1,357

لا تكشف الصراعات الإعلامية دائمًا عن واقع العلاقات الحقيقي بين الدول، فكثير من الدول تمكنت من الفصل بين صراعاتها السياسية المتصدرة شاشات التلفاز، وبين العلاقات الاقتصادية وتبادل المنافع على أرض الواقع، فحاليًا لم يعد الخلاف السياسي بين الدول علامة على انقطاع العلاقات الاقتصادية، بل أحيانًا تعالج المصالح الاقتصادية كثيرًا من الأزمات السياسية؛ إذ تكون أحد أبرز عوامل التقارب بين الدول.

ويقال إن الاقتصاد والسياسة توأمان لا ينفصلان، أو وجهان لعملة واحدة، وأن الاقتصاد مرآة تعكس السياسة، لكن لم تعد كثير من الدول تسير في نفس السياق؛ ففي الأنظمة الرأسمالية نجد أن الاقتصاد في الغالب يدير السياسة، بينما يجري التغاضي عن مشاكل سياسية من أجل تحقيق المصلحة الاقتصادية، وهو بالفعل ما يحدث حاليًا بين كثير من الدول، فبالرغم من الصراع المعلن سياسيًا، نجد الاقتصاد في اتجاه آخر تمامًا.

تركيا وإسرائيل.. مواقف سياسية نارية وواقع اقتصادي مختلف

دائمًا ما تُظهر أنقرة عداءها السياسي الكبير لتل أبيب، وذلك عبر التصريحات الرسمية والمواقف الإعلامية، وخاصة تلك الخطابات التي يلقيها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكان آخر المواقف الصارمة في مايو (أيار) الماضي عندما أعلنت تركيا سحب سفيرها من تل أبيب، احتجاجًا على قرار نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.

وبعيدًا عن تفاصيل الموقف التركي الأخير، لكن المتابع للمشهد السياسي التركي الإسرائيلي يجد أن هناك شبه خصومة سياسية بين تركيا وإسرائيل في السنوات العشرة الأخيرة، فبداية من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة نهاية عام 2008 وبداية عام 2009، ومرورًا بالاعتداء على أسطول الحرية المتجه لكسر الحصار عن غزة في 2010، ثم الحرب على قطاع غزة في 2012 و2014، وانتهاء بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، دائما ما كان الموقف الإعلامي التركي من إسرائيل حادًا وواضح.

لكن رغم هذه الخلافات حافظت تركيا على العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إسرائيل، فالاقتصاد لم يتضرر من التصريحات الإعلامية التي تصدر بين الحين والآخر، بل في نفس الوقت ترسل تركيا وفودًا اقتصادية إلى تل أبيب لتأكيد الشراكة وتعزيزها، في مساع ٍ نحو زيادة التجارة البينية بين البلدين إلى أكثر من 10 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.

Embed from Getty Images

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان

وبحسب بيانات «معهد التصدير والتعاون الدولي» التابع لوزارة الاقتصاد الإسرائيلية، وصل حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل خلال عام 2017 إلى 4.3 مليار دولار، وذلك بزيادة بنسبة 11% عن عام 2016؛ إذ سجلت قيمة الواردات الإسرائيلية من تركيا نحو 2.9 مليار دولار، بينما بلغت قيمة الصادرات الإسرائيلية لتركيا 1.4 مليار دولار، وكانت الصادرات التركية إلى إسرائيل قد ارتفعت في الربع الأول من نفس العام بنسبة 20%، بينما ارتفعت الصادرات الإسرائيلية إلى تركيا بنسبة 45%.

وبعيدًا عن التبادل التجاري نجد أن قطاع السياحة بين البلدين لم يتأثر كذلك، فبحسب أرقام مكتب الإحصاء الإسرائيلي، فإن عدد السياح الأتراك الوافدين إلى إسرائيل خلال النصف الأول من 2017 وصل إلى نحو 21 ألف سائح، كما أن أكثر من 293 ألف سائح إسرائيلي زاروا تركيا في عام 2016 بزيادة تقدر بـ80% مقارنة بعام 2013.

الإمارات وإيران.. حرب إعلامية وعلاقات اقتصادية منتعشة

المتابع للإعلام الإماراتي أو الإيراني يجد أن البلدين في حالة تشبه الحرب ما بين وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، الذي يصف تحركات إيران بـ«العبثية»، والتأييد الرسمي الكامل للعقوبات الأمريكية على إيران، ودعوات 60 نائبًا في البرلمان الإيراني الرئيس حسن روحاني مؤخرًا لإعادة النظر في العلاقات مع الإمارات، وكذلك مشاركة أبوظبي في التحالف العربي الذي يحارب الحوثيين في اليمن حلفاء طهران، ناهيك عن احتلال إيران لثلاث جزر إماراتية منذ عشرات السنين.

Embed from Getty Images

مدينة دبي الإماراتية

كل هذه الأزمات تجعل الصورة العامة حول العلاقات بين إيران والإمارات كارثية، ولكن في الواقع هذه الحرب السياسية التي تظهر عبارة عن تصريحات وبيانات، لا تُترجم  اقتصاديًا، بل على العكس تمامًا تنعش العلاقات الاقتصادية بين البلدين؛ ففي 2012 قال مجلس الأعمال الإيراني في دبي: «إن الاستثمارات الإيرانية في الإمارات تحتل المرتبة الثانية بعد الأمريكية، فيما تشير تقديرات إلى أن عدد الشركات الإيرانية المسجلة رسميًا في دبي وحدها يبلغ 7660 شركة.

وتعد الإمارات الشريك التجاري العربي الأول مع إيران، إذ سجل حجم التبادل التجاري بين البلدين الحجم 16 مليار دولار في 2016، لكنه تراجع إلى 11 مليار دولار العام الماضي، بينما تعتبر إيران رابع أكبر شريك للإمارات، في الوقت الذي تعتبر الإمارات الشريك التجاري الثاني لإيران، وهي تستحوذ على 90% من حجم التجارة بين دول الخليج وإيران».

وتشير إحصاءات حديثة إلى أن 18% من مجموع الواردات الإيرانية خلال الفترة من مارس (آذار) 2017 وحتى فبراير (شباط) 2018، كانت من الإمارات، في حين أن الصادرات الإيرانية خلال الفترة ذاتها إلى الإمارات بلغت 4.2 مليارات دولار وتمثل 14% تقريبًا.

الجزائر والمغرب.. ربع قرن من إغلاق الحدود لم تمنع الاقتصاد من المرور

منذ عام 1994 والحدود البرية بين المغرب والجزائر مغلقة، فالبلدان يعيشان أقدم الخلافات بين دول المغرب العربي؛ إذ تعود جذور هذا الخلاف إلى ما بعد استقلال البلدين، كما أنه في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1963، تسبب خلاف حدودي بينها في مواجهات عسكرية عرفت بـ«حرب الرمال»، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف مسلسل الخلافات، بينما لا يوجد حتى الآن أي بوادر لحل الأزمة السياسية بينهما.

وبعيدًا عن تفاصيل هذه الأزمات، إلا أنها لم توقف العلاقات الاقتصادية، فالبرغم من اشتعال الأزمات السياسية من حين لآخر إلا أن هناك بعض ملامح التعاون الاقتصادي بين البلدين، ففي ذروة الخلافات السياسية بين البلدين، وتحديدًا قبل 20 عامًا كان هناك تعاون اقتصادي مستمر حتى الآن وذلك من خلال خط أنبوب غاز جزائري يذهب إلى إسبانيا مرورًا بالمغرب، إذ تحصل المغرب على 10% من عائدات الأنبوب الذي يمتد بطول 2136 كليومترًا، وذلك في صورة رسوم ضريبية تقدر بنحو 1.5 مليار دولار سنويًا.

وتشير تقديرات إلى أن حجم التبادل التجاري بين المغرب والجزائر سجل نحو 9.19 مليار درهم خلال الـتسعة أشهر الأولى من عام 2013، فيما لا تتوفر بيانات أحدث عن حجم التبادل، إذ تأتي صادرات الجزائر في شكل منتجات طاقة من بترول وغاز، بالإضافة إلى منتجات أخرى أبرزها الأسمدة والتمور، بينما تصدر المغرب إلى الجزائر منتجات مثل: الصلب والحامض الفوسفوري والإسمنت والجبس، بالإضافة إلى القهوة والذرة ومواد أخرى.

تركيا ومصر.. مقاطعة سياسية لم تمنع الوفود الاقتصادية

على مدار الـخمس سنوات الماضية تواصلت الخلافات السياسية بين تركيا ومصر، وهي خلافات حادة وصلت إلى درجة عدم اعتراف تركيا بالنظام الحكام في مصر، وفي المقابل لا يمل الإعلام المصري من مهاجمة النظام التركي ، فيما أصبحت تركيا هي المقر الرئيسي للآلاف من معارضي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في حين أن المصريين لابد لهم للحصول على موافقة أمنية كي يتمكنوا من السفر إلى تركيا.

كل هذه الأمور والمقاطعة السياسية شبه الكاملة لم تمنع العلاقات الاقتصادية من الاستمرار، بل أصبح تبادل الوفود الاقتصادية مؤخرًا أمر طبيعيًا بين البلدين؛ إذ إن آخر وفد تركي وصل إلى مصر كان في فبراير الماضي، وكان من اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية، وقد جرى اقترح إنشاء منطقة صناعية تركية في مصر فيما يعد تطورًا كبيرًا في العلاقات الاقتصادية رغم بقاء الخلافات السياسية على حالها.

وفي مارس (آذار) الماضي، كشف وزير التجارة والصناعة المصري، عن أن صادرات بلاده إلى تركيا حققت نموًا كبيرًا وغير مسبوق خلال العام الماضي، بزيادة نسبتها 38.5%، موضحًا أن تركيا تعد ثاني أكبر مستورد من مصر بعد دولة الإمارات العربية المتحدة، وعلى الجانب الآخر تستورد مصر من تركيا السلع الهندسية، والإلكترونية، ومواد البناء، والكيميائيات، والأسمدة، والملابس الجاهزة.

وبحسب هيئة الإحصاء التركية، فإن التبادل التجاري بين مصر وتركيا في الشهور الأربعة الأولى من 2018، سجل 1.7 مليار دولار، بزيادة نحو 300 مليون دولار مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في حين سجل حجم التجارة بين البلدين العام الماضي نحو 4.4 مليار دولار، بواقع 2.4 مليار دولار صادرات تركية إلى مصر، ونحو ملياري دولار صادرات مصرية إلى تركيا.