ينتظر المصريون في هذا التوقيت من كل عام ملامح الموازنة الجديدة التي تقوم الحكومة بإعدادها، إذ تكشف الموازنة عن أولويات الحكومة خلال العام، وتوضح من تولي اهتمامها أكثر، هل تهتم بدعم الفقراء؟ وهل حقًا من أولويات الحكومة محاربة الفساد؟ هل سترفع الأجور؟ هل تفرض ضرائب جديدة؟ وعلى من ستفرضها؟ كل هذه الأسئلة تجيب عنها الموازنة، لذلك يترقب الجميع صدور الموازنة كل عام، فالقاعدة باختصار تقول «قل لي فيم تنفق أموالك، أقل لك ما هي أولوياتك».

هذا العام يختلف عن الأعوام السابقة؛ إذ إنه يأتي بعد اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي على قرض قيمته نحو 12 مليار دولار، ومن المؤكد أن هذا الاتفاق سيكون له تأثير مباشر على الشكل النهائي للموازنة العامة للدولة، حيث يعرف الصندوق بسياساته التقشفية التي تتبنى خفض الدعم، وفرض المزيد من الضرائب، فكيف غير اتفاق الصندوق في الموازنة الجديدة؟

وتعمل الحكومة على تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي وافق عليه صندوق النقد الدولي، إذ بدأت في تنفيذ جزء كبير منه، وهو المتمثل في فرض ضريبة القيمة المضافة، وتحرير سعر الصرف، وخفض الدعم الموجه للكهرباء، والمواد البترولية، ومن المنتظر أن تستكمل هذا المسار بعد العمل بالموازنة الجديدة بمطلع يوليو (تموز) المقبل، فيما يتضمن البرنامج قانونًا جديدًا للاستثمار وإصلاحات في قانون ضريبة الدخل وإقرار قانون للإفلاس.

ملامح موازنة 2017-2018

كشف البيان التمهيدي لموازنة 2017-2018، عن أن الحكومة المصرية تسعى لاستكمال الإصلاحات الاقتصادية، وزيادة معدلات النمو، والحفاظ على شبكة الحماية الاجتماعية وتعزيزها، وذلك على حد تعبير وزير المالية المصري عمرو الجارحي، الذي ذكر أن هذه الأهداف تضع قدرًا كبيرًا من الصعوبات والضغوط على إعداد وتنفيذ الموازنة العامة.

مشروع الموازنة التمهيدي الذي وافقت عليه الحكومة مؤخرًا، جاء طموحًا إلى حد كبير، إذ ذكر الجارحي أن الحكومة تستهدف أن تحقق فائضًا أوليًا قبل خصم فوائد الدين العام، بالإضافة إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي لتحقيق المزيد من معدلات التشغيل، وكذلك تحقيق استثمارات العام المالي المقبل بقيمة 646 مليار جنيه، زيادة مساهمة القطاع الخاص.

وجاءت الموازنة بأهداف طموحة للنمو الاقتصادي وعجز الميزانية والإيرادات الضريبية، إذ تستهدف مصر معدل نمو اقتصادي 4.6% مقابل 3.8-4% متوقع في 2016-2017، وبعجز مستهدف بنحو 9.1% مقابل 10.5-10.7% متوقع في العام الجاري، وإيرادات 818.621 مليار جنيه مقابل 644.292 مليار متوقع في العام المالي الجاري، وبمصروفات مستهدفة 1.188 تريليون جنيه.

وحددت الحكومة سعر الدولار بنحو 16 جنيها مقابل 14-14.5 جنيه للسنة الحالية، فيما جاء سعر برميل النفط المستهدف 55 دولارا مقابل 50 دولارا في 2016-2017، بينما سجل إجمالي الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية المستهدفة 331.527 مليار جنيه مقابل 278.464 مليار، بحسب ما ذكر وزير المالية.

وعن تفاصيل الدعم فقد انقسم إلى دعم المواد البترولية بواقع 110.148 مليار جنيه مقابل 101.272 مليار، و30 مليار جنيه مقابل 35.071 مليار، و62.585 مليار جنيه للسلع التموينية مقابل 49.544 مليار متوقع في 2017-2018، وبالرغم من ارتفاع أرقام الدعم، إلا أنها، مقارنة بالفوائد على الديون المستهدفة التي تصل إلى 380.986 مليار جنيه مقابل 303.881 مليار العام الجاري، أرقام هزيلة.

وتعتبر الضرائب هي أهم ما يميز هذه الموازنة عن غيرها؛ إذ تستهدف الحكومة تحصيل 291.055 مليار جنيه من ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات، ليصل إجمالي الإيرادات الضريبية المستهدفة 603.917 مليار جنيه مقابل 460.498 مليار متوقعة في السنة المالية الحالية.

تقديرات بعيدة عن الواقع

مدحت نافع، الأكاديمي المصري، والخبير الاقتصادي، يرى أن مشروع الموازنة الجديدة جاء بتقديرات غير دقيقة، إذ إن بند الإيرادات مازال يحمل تقديرًا مغاليًا فيه للإيرادات الضريبية بما يمثل 70% من الإيرادات، كما أن تقديرات إيراد ضريبة القيمة المضافة بعيدة عن الواقع نتيجة تراجع الاستهلاك مشفوعًا بإجراءات التقشف الحكومي، ومنها رفع الدعم تدريجيًا عن المحروقات وتحريك أسعار مواد الطاقة وزيادة الضرائب الجمركية.

وقال نافع خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: إن العجز الكلي ما زال كبيرًا وفي نمو، ومازالت نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي بعيدة عن المتوقع رصده في الحساب الختامي، نظرًا للمغالاة في تقدير الإيرادات، وللمبالغة في حساب الناتج المحلى الإجمالي الذي لم تعد له محفزات استثمار أو استهلاك تسمح بنموه بهذه المعدلات المرجوة من الحكومة.

ويرى نافع، أن مشروع الموازنة يبدو فيه حرص وزارة المالية على تحقيق فائض أولى في الموازنة من أجل التأكيد على الاقتدار المالي بما يعكس استدامة السيطرة على الدين العام، وذلك على الرغم من نمو هذا الدين بنسبة أكبر من متوسط أسعار الفائدة السائدة، وهو مؤشر مهم لتراجع الاقتدار المالي، لكن المالية حرصت على الإبقاء على معدل نمو للمصروفات أقل بكثير من معدل نمو الإيرادات.

«تراجع الاستثمار الحكومي عن العام الماضي مؤشر سلبي؛ نظرًا لأن كلًا من الاستهلاك والاستثمار الخاص يتم تثبيطه في إطار سياسات الإصلاح المؤلمة، فالاستثمار الخاص لا تشجعه أسعار فائدة تصل إلى 20%». يقول نافع.

وتابع الخبير الاقتصادي «مازالت الهيئات الاقتصادية تشكل عبئًا كبيرًا على الموازنة ولا تستطيع أن تنفق على احتياجاتها فكيف تسمّى اقتصادية؟!». ويرى نافع أن تراجع المصروفات جاء بشكل كبير على حساب مخصصات الدعم والرعاية الاجتماعية المطلوبة، في ظل معدلات الفقر المتزايدة ومعدلات التضخم غير المسبوقة.

الموازنة وخداع الأرقام

مجلس الوزراء المصري قال «إن حجم الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في الموازنة المقبلة تبلغ نحو 331 مليار جنيه، ما يعني أن الحكومة رفعت حجم الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية بواقع 19% في السنة المالية الجديدة، ولكن واقع الأمر ربما يكون بخلاف ذلك، فبالنظر إلى قيمة دعم المواد البترولية بالموازنة الجديدة، التي ارتفعت بواقع 8.87 مليار جنيه، إلى 110.148 مليار، مقابل 101.272 مليار في عام 2016-2017».

الظاهر يقول: إن هناك زيادة بقيمة الدعم، ولكن في الواقع هذه الأرقام تكشف عن أن الحكومة ستلجأ لرفع أسعار دعم المواد البترولية؛ وذلك لأن هذه الزيادة لا تتناسب مع زيادة سعر الدولار في مصر، بالإضافة إلى أنها لا تتناسب كذلك مع الزيادة المتوقعة لسعر برميل النفط، الذي رفعت الحكومة تقدير قيمته من 50 دولار بالعام المالي الجاري، إلى 55 دولار بالموازنة الجديدة، في حين أن السعر يقترب من الـ58 دولار في الوقت الحالي، لذلك هذه الزيادة خادعة إلى حدٍ كبير.

نوع آخر من الخداع كشف عنه أحمد كجوك نائب وزير المالية للسياسات المالية، وهو استهداف تحقيق إيرادات من قناة السويس بقيمة 66 مليار جنيه تمثل 70% من إيرادات القناة المتوقعة العام المقبل، ولكن إيرادات القناة في الوقت الحالي تكشف عن أنها تسجل تراجعًا واضحًا، ولكن مع تدهور قيمة الجنيه ربما يظهر الرقم كبيرًا، إلا أنه في واقع الأمر يعد تراجعًا.

كيف يدفع الفقراء الثمن؟

يدفع الفقراء في مصر في السنوات الأخيرة ضريبة كل برامج الإصلاح الاقتصادي التي تبنتها الحكومات المتعاقبة، إلا أن البرنامج الحالي هو الأكثر قسوة على الطبقة الفقيرة والوسطى، إذ بدأ بضريبة القيمة المضافة، التي أقرها مجلس النواب المصري في أغسطس (آب) الماضي عند 13%، على أن تزيد إلى 14% اعتبارا من السنة المالية 2017-2018 التي تبدأ في أول يوليو (تموز) المقبل.

وتمثلت الخطوة الثانية من برنامج الإصلاح في تحرير سعر الصرف «تعويم الجنيه»، وذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في خطوة كان هدفها المعلن هو دفع سوق الصرف للاستقرار والقضاء على السوق السوداء للعملة، إلا أن هذا البرنامج يفقد بحسب الخبراء ضمانات حماية الفقراء والطبقة المتوسطة، لذلك تتلقى هذه الطبقة النصيب الأكبر من الأضرار.

والإصلاح الحالي يختلف عن غيرة، وذلك من جانب أن الحكومة لا تستطيع التراجع فهي ملتزمة مع صندوق النقد، وهنا يكمن التغير الحقيقي، إذ يقول الجارحي: إن بلاده تستهدف زيادة حصيلتها في موازنة السنة المالية المقبلة من الضرائب إلى 604 مليارات، أي بزيادة بنحو 31.1% في حصيلة الضرائب وبما يعادل ٧٤% من إيرادات الموازنة العامة. لكن الجارحي لم يكشف عن كيفية زيادة حصيلة الضرائب، وما إذا كانت هناك تعديلات ضريبية جديدية ستشهدها البلاد في 2017-2018.

ولكن لماذا الضرائب؟ ربما يكون هذا السؤال أهم الأسئلة التي يجب أن يتم السؤال عنها بالموازنة الجديدة بسبب الزيادة الكبيرة جدًا بها، وربما تكون الإجابة في غاية البساطة، وهي أن هذا الأمر دليل على عجز الدولة عن تدبير إيرادات أخرى لذا تلجأ إلى فرض الضرائب، كما أن التجربة أثبتت أن الفقراء في مصر يتحملون النصيب الأكبر من الضربية.

ما هو دور النقد الدولي؟

ذكرنا أن موازنة 2017-2018 هي الأولى بعد قرض النقد الدولي لمصر، لذلك هي مختلفة، كذلك الحكومة مجبرة على اتباع تعليمات الصندوق لتجنب أي تأخير في وصول شرائح القرض، مصطفى عبد السلام، الخبير الاقتصادي، يوضح أكثر، قائلًا: إن «الصندوق يشترط خفض الدعم عن الكهرباء، وهو ما حدث كما سيواكب الخطوة زيادة في أسعار الكهرباء، وهو ما أعلن عنه وزير الكهرباء مؤخرًا من زيادة جديدة بداية العام المالي».

ويتابع عبدالسلام خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن هناك تراجعًا في دعم مخصصات الكهرباء بقيمة تزيد عن 5 مليارات جنيه ليصل لنحو 30 مليار جنيه، وهو ما يتفق مع تعهدات الصندوق مع الحكومة بوقف هذا النوع خلال 3 سنوات، كما أن الصندوق أشترط أيضًا زيادة في أسعار المرافق من مياه ومواصلات وغيرها.

ويرى الخبير الاقتصادي، أن تأثير صندوق النقد ظهر كذلك من خلال وضع سعر عقلاني للدولار، إذ حددت وزارة المالية سعر الدولار المستهدف بـ 16 جنيها مقابل 14-14.5 جنيه للسنة الحالية وهو سعر مقبول.

ويشير عبدالسلام، أن ضمن المؤشرات التي تكشف دور صندوق النقد، هو تعهد الحكومة بخفض العجز المستهدف في الميزانية الجديدة إلى 9.1% في العام الجديد مقابل 10.5-10.7% متوقع في 2016-2017 وهو ما يبرر خفض الدعم لسلع رئيسة مثل الوقود ورفع أسعار خدمات رئيسية كالمياه، وهو ما سيكون كلفته باهظة بالنسبة للفقراء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد