أحمد طلب

19

أحمد طلب

19

3,174

في الوقت الذي يعيش فيه المصريون صراعًا غير مسبوقٍ مع مجموعة من الأزمات الاقتصادية، تطفو على السطح تقاريرٌ إعلامية ورسمية تتحدث عن تعافٍ وتحسن ملموس في الاقتصاد المصري، إلا أن هذه التقارير ليس لها صدى على الاقتصاد الحقيقي – على الأقل حتى الآن – فهل تعبر هذه التقارير عن الواقع حقًا؟

في الواقع ربما يكون الجنيه المصري هو المعيار الأفضل لتقييم ما إذا كان هناك تعافٍ حقيقي للاقتصاد المصري، أم أن هذا التعافي حبيس التقارير الإعلامية فقط، وبالنظر إلى وضع العملة المصرية في الآونة الأخيرة نجد أنها تسجِّل مستوى منخفضًا كثيرًا ولا يدل على وجود أي تحسن يذكر في الوضع العام.

في البداية يجب أن نسأل لماذا لم يتأثَّر الجنيه بهذا التعافي؟ إجابة هذا السؤال تنقسم إلى شقين، ولكن قبل الإجابة سنلقي نظرة سريعة على أبرز التقارير والمؤشرات الإيجابية التي تداولتها وسائل الإعلام مؤخرًا حول الوضع الاقتصادي المصري سواء محليًا أو عالميًا.

التقارير الحكومية: الاقتصاد يتحسَّن

كشفت بيانات البنك المركزي عن أن ميزان المدفوعات – الذي يقيس تعاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي – حقق فائضًا كليًّا خلال النصف الأول من العام المالي الحالي، بلغ 7 مليار دولار، مقابل عجز كليِّ بَلَغَ نحو 3.4 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام المالي الماضي.

المركزي أرجع هذا الفائض إلى تحقيق حساب المعاملات الرأسمالية والمالية صافي تدفُّق للداخل خلال النصف الأول من العام المالي الحالي، بقيمة 17.6 مليار دولار، كما تراجع عجز الميزان التجاري عجزًا خلال النصف الأول من العام المالي الحالي، بنسبة 10.1%، ليبلغ 17.9 مليار دولار، بالإضافة إلى زيادة إيرادات السياحة، بنحو 8.9%، لتصل إلى 825.8 مليون دولار وارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر، ليصل إلى 7.4 مليار دولار.

ميزان المدفوعات لم يكن وحده الذي تحسَّنَ خلال أشهر ما بعد تحرير سعر الصرف، إذ ارتفعت تحويلات المصريين العاملين في الخارج بنحو 23% في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى 1.6 مليار دولار، لتصعد منذ تحرير سعر الصرف في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى يناير بنحو 19.7% إلى 5 مليارات دولار.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد انخفض عجز الميزان التجاري – الذي يقيس الفارق بين الصادرات والواردات – خلال شهر ديسمبر (كانون الأوَّل) الماضي بنسبة 40.5% مقارنة بنفس الشهر من العام الماضي، ليسجل نحو 2.38 مليار دولار في سبتمبر (أيلول) الماضي، مقابل 4 مليارات دولار في نفس الشهر من العام السابق.

بالإضافة إلى تراجع الواردات بنسبة 27.3% في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة نحو 4.4 مليار دولار مقابل نحو 6 مليارات دولار في نفس الشهر من العام السابق.

وارتفع صافي الاحتياطيات من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي المصري إلى نحو 26.542 مليار دولار في نهاية فبراير (شباط) بزيادة حوالي 179 مليون دولار عن يناير (كانون الثاني)، إلا أنه مازال بعيدًا عن مستواه قبل ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 إذ سجل نحو 36 مليار دولار.

وزارة المالية، من جانبها ذكرت في تقريرٍ لها أن عجز الموازنة العامة للدولة 174.6 مليار جنيه خلال النصف الأول من العام المالي الحالي 2016 – 2017، أي ما يعادل 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 6.4% العام الماضي، بانخفاض قدره 1%.

تقارير عالمية: تحسٌّن كبير للاقتصاد

جاءت التقرير العالمية مؤخرًا، وعلى غير العادة، تشير إلى تحسن كبير في الاقتصاد المصري، ولكن الغريب أن هذه التقارير جاءت في أوقات متقاربة جدًا، ففي الوقت الذي نشرت فيه صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية تقريرًا يشير إلى تعافي الاقتصاد المصري خلال العام الحالي 2017، وأن البلاد استطاعت أن تعيد التوازن مرة أخرى إلى ميزان المدفوعات، ونجحت في تحقيق الاستقرار باحتياطي النقد الأجنبي، إلى جانب الإصلاحات المالية. قالت مجلة «إيكونوميست» البريطانية إن الحياة بدأت تعود للاقتصاد المصري، إذ ذكر تقرير المجلة الاقتصادية الأولى في العالم، أن ثمة علامات أن مصر في المسار الاقتصادي الصحيح، كما أكد التقرير في مجملة على جملة واحدة وهي أن هناك علامات على استعادة الاقتصاد المصري لعافيته.

وكالة «فيتش» الدولية للتصنيف الائتماني هي الأخرى، انضمت لقائمة من يشيرون إلى تعافي الاقتصاد المصري، إذ ذكرت أنه هناك مؤشرات على تحقيق مصر مزيدًا من التقدم على صعيد إعادة التوازن الاقتصادي الخارجي تدريجيًا منذ مطلع 2017، متوقعة أن يحسِّن هذا التقدم التصنيف الائتماني السيادي لها في عام 2018.

المجموعة المالية «هيرمس»، استعرضت كذلك خلال تقريرها في مارس (آذار) 2017، أن بداية العام تعدُّ قوية في إطارٍ من التحسن الملموس على جانب صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي والسياسة الاحترازية في تمويل عجز الموازنة العامة للدولة.

هل تحسن الاقتصاد المصري حقًا؟

التقارير السابقة تشير إلى تحسُّن واضح في الوضع الاقتصادي الكلي للبلاد، ولكن هذا التحسن لا يشعر به المصريون، بل جاء عكسيًا فيما يخصّ العملة المصرية التي قلنا إنها ربما تكون المعيار الأفضل لتقييم ما إذا كان هناك تعافٍ حقيقي للاقتصاد المصري، أم لا.

فبحسب بيانات البنك المركزي، سجل الجنيه المصري أعلى مستوى له في 40 يومًا، وهو الأمر الذي لا يعكس أي تحسن يذكر، وهنا نعود إلى سؤال لماذا لم يتأثر الجنيه بهذا التعافي؟ والإجابة هي واحدة من اثنين إمَّا أن هذا التحسن غير حقيقي، أو سوق الصرف في مصر لا يعبِّر عن الواقع ولا يتحرك طبقًا لقوى العرض والطلب وهو ما يخلق سعرًا غير حقيقي.

اقرأ أيضا: إلى أين يتجه الدولار في مصر؟

حاول «ساسة بوست» الوصول إلى الإجابة الأقرب للواقع بين الإجابتين من خلال رصد آراء خبراء بالاقتصاد، وكانت النتيجة:

يرى مدحت نافع، أستاذ التمويل والخبير الاقتصادي، أن العوامل المؤثرة على تحديد سعر صرف العملة في مصر مازالت تواجه صعوبات كبيرة بعيدة عن الجوانب الإيجابية التي لمستها التقارير المشار إليها.

وتابع نافع خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن أبرز تلك العوامل العجز الكبير في ميزان التجارة المنظورة تحديدًا، وعدم قدرة البنك المركزي ممارسة دوره في استهداف التضخم باستخدام أهم أدوات السياسة النقدية وهي سعر الفائدة التي بلغت المدى الممكن لها بما تحمله من أعباء على الموازنة العامة والدين العام وتثبيط الاستثمار.

«تقلبات الإيرادات الدولارية ومحدوديتها وعدم كفاية الإنتاج المحلي للاستهلاك المحلي ناهيك عن محدودية التصدير»، كل هذا مقاييس قال نافع إنها هي العوامل الحقيقية التي يمكن أن نحكم من خلالها على تعافي الاقتصاد بشكل عام والجنيه بشكل خاص.

أمَّا ممدوح الولي، الخبير الاقتصادي، فيرى أن البيانات السابقة المتعلقة بميزان المدفوعات تتناقض مع ما يعرفه الجميع من ضمور غالب الموارد الدولارية، خاصَّة السياحة والمعونات الأجنبية والصادرات، وهو ما ينعكس في عودة الدولار بالبنوك للارتفاع، إذ أرجع الفائض بميزان المدفوعات إلى التوسع في الاقتراض خلال العام الماضي بقيمة وصلت لأكثر من 30 مليار دولار.

وقال الولي، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن أسباب هبوط سعر صرف الجنيه المصري تعددت خلال شهر مارس (آذار) الحالي، أولها أن تحسن السعر خلال فبراير (شباط) الماضي لم يكن ناتجًا عن تحسن بالموارد الدولارية المصرية، بقدر كان مستندًا إلى التوسع بالاقتراض سواء في صورة سندات دولية أو من مؤسسات دولية ودول.

وتابع أن الدليل على أن الهبوط كان غير حقيقي، أنه بمجرد تحرك بوادر الاستيراد لتلبية الاحتياجات الغذائية لشهر رمضان، وتوجه المستوردين لتعويض نفاذ المخزون السلعي السابق استيراده منذ شهور، زاد الطلب على الدولار وعادت السوق السوداء، وواكبه امتناع الأفراد عن التنازل عن الدولار للبنوك مما دفعها لرفع السعر لتشجيع حائزيه على بيعه.

تلاعب بالأرقام، كان هذا الوصف الذي وجده مصطفى عبد السلام، الخبير الاقتصادي، مناسبًا للتقارير السابق ذكرها، إذ اتهم الحكومة بالتلاعب بالأرقام، مشككًا في الأرقام المعلنة من قبل المؤسسات الرسمية، المتعلقة بميزان المدفوعات وإيرادات قناة السويس وحجم الصادرات والاستثمارات الأجنبية التي تم جذبها للبلاد، وكذلك أرقام تتعلق بمعدل التضخم والنمو والبطالة والفقر.

في المقابل ذهب ضياء الناروز، خبير الدراسات الاقتصادية وباحث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، إلى أن تحديد سعر الصرف مدار من جانب البنوك وتحت إشراف المركزي، وعليه لا يمكن التعويل على قوى السوق في تحديد سعر الصرف، وبالتالي قياس الأثر على المتغيرات الاقتصادية الكلية.

وقال الناروز خلال حديثه لـ«ساسة بوست» إن هناك شقين يمكن الخروج بهما من خلال متابعة التقارير السابقة، الأول أن هذه التقارير تتجاهل واقع الوضع الاقتصادي في مصر أو ليست لديها معلومات كافية عنه، والثاني إن مجرد تحريك سعر صرف الجنيه وتخفيضه مع إجراءات تقليص أو خفض الدعم من وجهة نظر هذه التقارير بداية قوية لتصحيح مسار الاقتصاد المصري.

«التعويم وتخفيض الدعم فعلا بداية جيدة جدًا لتصحيح المسار، لكن هل يتم الوقوف عند هذه الإجراءات؟ هناك إجراءات أخرى مصاحبة لهذه الإجراءات لابد من اتخاذها؛ على رأسها تحسين وتهيئة المناخ الاستثماري، وهو ما لم يحدث حتى الآن، المناخ الاستثماري في مصر طارد للاستثمارات وليس جاذبًا، والسبب الرئيسي لذلك هو الإدارة الاقتصادية المتخبطة والمتضاربة»، يقول الناروز.

الحكومة تعترف بعدم التحسُّن!

الغريب في الأمر هو أن قرارات الحكومة تتجه عكس اتجاه هذا التحسن التي تتحدث عنه التقارير العالمية، فعلى سبيل المثال بعد أن خفضت وزارة المالية سعر الدولار الجمركي إلى أقل مستوى منذ تعويم الجنيه (15.75 جنيه)، عادت لترفع سعره مرة أخرى إلى 17 جنيها اعتبارًا من منتصف الشهر الجاري، وهو الأمر الذي يعكس أن الحكومة لا ترى هذا التحسن.

اقرأ أيضًا: لماذا لا تريد الحكومة المصرية خفض الدولار الجمركي؟

في المقابل توقع وزير المالية المصري عمرو الجارحي، أن يكون سعر الدولار 16 جنيهًا في الموازنة الجديدة للسنة المالية 2017-2018 والتي ستبدأ في يوليو (تموز) القادم، وذلك في الوقت الذي سجل فيه الدولار 18.12 جنيهًا بالبنوك، ورغم أن الفارق ليس بالقليل، إلا أن هذا التقدير لا ينمُّ مطلقًا عن أن الحكومة ترى تحسنًا حقيقيًّا بالاقتصاد.

تعليقات الفيسبوك