بدأت مصر مؤخرًا في تطبيق حالة الطوارئ، والتي كانت في نظر البعض بمثابة سلخ لمذبوح فيما يخص اقتصاد البلاد، إذ أن فرض الطوارئ جاء وسط عوامل عدة جعلت من بعض القطاعات الاقتصادية متقهقرة تمامًا، بل لم يكن ينتظر أحد عودتها للحياة خلال الثلاث أشهر القادمة، فمعدلات التضخم سجلت مستويات هي الأعلى منذ أكثر من 30 عامًا، ومعدلات الفائدة باتت من بين الأعلى في العالم إن لم تكن الأعلى.

وتمر مصر بحالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي بل والتشريعي كذلك، إذ أن قانون الاستثمار الذي تعده الحكومة منذ عامين تقريبًا لم ترَ لائحته التنفيذية النور حتى الآن، بالإضافة إلى وضع الجنيه الذي يعاني التدهور المستمر، ناهيك عن مصادر العملة الصعبة المتراجعة جدًا وربما يقترب بعضها من الانقراض إن صح التعبير.

في الواقع وبعد إقرار حالة الطوارئ في البلاد، جاء التناول الإعلامي لهذا الأمر على جانبين متناقضين، فالبعض يرى أن الاقتصاد لن يتأثر، والبعض الآخر يرى أن الطوارئ ربما تقود الاقتصاد للانهيار، وبين هذا وذلك علينا أن ننظر إلى الواقع الاقتصادي قبل الطوارئ وما هو منتظر بعد الطوارئ، لكي نستطيع تكوين فكرة واقعية حول التأثير الحقيقي للطوارئ على المستوى الاقتصادي.

ربما لا نحتاج للتفصيل كثيرًا في الوضع ما قبل الطوارئ فهو وضع قتل بحثًا وشرحًا، ولكن بنظرة سريعة نجد أن البلاد كانت تعاني واقعًا اقتصاديًا متأزمًا منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، إذ سجلت مستويات متدنية في كل القطاعات الاقتصادية، وهذا التراجع تفاقم بشكل أوسع خلال العامين الماضيين، فبين زيادة أعداد الفقراء، وارتفاع معدلات البطالة، لجأت مصر إلى الاقتراض بشراهة غير مسبوقة، وذلك تزامنًا مع اللجوء إلى صندوق النقد الدولي.

ووسط هذا التراجع نجد أن مصادر البلاد الرئيسة تسجل تراجعًا حادًّا كذلك، ورغم أن مصر قامت بتعويم عملتها، لأسباب من أبرزها جذب استثمارات أجنبية للبلاد، إلا أنها لم تنجح في ذلك حتى الآن، والصادرات التي تعد معيارًا جوهريًا لقياس قدرة البلاد على توليد موارد كافية من النقد الأجنبي لسداد تلك الالتزامات المتنامية، تعاني كغيرها من الموارد الأساسية، وهو ما يقوض فرص خفض نسب الديون في المستقبل القريب.

قناة السويس كذلك لم تتوقف عن التراجع في خلال الأشهر الماضية، وهو الأمر الذي يضيف المزيد من الضغوط على البلاد.

وتوضح الرسومات البيانية التالية الصادرة عن البنك المركزي المصري في الثالث من أبريل (نيسان) الجاري جزءًا كبيرًا من الحالة الاقتصادية قبل الطوارئ:

ما الذي سيتغير في الاقتصاد المصري بعد الطوارئ؟

وفقًا لبيانات المركزي، فالاقتصاد المصري يمر بمرحلة عصيبة وربما هي الأسوأ فماذا قد نخشى بعد؟ ربما يكون هذا السؤال منطقيًّا إلا أن الخبراء يحذرون من العواقب التي سيجنيها الاقتصاد من تطبيق حالة الطوارئ، إذ يرى مدحت نافع، الأكاديمي المصري والخبير الاقتصادي، أن الطوارئ، ظروف استثنائية يقرؤها المستثمر باعتبارها حالة من عدم اليقين وهو المكافئ لمزيد من المخاطر.

ويضيف نافع خلال حديثه لـ«ساسة بوست» قائلًا: كلما كان العائد على الاستثمار مناسبًا بالنسبة لدرجة المخاطر التي يتضمنها الاستثمار في مصر، كان أثر فرض حالة الطوارئ قابلًا للاستيعاب، خاصة إذا أعلنت الحكومة حدود تطبيق قانون الطوارئ وأرسلت برسائل طمأنة مختلفة للمستثمر المصري والأجنبي، توضّح أن الاستثمار والملكية الخاصة والاتفاقات الحكومية لن تمس بحالة الطوارئ وأنه لا توجد نية للتمديد بل تجرى دراسة تحديد مناطق ومحافظات بعينها، ويظل التطبيق العملي لهذا القانون محل ترقّب من قبل المراقبين في الداخل والخارج على الأقل خلال الشهر الأول.

الخبير الاقتصاد ربط كذلك بين حالة الطوارئ والتصنيف الائتماني، إذ ذكر أنه مرتبط بحجم المخاطر، وعن السياحة، قال إنها هي الأخرى تحتاج إلى تطمينات، لكن المشكلة بالنسبة للسياحة أخف حدة نظرًا لطبيعة الإقامة قصيرة الأجل، وحاجة السائح في كل الحالات إلى حماية مكثفة.

في المقابل يرى أحمد ذكرالله، الخبير الاقتصاد، أن الطوارئ ستدمر أي أمل في عودة السياحة المصرية بشكل خاص، قائلًا إن استقرار الأوضاع السياسية والأمنية هو حجر الزاوية في عودة التدفق السياحي واستمرار تدفق الاستثمارات الأجنبية، فيما ربط عودة السياحة بالمفاوضات مع الروس، معتقدًا أن هذه التفجيرات ستعطي الروس سببًا جديدًا لمزيد من التشدد في تأخير عودة السياح الروس.

وتابع ذكرالله خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن نفس الأمر ينسحب علي الاستثمار الأجنبي والذي يتمتع بحساسية كبيرة للاستقرار السياسي، قائلًا: إنه رغم تحسن أرقام الاستثمار الأجنبي في الأشهر الماضية إلا أن الملاحظ توجه معظمها نحو استكشاف المعادن والبترول، وسيساهم عدم الاستقرار الأمني في مزيد من تركز الاستثمار الأجنبي في هذه الزاوية الضيقة والتي علي الرغم من أهميتها لا تضيف كثيرًا للاقتصاد، بل تنزح الموارد الطبيعية الكامنة.

ووفقا لحديث خبيري الاقتصاد مدحت نافع، وأحمد ذكرالله، نجد أن السياحة والاستثمارات الأجنبية أكثر المتضررين من حالة الطوارئ الحالية، لذلك سنتحدث عنهما بشكل أوسع:

السياحة

تعتبر السياحة أحد أهم المصادر الأساسية للنقد الأجنبي في مصر، وارتفاعها يكون مؤشرًا على سلامة الاقتصاد المصري والعكس صحيح، إلا أنها تعاني انخفاضًا حادًا في السنوات الأخيرة، إذ تراجعت أعداد السائحين خلال العام 2015/2016 حيث وصل إلى 6.9 مليون سائح مقابل 10.2 مليون سائح عام 2014/2015.

كما انخفضت الإيرادات السياحية لتصل 2.8 مليار دولار عام 2015/2016 مقابل 7.4 مليار دولار عام 2014/2015، وبحسب بيانات البنك المركزي فقد تراجعت الإيرادات السياحية بمعدل 56.1% خلال الربع الأول من العام المالي الجاري.

يحيي راشد، وزير السياحة، قال، في تصريحات صحفية مؤخرًا، إن إجمالي الوافدين إلى مصر خلال 2016 بلغ 5.3 ملايين سائح، بانخفاض نسبته 43% مقارنة بعام 2015، وذلك مقارنة بنحو 14.7 مليون سائح زاروا مصر في 2010.

ويرهن الخبراء تحسُن الدخل السياحي خلال العام الجاري باستئناف الرحلات الروسية في ظل مراجعة إجراءات الأمن في المطارات المصرية، إذ تمثل حركة التوافد من روسيا وبريطانيا نحو 45% من حركة السياحة إلى مصر سنويًا، ومع توقفها أغلقت نسبة كبيرة من الفنادق، وهذا الأمر لم يكن له علاقة بحالة الطوارئ، إلا أن السياحة بشكل عام حساسة جدًا من جانب الاستقرار الأمني، كما أن الوضع الحالي ربما يضيف مزيدًا من التأخير حول القرار الروسي بعودة السياح إلى مصر.

الاستثمارات الأجنبية

تعول الحكومة المصرية على أن تجذب خطوة تعويم الجنيه التي تمت في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، الكثير من الاستثمارات الأجنبية، إذ أن التعويم كان طلب المؤسسات المالية العالمية وصناديق الاستثمار الدولية، ولكن لم يحدث التحسن المنتظر في الأشهر الماضية، بل إن البلاد شهدت تخارج بعض الاستثمارات وهو ما كان له تأثير سلبي على الواقع الاقتصادي مؤخرًا.

ورغم أن بعض الأرقام الرسمية تكشف عن تحسن الاستثمارات الأجنبية، إلا أن نائب وزير المالية للسياسات المالية المصري، أحمد كوجك، أعلن في نهاية مارس (آذار) الماضي، عن أن بلاده جذبت استثمارات أجنبية بقيمة 3.1 مليار دولار في أدوات الدين المحلية، منذ تحرير سعر الصرف في أواخر 2016 وحتى منتصف مارس، وهو ما يكشف أن التحسن لم يكن استثمارًا حقيقيًا.

مدحت نافع قال إن جاذبية مناخ الاستثمار ترتبط بشكل أساسي بوجود قوانين تنظم التعاملات بشكل واضح، ومع الطوارئ، سيكون الأمر مقلقًا للمستثمر، إذ أن أبسط العواقب المباشرة لفرض حالة طوارئ هو تأجيل أو تجميد قرار الاستثمار، وربما لن ينسحب المستثمرون، إلا أن البعض قد يبطئ من خطواته لحين وضوح الرؤية.

نهى بكر، الأستاذ بالجامعة الأمريكية في مصر، من جانبها قالت إنه لم يكن من المنتظر تدفق للاستثمارات خلال الثلاثة أشهر المقبلة بسبب عدم صدور التشريعات المطلوبة سواء قانون الاستثمار أو الإفلاس، وربما تكون وجهة النظر تلك جديرة بالاهتمام.

كيف سيتأثر برنامج الإصلاح الاقتصادي؟

جاء إعلان الطوارئ بمصر في الوقت الذي تستعد فيه البلاد لاستقبال بعثة فنية من صندوق النقد الدولي لمراجعة برنامج الإصلاح الاقتصادي للبلاد، تمهيدًا لاستلام الشريحة الثانية من قرض صندوق النقد بقيمة 1.25 مليار دولار، وذلك في إطار قرض بقيمة 12 مليار دولار تمت الموافقة عليه في إطار تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي، يشرف عليه الصندوق.

وحول هذا الأمر أكدت الدكتورة سحر نصر وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي أن حالة الطوارئ لن تؤثر على عملية الإصلاح الاقتصادي، إذ أن هذا القرار مؤقت ولن يكون له تأثير كبير على مناخ الاستثمار والأعمال، بحسب الوزيرة.

من جانبه كان رد رئيس بعثة صندوق النقد الدولي لمصر كريس جارفيس، حول تأثير فرض حالة الطوارئ على الإصلاح والاستثمار، أنه لا يزال من المبكر جدًا الحديث عن التأثيرات الاقتصادية لهذا.

كيف ستتأثر التجارة الداخلية؟

التأثيرات السابق ذكرها ربما لا تكون نتائجها سريعة، إلا أن التجارة الداخلية هي الأسرع تأثرًا، إذ حذر الخبير الاقتصادي، عبد النبي عبد المطلب، من زيادة تكاليف النقل، وزيادة تكاليف النقل وحدها كفيلة برفع الأسعار، خاصة أن القرار بإعلان الطوارئ يأتي في ظل قدوم شهر رمضان المبارك.

إلا أن أحمد الوكيل، رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية، استبعد التأثير السلبي لإعلان حالة الطوارئ على حركة التجارية الداخلية في مصر، قائلًا إنه سيتوقف على الحد الزمني والجغرافي لتطبيق قانون الطوارئ، مؤكدًا أن التأثير سيختلف من منطقة إلى أخرى ومن توقيت لآخر.

عرض التعليقات
تحميل المزيد