بعد مرور أول ثلاثة أشهر من 2017، لم يخفت بريق الذهب، بل على العكس تمامًا، فقد ازداد المعدن الأصفر لمعانًا، لم يتراجع كلما توقع الجميع، لم ينل منه دولار ترامب القوي، بل إن الذهب كان أكثر المستفيدين من رفع سعر الفائدة الأمريكية، وهو الأمر الذي يعد انقلابًا بالقاعدة الاقتصادية الثابتة في أذهان كل الاقتصاديين تقريبًا، فهل تغيرت هذه القاعدة؟، أم أن الذهب لم يعد يكترث بالدولار؟، أم ما الذي يحدث؟

في البداية، الذهب هو أهم وأكثر المعادن النفيسة انتشارًا، واقتناء الذهب رغبة دائمة لدى الأفراد والدول -متمثلة في البنوك المركزية-، كما أنه الجزء الأهم من الاحتياطيات لدى الدول، وذلك نظرًا للقيمة المادية والمعنوية التي يتمتع المعدن الأصفر بها، وهو كذلك شديد التأثر بأسعار الفائدة الأمريكية، والأحداث السياسية في العالم.

وتعتبر العلاقة بين الذهب الدولار علاقة عكسية، يزداد الطلب على إحداهما عندما يرتفع سعر الآخر، وتكمن هذه العلاقة في كون أن الذهب أحد أهم أدوات التحوط ضد مخاطر التغير في معدل الصرف للعملات، إذ يلجأ إليه المستثمرون لتغطية المخاطر الناتجة من ضعف الدولار، فالذهب هو الاستثمار الآمن أو الملجأ الأمن للمستثمرين، كما أن المضاربة على الذهب دائمًا ما تكون مرتبطة بالمخاطر الاقتصادية في العالم التي تعد العامل الأساسي في الطلب على الذهب في الوقت الحالي.

ومع نهاية العام الماضي، كانت كل التوقعات تصب في مصلحة الدولار، فالأسوأ بالنسبة للأسواق المالية، بحسب المحللين قد انتهى في 2016، إذ مر العام بأحداث كبيرة، ساعدت على انهيار المؤشرات الاقتصادية، وإنعاش الذهب، إذ شهدنا خروج بريطانيا المفاجئ من الاتحاد الأوروبي، وكذلك التصويت على الدستور الإيطالي، وفوز دونالد ترامب، ورفع الفائدة الأمريكية، وانقلاب تركيا العسكري، واستمرار توترات في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى عمليات الإرهابية في أوروبا، وغير ذلك.

وبعيدًا عن السرد كانت كل هذه العوامل، سببًا رئيسيًا في أن الذهب أنهى عام 2016 مرتفعًا مسجلًا أول مكسب سنوي منذ عام 2012، ورغم أن المعدن الأصفر انخفض بشكل حاد في أعقاب فوز دونالد ترمب في انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إذ فقد 12% في الربع الأخير من العام، إلا أن بداية قوية للذهب في عام 2016 ساهمت في أن ينهي المعدن الأصفر العام الماضي مرتفعًا 8.5%.

الذهب بدأ أول أيام التداول في 2017 منخفضًا، بعد أن سجل الدولار بداية قوية في عام 2017، ليستمر الضغط على سعر المعدن الأصفر بعد أن سجل أكبر خسارة فصلية فيما يزيد على ثلاثة أعوام، حتى الآن تبدو الأمور طبيعية، ولكن مع نهاية الربع الأول لم تسلك الأسواق نفس الطريق الذي توقعه الخبراء، إذ ارتفع سعر الذهب خلال الربع الأول من 2017، بنسبة 8.4% مقارنة بمستواه في نهاية العام الماضي.

هذا الارتفاع الذي جاء عكس التوقعات، إذ كان أفضل أداء فصلي للذهب في عام، وذلك وسط مشهد سياسي عالمي يشوبه الضبابية، وجاء هذا الارتفاع لسببين هما:

الدولار

ذكرنا أن هناك ارتباطًا وثيقًا بين الذهب والعملة الخضراء، إذ يزيد ارتفاع الدولار من تكلفة الذهب على حائزي العملات الأخرى، بينما يؤدي زيادة أسعار الفائدة إلى ارتفاع عوائد السندات ما يحد من الطلب على الذهب الذي لا يدر عائدًا، ومع رفع الفائدة الأمريكية مرتين خلال 3 أشهر، كانت كل التوقعات تصب في مصلحة الدولار وهو ما لم يحدث، إذ استمرت العملة الخضراء في التذبذب خلال الربع الأول من العام الجاري.

ويعود تذبذب الدولار إلى غموض موقف الفيدرالي من رفع الفائدة، إذ صدرت مؤخرًا تصريحات متناقضة من مسئولين، فبعد أن قال وليام دادلي رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك إن المركزي ليس في عجالة من أمره بشأن تشديد السياسة النقدية، خرج جيمس بولارد، رئس مجلس الاحتياطي في سانت لويس، قائلًا: «لا أعتقد أننا نحتاج إلى تعديل رئيسي للسياسة النقدية في هذه المرحلة لكي نظل على الطريق الصحيح ونحافظ على معدل التضخم بالقرب من المستوى المستهدف».

والسبب الآخر الذي يزيد من تذبذب العملة الأمريكية، هي التوقعات بأن تسلك، جانيت يلين، رئيس الفيدرالي الأمريكي، سياسة نقدية تقشفية حادة تجاه سعر الفائدة، وذلك بزيادة النسبة بوتيرة أعلى، وهو ما لم يحدث في آخر تحريك للفائدة، وبالرغم أن رفع الفائدة بأي نسبة ينعش الدولار، إلا أن الأسواق باتت لا تتفاعل بحماسة حال كانت الأحداث دون توقعات السوق.

ورغم أن الدولار ارتفع إلى أعلى مستوى في 3 أسابيع، خلال تداولات الجمعة 9 أبريل (نيسان) الجاري، مدعومًا بتصريحات لمسئول بارز في مجلس الاحتياطي الاتحادي، عن عدم تأخير دورة رفع أسعار الفائدة، إلا أن هذا الأمر غير كافٍ فإن المستثمرين ما زالوا يتوقعون زيادتين في أسعار الفائدة في 2017، وإن كانت إمكانية رفع أسعار الفائدة في يونيو (حزيران) تراجعت إلى 61% بعد تقرير الوظائف الأخير، وعدم الاستجابة لهذه التوقعات تعني هبوطًا كبيرًا بالدولار ومزيدًا من الانتعاش للذهب.

الخوف

الذهب هو الملاذ الآمن القديم الحديث، إذ يحتل المعدن الأصفر مكانة كبيرة في الاقتصاد العالمي، فهو المعيار الأمثل لتحديد غنى الأفراد والشعوب وكان السبب الرئيسي للعديد من الحروب، ودائمًا ما يرتبط اللجوء للذهب بالخوف، وربما يكون هو أنسب تفسير للغز الذهب الحالي.

وفي ظل حصول الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية مثل الحروب وغيرها، يكون اللجوء فوريًّا للذهب، لذلك دائمًا ما يصعد عند وجود أي توترات سياسة عالمية، وهو ما يظهر جليًّا، الجمعة الماضي، عندما ارتفع الذهب إلى أعلى مستوى في 5 أشهر، بعد الضربة الأمريكية في سوريا.

ومع تراجع ثقة الشعوب والمستثمرين في استقرار الأوضاع المشتعلة عالميًا، يزداد الخوف ومعه يلجأ الجميع إلى الذهب، مشكلة هذا الخوف في الوقت الحالي أنها لا تتركز في منطقة واحدة من العالم، بل إن جميع أنحاء العالم تقريبًا تشهد مجموعة من القلاقل المتفاوتة، فقد نشهد تصوت جديد لخروج دول أخرى من الاتحاد الأوروبي، كما أن السياسية الأمريكية الجديدة ما زالت تثير مخاوف الكثيرين.

وفي الوقت ذاته لا تشير الملامح الرئيسية للبيانات الاقتصادية العالمية وهو ما يفاقم المخاوف، إلى جانب التوترات المستمرة في الشرق الأوسط، وبعيدًا عن سرد الكوارث سواء السياسية أو الأمنية في العالم، يختصر هذا الخوف في رسالة مفادها، احتموا بالذهب ولا تفرطوا فيما بين أيديكم منه.

البنوك المركزية

سرعان ما تحتمي البنوك المركزية بالمعدن النفيس في حال وجود مخاطر شديدة تحيط بالاقتصاد العالمي وتهدد الاقتصادات الكبرى، وهذا بالتحديد ما تفعله البنوك المركزي حول العالم في الآونة الأخيرة، فلا تزال البنوك المركزية المشتري الصافي الأكبر من الذهب في العالم، وهو ما يكشف أنها تخشى المستقبل، لذلك تلجأ للذهب.

مؤخرًا أصدر صندوق النقد الدولي تقريرًا حول حيازات الذهب في بعض الدول العالم، إذ كشف عن رفع حيازات الذهب بالأردن 2.5 طن إلى 43.9 طنًا في يناير (كانون الثاني) الماضي، وطنين إلى 413 طنًا بفبراير (شباط) الماضي في تركيا، و10.3 طنًا إلى 1655.5 طنًا بنفس الشهر في روسيا.

ووفقًا لتقرير حديث صدر عن مجلس الذهب العالمي، كشف عن ارتفاع الطلب العالمي على الاستثمار في الذهب بنسبة 70% على أساس سنوي خلال 2016، وهو أعلى مستوى له خلال 4 سنوات، إذ أوضح أن الطلب على الاستثمار في المعدن النفيس قفز إلى 1561.1 طنًا متريًا خلال عام 2016 من 918.7 طنًا متريًا في 2015.

وقال التقرير إن تدفقات الذهب إلى الصناديق المتداولة في البورصة أفضل مستوياتها منذ عام 2009، فيما ارتفع الطلب العالمي على الذهب بنسبة 2% خلال عام 2016 إلى 4308.7 أطنان مترية، وهو أعلى مستوى له منذ عام 2013، وعلى كلٍ ربما تكشف هذه المعطيات الكثير من لغز الذهب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد