أحمد طلب

18

أحمد طلب

18

958

أخيرًا يقترب قانون الاستثمار المصري من الخروج إلى النور، وذلك بعد أشهر طويلة من الإعداد والتجهيز، وبالرغم من طول المدة، إلا أن ولادة القانون كانت متعثرة جدًا، فيما كثرت الملاحظات والاعتراضات على القانون الذي مرره مجلس الشعب في ظروفٍ غامضة، كما أنه جاء بعد جلسات استمرت لعدّة شهور لإعداد مقترح القانون الذي لا يقدم جديدًا للاستثمار في البلاد، حسب خبراء ومحللين.

وفي 7 مايو (أيار) الماضي أقر مجلس النواب المصري مشروع قانون الاستثمار بنصه المعدّل، إذ وافق المجلس على منح رئيس الوزراء صلاحية إصدار اللائحة التنفيذية لمشروع القانون بعد عرضه على وزيرة الاستثمار وبموافقة مجلس الوزراء، وذلك خلال تسعين يومًا، فيما تساءل الكثيرون عما يضيفه القانون الجديد للاستثمار، في وقتٍ تُعاني فيه البلاد من ظروفٍ اقتصاديةٍ صعبة.

وبين الفوضى التي أحاطت مناقشة القانون في الأسابيع الأخيرة، وربما فتح أبواب التلاعب والفساد، ومزيدًا من التعقيد في نظام منح التراخيص وتخصيص أراضى الاستثمار، يلخص زياد بهاء الدين، الوزير المصري السابق، حالة القانون الجديد، إذ يظنّ أن القانون الذي أقره البرلمان أضاف مزيدًا من التعقيد والغموض في المعاملة الضريبية لمختلف المجالات الاقتصادية والمناطق الجغرافية، وفى مستقبل المناطق الحرة الخاصة، وفى شروط التصريح بالعمالة الأجنبية.

الوزير سرد عدَّة تحفظات على القانون، تلخصت في أن القانون: يجلب تشوهات في السوق، ويضيع على البلد موارد ضريبية، بالإضافة إلى أنه لم يحلَّ مُعضلة التنازع في الصلاحيات بين الوزارات والهيئات المختلفة، كما يغير من طبيعة هيئة الاستثمار بجعلها هيئة رقابية وتابعة لوزارة الاستثمار بعد أن كانت من قبل هيئة مستقلة، وأخيرًا لم يعالج عدم وضوح التوجه الاقتصادي للدولة، والتدخل الواسع للدولة بأجهزتها المدنية والعسكرية في منافسة القطاع الخاص.

على كلٍ ينقسم الاقتصاديون حول صدور قانون الاستثمار الجديد، فبين من يرى أنه خطوة ضرورية للقضاء على البيروقراطية، وينتظره المستثمرون بفارغ الصبر، يقول آخرون: إن القانون لن يوفر مناخًا جاذبًا للاستثمارات الأجنبية، وبين هذا وذلك يحاول «ساسة بوست» الإجابة عن أهم التساؤلات حول هذا القانون خلال هذا التقرير.

1- لماذا تأخر القانون؟

خلال الأشهر الأخيرة ومنذ الإعداد السريع لقانون الاستثمار في 2015، لم يمر أسبوع تقريبًا إلا ويتحدث الإعلام المصري على لسان مسئولين في الحكومة عن موعد جديد لخروج القانون المنتظر، وفي كل مرة لا يحدث شيء، سواء بمبررات أو بدون، فالقانون تائه وسط صراعات الوزارات المختلفة.

ولكن فجأة تم الموافقة على القانون، عقب اجتماعٍ مغلق وطارئ ضم رئيسي الحكومة والبرلمان ووزيري الاستثمار والمالية، وهو ما اعتبر تكررًا لسيناريو قانون مارس (آذار) 2015، عندما أعدّت الحكومة قانونًا للاستثمار قبيل انعقاد مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، ولكن لم يمر أيام على هذا القانون حتى اكتشفت الحكومة جوانب كثيرة من القصور بالقانون، وهو الأمر الذي دفعها للبدء في إعداد القانون المعدّل.

غموض التشريع الجديد منذ البداية بعد عامين من السجال والارتباك، كان أهم الأسباب في تأخير القانون، فالبعض أراد إلغاء المناطق الحرة، والبعض تمسّك بها، والبعض ساءه آلية تخصيص الأراضي ومنحها بالمزاد، وآخرون أرادوا الانتصار لسماسرة الأراضي المعوّقين للاستثمار المنتج، والبعض انشغل بتغيير أسماء الهيئات والأنظمة المتبعة، كل هذه الأمور استهلكت الكثير من الوقت، ولم تنتهِ أيضًا إلى صياغة توافقية للقانون، وهو ما يشير إلى احتمالية فشل القانون الجديد قبل صدور لائحته التنفيذية.

2- ما هو دور النقد الدولي في القانون؟

يتزامن إقرار هذا القانون مع زيادة بعثة صندوق النقد الدولي للقيام بالمراجعة الأولى لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي حصلت الحكومة على إثره على موافقة الصندوق بإقراض مصر 12 مليار دولار، وهو المعنى الذي أكده، مصطفى عبد السلام، الخبير الاقتصادي، قائلًا لـ«ساسة بوست» إن إقرار القانون وسرعة تمريره جاء استجابةً لضغوط النقد الدولي، والذي اشترط إتمام هذه الخطوة مقابل الإفراج عن الشريحة الثانية من قرضه البالغ قيمتها 1.25 مليار دولار.

وكان صندوق النقد اتفق مع مصر على برنامج لمدة 3 سنوات في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأفرج عن شريحةٍ أولى بقيمة 2.75 مليار دولار، فيما قامت بعثة من صندوق النقد بزيارة لمصر، انتهت الخميس الماضي، بهدف إجراء مراجعة تمهيدًا للحصول على الدفعة الثانية من القرض.

ويشير محللون إلى أنّ الحكومة اعتمدت في تعديلاتها بالقانون على الاقتراح المقدم من البعثة الفنية للصندوق التي أكدت أن منح تيسيرات للمستثمرين الأجانب ومزايا ضريبية وجمركية وعينية جديدة سيعمل على سرعة تدفق الاستثمارات للبلاد، ولكن يبقى تحقق توقعات الحكومة وصندوق النقد معًا بعودة الاستثمارات الأجنبية لتتدفق مرة أخرى على البلاد، رهينة الأيام القادمة التي ستكشف عن نجاح أو فشل هذه السياسة.

3- هل تقدم الحوافز والإعفاءات الضريبية جديدًا؟

يتضمن القانون الجديد حوافز كبيرة للمستثمرين، أهمها خصم 50% من التكلفة الاستثمارية للمشروع من الضرائب للمشروعات القائمة في الأماكن الأكثر احتياجًا للتنمية و30% للمناطق التي لا تحتاج لتنمية، بالإضافة إلى حوافز أخرى في القانون تحمِّل الدولة للقيمة التي دفعها المستثمر لتوصيل المرافق إلى المشروع الاستثماري أو جزء منها، كما ينص على تحمُّل الدولة جزءًا من تكلفة التدريب الفني للعاملين، وردّ نصف قيمة الأرض المخصصة للمشروعات الصناعية في حالة بدء الإنتاج خلال عامين من تاريخ تسليم الأرض.

مدحت نافع، خبير الاقتصاد، وأستاذ التمويل، أكد خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن «الإعفاءات الضريبية لم تعد أهمّ ما يجذب المستثمر خاصة الأجنبي الذي غالبًا ما يدفع الضريبة عن النشاط المعفى منه في بلده، وكأننا تبرعنا بإيراداتنا الضريبية لصالح الدول الغنية!» مضيفًا أنه ربما يكون ربطها بأنشطة ومناطق بعينها أمرًا جيدًا، ولكن الأساس سهولة الإجراءات والترفيق والتخارج عند التصفية أو الإفلاس هي الأهم، وهذا كله لا ينظمه القانون.

مصطفى عبد السلام، هو الأخر أكد أن القانون يعود بالبلاد إلى القوانين التي كان معمولًا بها خلال حكم مبارك قبل عام 2005، كما أنه يمنح مزايا وإعفاءاتٍ ضريبية وجمركية ضخمة للمستثمرين الأجانب منها الإعفاء من سداد الضرائب لمدة 10 سنوات والإعفاء من ضريبة الدخل، والحصول على أراضي بالمجان، واستيراد عمالة أجنبية من الخارج بنسبة تصل إلى 20% من أجمالي عدد العاملين بالمشروع، إضافة لضمان تحويل الأرباح الرأسمالية للخارج، والتزام الحكومة بحماية أصول الأجانب، ومنع مصادرة المشروعات والاستثمارات المملوكة لهم.

وتعد الامتيازات الضريبية هي أهم ما يميز القانون الجديد، إلا أنها وحسب محللين لم تعد جاذبة للاستثمار، وإن كانت مكونًا من مكونات قراره، فالمستثمر على سبيل المثال في دولة الإمارات، يعرف أن إجراءات الاستثمار مكلّفة، وأحيانًا تكون طويلة نسبيًا، لكنها محددة بدقة متناهية، ويمكنك أن تقاضي الدولة لو لم تلتزم معك بتلك الإجراءات.

4- هل ستعود الاستثمارات لمصر بعد القانون؟

لا جديد في الاستثمار إلا بالإصلاح الإداري والمؤسسي والتخلص من آلاف القرارات والمكاتبات الداخلية المعوقة بالهيئات والمصالح المتعاملة مع المستثمر

هكذا يؤكد، مدحت نافع، إذ يقول خلال حديثة لـ«ساسة بوست»: «إن كثيرًا من الدول التي نزورها يسألوننا عن حالة الاستثمار، فنقول: نحن ننتظر صدور القانون المنظم، فيقول قائلهم: ليس لدينا قانون للاستثمار، ومع ذلك لدينا استثمارات كثيرة».

ربما لا تتعلق عودة الاستثمارات بالقانون، بقدر ما تتعلق بالمناخ الاستثماري بشكلٍ عام، إذ يرى مصطفى عبد السلام، أن جذب الاستثمارات وعودة الاستثمارات الهاربة يتطلب عدة أمور إلى جانب إقرار قانون جديد للاستثمار، ومنها الحاجة لاستقرار سياسي والحد من الفساد وتسريع إجراءات التقاضي والتوقف عن مصادرة أموال المعارضين السياسيين.

فليس بالقوانين وحدها يتم جذب الاستثمارات، ويثبت الواقع أن العودة تعتمد مناخًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا متكاملًا، تشعر المستثمر الأجنبي أن هذا المجتمع متماسك وقوي، وبعيد عن الاضطرابات السياسية المحتملة، وليس به حالة غموض وعدم يقين سياسي، هنا ستتدفق الأموال على المجتمع بسلاسة وربما لن تكون بحاجة لقوانين من الأصل.

ريهام الدسوقي من أرقام كابيتال ترى أن «التناغم بين المؤسسات الحكومية المختلفة هو الفيصل بين نجاح وفشل القانون في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وزيادة الاستثمارات المحلية».

5- ما الذي تعنيه إعادة المناطق الحرة مرة أخرى؟

في خطوةٍ أثارت الكثير من الجدل، أعاد قانون الاستثمار الجديد العمل بنظام المناطق الحرة الخاصة، وهو الأمر الذي اعترضت عليه وزارة المالية المصرية بشدة، وذلك بدعوى أنه بابٌ خلفيّ للتهرُّب الضريبي، وكانت مصر قد أوقفت إنشاء مناطق حرة جديدة في تعديلات قانون الاستثمار التي جرت عام 2015، وهي مناطق معفاة من الجمارك والضرائب.

عادل عامر الخبير الاقتصادي يرى أن «إعادة المناطق الحرة مرة أخرى، التي كانت تعد منفذًا للتهريب لعدم قدرة الدولة على السيطرة على هذه المناطق، كما أن اللائحة التنفيذية لم تتضمن إجراءات مشددة ضد التهريب، لذلك سوف تعود المناطق الحرة منافذ للتهريب للاستفادة من الامتيازات».

مجدى عبد العزيز، رئيس مصلحة الجمارك اتفق هو الآخر مع عامر، قائلًا: إنّ «عودة المناطق الحرة الخاصة في قانون الاستثمار تحوُّل كبير في ظل صعوبة الرقابة والسيطرة على عمليات التهريب التي تتم بهذه المناطق»، إلا  أنّ أشرف العربي عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب قال: إنه «لا يوجد انزعاج من عودة المناطق الخاصة مرة أخرى مع إمكانية التحكم في الموافقات والتراخيص التي تصدر».

عمومًا يضع عودة المناطق الحرة وزارة المالية التي تبحث عن حصيلة ضريبية كبيرة في مأزق، إذ يعتمد برنامج الإصلاح الاقتصادي على تحصيل مبالغ كبيرة من الضرائب والتي تشكّل النسبة الأكبر من إيرادات البلاد، إذ وعدت وزارة المالية صندوق النقد الدولي بتدبير حصيلة ضريبية تقدر بـ 460 مليار جنيه في العام المالي الجديد، ومع إقرار المناطق الحرة ستتعرض هذه الحصيلة للكثير من العجز، وهو ما يجب على الحكومة التعامل معه حتى لا ترتفع نسبة العجز في الموازنة.

6- أين تقف الاستثمارات المصرية في الوقت الحالي؟

شهدت الاستثمارات الأجنبية المباشرة قفزة بنسبة 39% في النصف الأول من السنة المالية الحالية (2016-2017) لتصل إلى 4.3 مليار دولار، وذلك حسبما أظهرت بيانات البنك المركزي المصري، وذكر البنك أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في النصف الأول من العام الحالي زادت من 3.1 مليار دولار في النصف الأول من السنة المالية 2015-2016.

وبالرغم من هذه القفزة، لا يعترف الخبراء بهذا التحسن؛ وذلك لأن أغلب هذه الاستثمارات في أدوات الدين المحلية، إذ قال أحمد كوجك نائب وزير المالية للسياسات المالية: إن بلاده جذبت استثمارات أجنبية بقيمة 3.1 مليار دولار في أدوات الدين المحلية منذ تحرير سعر الصرف في أواخر 2016 وحتى منتصف مارس (آذار).

وفتح تحرير سعر صرف الجنيه شهية المستثمرين الأجانب ليشتروا بقوة في الأسهم المصرية التي أصبحت مغرية ورخيصة، وكذلك في أذون الخزانة ذات العائد المرتفع، فبحسب المركزي المصري فإنّ الاستثمار الأجنبي زاد في أذون الخزانة ليحقق صافي شراء بقيمة 686.7 مليون دولار في النصف الأول من السنة المالية 2016-2017 مقابل صافي مبيعات 38.3 مليون قبل عام.

على الجانب الآخر يتوقّع وزير المالية عمرو الجارحي ارتفاع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بلاده إلى ما بين 13 و15 مليار دولار في السنة المالية 2017-2018 التي تبدأ في الأول من يوليو (تموز) المقبل، فيما ذكرت وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري، أن معدل النمو خلال الربع الثالث من العام المالي 2016-2017 بلغ 3.9% مقارنةً بمعدل نمو بلغ 3.6% خلال الفترة المناظرة من العام المالي السابق، وزيادة الاستثمارات الكلية بنحو 27%، وزيادة صافي الاحتياطاتِ الدوليةِ لتَصل إلى 28.52 مليار دولار في مارس (أيار) 2017.

تعليقات الفيسبوك