدولة عن الدعم الحكومي للمواد الطاقية، وتحريرها لسوق الطاقة قبل عام، مما سيلهب مواد البنزين والكازوال في الأسواق المغربية خلال العام المقبل.

احتمال رفع الدعم عن السكر وقنينات الغاز في 2017

في سنة 2012، منذ  بدأ المغرب سياسة رفع الدعم عن المواد الأساسية بشكل تدريجي، في البداية كانت فقط مراجعة أولية لأسعار الوقود عند محطات التوزيع، ثم بعد ذلك طبق نظام المقايسة، المعتمد بين سبتمبر (أيلول) 2013، و في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، ساير دعم الدولة الجزئي الأسعار العالمية للنفط حسب الانخفاض أو الارتفاع، لتعلن الدولة رفع يدها بشكل كامل عن قطاع المحروقات منذ فاتح يناير (كانون الثاني) 2015.

غير أن الدعم العمومي للسكر وغاز البوطان والدقيق لا يزال مستمرًا حتى الآن، إذ رصدت الحكومة قرابة 1.48 مليار دولار لدعم السلع الأساسية، كما يظهر قانون مالية 2017.

وذلك بالرغم من أن هذه المستهلكات تعتبر من المواد التي يشملها مشروع «إصلاح صندوق المقاصة»، إلا أن ذلك لا يعني أنها بعيدة عن خطة الدولة الممثلة في التخلي عن الدعم الحكومي للمواد الأساسية بشكل كامل، حيث تتجه الحكومة شيئًا فشيئًا نحو رفع يدها عن هذه الضروريات المعيشية أيضًا.

بالنسبة لغاز البوطان فقد انحصر دعمه على مستوى النقل والتوزيع فقط مع بداية 2016، بعد أنه كان يشمل الاستيراد أيضًا، وبالتالي تراجعت النسبة المدعمة لغاز البوطان من %70 من التكلفة الحقيقية في الماضي، إلى %45 في 2016.

ونفس الشأن لمادة سكر، تراجع الدعم الحكومي لها بفضل انخفاض الأسعار العالمية للسكر، أما الدقيق فقد تقلصت نفقات الدعم الحكومي المخصصة له بنحو %55 مقارنة مع سنة 2011.

وتبعا للتراجع المتواصل للدعم الحكومي للسكر وغاز الطهي والدقيق، فإن أسعار هذه المواد تبقى مرشحة للارتفاع في 2017، خاصة بعد موسم الجفاف الذي ضرب المغرب في 2016،  وإلى ذلك يرجح مراقبون أن يكون السكر بنهاية العام الجديد غير مدعم بشكل تام.

زيادات في ميزانيات الأمن والدفاع

أمام التحديات الأمنية المتزايدة داخليًا وخارجيًا والتي تواجه المغرب، يزداد الاهتمام أكثر بالأمن والدفاع، على مستوى التجهيز اللوجيستي والتدريب والعاملين.

وفي هذا الصدد، كانت جريدة «المساء» المغربية، قد أوردت في خبر لها بأن أجور القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والحرس الملكي والقوات المساعدة، من المتوقع أن تعرف زيادة جديدة بحلول 2017، بعد أن راجت أخبار في صفوف القوات المسلحة الملكية بزيادات في الأجور النظامية والتعويضات العائلية، مع منتصف العام المقبل.

علاوة على أن المملكة تنخرط في مخطط أمني كامل، يشمل تجهيز القوات المسلحة، بما فيها الجيش والداخلية، وإمدادها بالكوادر اللازمة وصياغة إجراءات أمنية جديدة، تحسبًا للوضع المثير للتهديدات الداخلية والخارجية، وقد رصدت لذلك إمكانيات مالية مهمة.

ومن ثمّة خصص قانون مالية 2017 لوزارة الداخلية ميزانية قدرها 23.855.490.000 درهم، بزيادة %9.22 عن سنة 2016، بينما انخفضت ميزانيات وزارات الصحة والتعليم والتشغيل مقارنة مع العام المنصرم.

وكانت الحكومة المغربية قد رصدت لميزانية الجيش في مالية 2016، ما يقارب 5.6 مليار دولار، أي ما نسبته %5 من الإنتاج القومي الخام للبلد، وبذلك يكون المغرب ضمن البلدان العشر التي خصصت أكبر نسبة من إنتاجها القومي لميزانية الدفاع لديها، بزيادة تاريخية تتجاوز %70 مقارنة مع عام 2015، حسب موقع ألف بوست.

فتح «البنوك الإسلامية»

مع نهاية السنة الوشيكة على الانصرام، أعلن البنك المغربي المركزي أنه سيبدأ في منح موافقات للبنوك الإسلامية هذا العام بهدف السماح لها ببدء النشاط أوائل 2017، كما نقلت رويترز.

وكان المغرب متوجسًا من هذا النمط من البنوك، حيث سبق له أن رفض العديد من الطلبات، بداعي مخاوف أمنية مرتبطة بتمويل التطرف، إلا أنه فتح الباب أخيرًا، لما يسمى بـ«البنوك الإسلامية»، القائم على المرابحة والمشاركة والإيجار، كأدوات للتمويل بديل الفائدة.

وظهرت في الفترة الأخيرة مجموعة من «البنوك وشركات التأمين الإسلامية»، العازمة على الاستثمار في المملكة، بعد أن تبنت الأخيرة تشريعات تسمح لها بالعمل في السوق، إذ  يقول البنك المركزي إنه تلقى سبعة طلبات لفتح بنوك إسلامية وثلاثة طلبات لفتح نوافذ لبيع المنتجات الإسلامية.

ويأتي هذا الإجراء الاقتصادي الجديد، في ظل حاجة المغرب للسيولة المالية والاستثمار الأجنبي، حيث من شأن هذه السياسة أن تجذب التمويل الإسلامي القادم من أثرياء الخليج، والشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار فيما يسمى «المنتجات الإسلامية»، الموجهة «للمتدينين» على وجه التحديد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد