هي زهرة مدن سوريا، من أقدم المدن العالمية، تُعرف بـ«عاصمة الاقتصاد السوري»، فهي محور اقتصادي هام، ومدينة تجارية وصناعية بامتياز. خطّ الدفاع الأول عن الاقتصاد السوري، وقبلة التجار والمسافرين عبر العصور. فموقعها المتميز على طرق التجارة جعلها نقطة التقاء لأصحاب الأعمال من قديم الزمان من الهند والصين شرقًا إلى بلاد المغرب العربي وأفريقيا غربًا وتركيا والعراق شمالًا إلى الجزيرة العربية جنوبًا. وفي العصر العثماني كانت المدينة الثالثة من ناحية الرواج التجاري في دولة الخلافة بعد إسطنبول والقاهرة؛ هي مدينة حلب.

في بضع سنوات لا تُعد في عمر الزمان بشيء؛ أتت المدينة على قواعدها. ففي أثناء الحرب العالمية أمر هتلر بتسوية مدينة وارسو بالأرض ما أدى لتدمير 85% من مبانيها. ويمكن استبدال الأسد والقوات الروسية وقوات تنظيم الدولة الإسلامية الآن بهتلر، ومدينة حلب بوارسو. الدمار والخراب يخيم على كل ركن من أركان المدينة العتيقة.

 

الاقتصاد الحلبي قبل الحرب

عام 2012، وقبل أن تُباد المدينة، ذكرت «غرفة تجارة حلب» التي أنشئت عام 1885 ما جعلها تُعَد أقدم غرفة للتجارة في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي برمته، وهو ما يبرهن بشكل كبير على أهمية المدينة التجارية منذ القِدم؛ ذكرت الغرفة أن مساهمة الاقتصاد المحلي لمدينة حلب في الناتج المحلي الإجمالي لسوريا كلها بلغ حوالي 24%، ويأتي ترتيبها في المركز الأول بين المدن من ناحية مساهمتها في الناتج الإجمالي المحلي للدولة. أي أن مدينة حلب كانت تساهم تقريبًا بربع الإنتاج المحلي الكلي لسوريا.

كان الإنتاج الزراعي في المدينة يساهم بحوالي 13% من الإنتاج الزراعي الكلي لسوريا، وفي عام 2011 كان القطاع الزراعي يشغل حوالي 15% من أبناء المدينة. أما عن القطاع الصناعي فلم تعرفه سوريا إلا من خلال مدينة حلب. فكانت المدينة تمتاز بالصناعات النسيجية التي تساهم بمعدل ثلث الإنتاج الصناعي لسوريا كلها، وتبلغ الصادرات الصناعية السورية الواردة من حلب حوالي 50% من جملة الصادرات السورية. وفي العام 2011 كان حجم الاستثمارات في الشيخ نجار – المدينة الصناعية – حوالي 166 مليار ليرة سورية، وتوظيف حوالي 36 ألف فرصة عمل. من أجل الأهمية الصناعية الكبيرة لحلب، فإنها تشغل حوالي 50% من العمالة الصناعية في سوريا كلها.

 

أما عن العلاقات التجارية بين المدينة ودول العالم؛ فتقول غرفة تجارة حلب أن المدينة قد ساهمت في تنمية الصادرات للمنتجات السورية عمومًا إلى مختلف دول العالم. فبلغت قيمة الصادرات في 2011 حوالي 452 مليون دولار أمريكي، بعد أن وصلت في العام 2010 إلى 508 مليون دولار. وساهمت المنطقة الحرة في مدينة حلب في تنمية المبادلات التجارية من خلال 114 مشروعًا استثماريًا في المنطقة التجارية وحدها، وتؤمن حوالي ألفي فرصة عمل. وبلغت قيمة السلع المصدرة إلى خارج المنطقة الحرة حوالي 170 مليون ليرة سورية، أما خارج سوريا فبلغت قيمة السلع المصدرة حوالي 13 مليون ليرة سورية.

وكان قطاع السياحة في المدينة يشكِّلُ موردًا هامًا، وركيزةً أساسية ليس في العصر الحديث فقط، وإنما منذ الأزل. فهناك ما يسمى بالخانات في مدينة حلب القديمة، التي كانت بمثابة الفنادق الفاخرة التي يلتقي فيها التجار والصناع ورجال الأعمال قديمًا. وكانت مدينة حلب تضم 107 فندقٍ عام 2010.

وإذا كانت المدينة مركزًا للتجارة والصناعة، فكان لابد لها أن تكون مركز جذب استثماري كبير، ومحطّ أنظار المستثمرين، إذ تتوسَّط المدينة مناطق الإنتاج الزراعي، كما تمتلك مرافئ تصديرية بحرية، ومنافذ حدودية برية مع الدول المجاورة، بالإضافة إلى مكانتها في الصناعات النسيجية، والصناعات التقليدية كالملابس، والصابون، والحرير الطبيعي، والذهب، والمواد الغذائية، وغيرها. فالإنتاج الزراعي يؤمِّن توافر المواد الخام للتصنيع مثل القطن، والحبوب بجميع أنواعها. كما أن الحلبيين من أصحاب المهارات العالية، تتسم اليد العاملة بالتنوع والأجور القليلة مقارنة بالدول المجاورة. من أجل ذلك، جذبت مدينة حلب المستثمرين، فكان يتواجد فيها حوالي 21 مصرفًا حكوميًا وخاصًا بفروعهم المنتشرة في أرجاء المدينة، يُخدِمون على هذا النشاط الاقتصادي الكبير.

حينما حلّ الخراب!

كل ذلك كان من الماضي القريب. فاليوم قرر الرئيس السوري بشار الأسد ومِن خلفه داعموه محْوَ ما سبق بجرة قلم، حتى أضحت حلب مدينة للأشباح، تفوح من بين الكتل الأسمنتية وركام مبانيها رائحة الدماء وفقط.

 

بحسب دراسة صادرة عن المركز السوري لبحوث السياسات فإن خسائر الاقتصاد السوري قد بلغت 255 مليار دولار. ما يعني أن نصيب مدينة حلب من الخسائر الاقتصادية يمكن تقديره بحوالي 65 مليار دولار أو يزيد. وتقول الدراسة إن أكثر من 470 ألف شخص لقوا حتفهم بسبب القتال في سوريا، ومن بينهم حوالي 70 ألف شخص ماتوا بسبب نقص الخدمات الأساسية كالمياه النظيفة والرعاية الصحية. الحرب السورية المستعرة منذ خمس سنوات أدت إلى نزوح أكثر من 5 ملايين سوري خارج البلاد، وحوالي 7 ملايين سوري فروا من منازلهم إلى مناطق أخرى في سوريا.

الموت جوعًا

يواجه السكان الذين لم يستطيعوا الفرار خطر الموت إن لم يكن من جراء القتال، فمن الجوع. فهناك صعوبة بالغة في نقل المواد الغذائية في شتى البقاع السورية. يقول أبو عبد الله – تاجر مواد غذائية – لصحيفة الفاينانشال تايمز: «نواجه الضغوط من كل اتجاه؛ من الدولة، ومن الجماعات المسلحة، ومن داعش ومن المجرمين. فجلب البضائع من دير الزور شرق البلاد كان يأخذ ست ساعات، والآن يستغرق أسبوعين، وتكلفة النقل تضاعفت مائتي ضعف، ناهيك عن رسوم المرور التي يجب أن تدفع للمسلحين على طول الطريق».

الازدهار الصناعي قد تلاشى في مدينة حلب، وتوقفت المصانع، فالتي لم يتم تدميرها بعد توقفت بسبب النهب أو انقطاع التيار الكهربي وانعدام الأمن على الطرق. الجماعات المسلحة وقوات النظام تقوم بابتزاز سائقي الشاحنات في مختلف المناطق على الطرق من أجل دفع الرشاوى والإتاوات في نقاط التفتيش من أجل العبور.

أما الإنتاج الزراعي فقد تمّ إحراقه بالبراميل المتفجرة التي تلقيها قوات النظام السوري، وبمساعدة الضربات الجوية الروسية. فقلَّ إنتاج القمح بنسبة تجاوزت 20% مما كانت عليه عام 2010، وانخفض الإنتاج الحيواني بنسبة 30% في الأبقار، و40% في الأغنام والماعز، و50% في الدواجن. وتمثل الثروة الحيوانية التي تم تدميرها 20% من قوة العمل الريفية، بينما كانت الأغنام والماعز والدواجن من السلع التصديرية الهامة.

 

تمّ تدمير الخانات التاريخية العتيقة التي تشهد على محورية مدينة حلب ودورها في الاقتصاد العالمي قديمًا. ومن أشهر هذه الخانات التي أتى القصف عليها: خان الوزير الذي بُنِي في القرن السابع عشر عام 1683، وخان الكتان، وخان خاير بك الذي أنشئ عام 1514، وخان الفرايين الذي بُنِي في القرن السابع عشر، وخان العادلية، وخان العلبية، وخان الصابون، وخان النحاسين الذي بُنِي عام 1539، وخان العبسي، وخان البنادقة، وخان الحبال، وخان الجمرك الذي يعدّ من أكبر خانات حلب وبُنِي عام 1574، وغيرها من الخانات العتيقة التي عُقدت فيها الصفقات التجارية بين التجار من شتى البلاد قديمًا.

ساهمت العقوبات الدولية على النظام السوري في انخفاض قيمة الليرة السورية من 50 ليرة لكل دولار قبل الحرب، إلى 500 ليرة للدولار الواحد الآن. وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم بنسبٍ كبيرة وصلت إلى 400%، فكان الفقر كالموت يترقَّب من بقي حيًا. مما دفع معدلات الفقر إلى الارتفاع إلى 90% من عدد السكان الموجود في مدينة حلب حاليًا.

هروب رؤوس الأموال.. والبشر كذلك

بسبب القصف الدائم والإبادة الجماعية من قبل قوات النظام السوري على مدينة حلب، هربت رؤوس الأموال من المدينة. واستقرت نسبة كبيرة من هذه الأموال في مدينة غازي عنتاب التركية. فالحلبيون أطلقوا العديد من المشاريع الاستثمارية في المدينة التركية مثل تصنيع الزيوت والصابون والنسيج، ويعمل بها العديد من السوريين والأتراك.

يقول رجل الأعمال الحلبي أبو بكري لموقع الجزيرة، إنه اضطر لنقل استثماراته إلى غازي عنتاب بعدما دمر برميل متفجر ألقاه طيران النظام السوري مصنع النسيج الذي يملكه في مدينة الشيخ نجار الصناعية شمال شرق حلب. ويقول أيضًا أبو عبدو الحلبي إنه أقام معملًا لصناعة الصابون في غازي عنتاب بعدما اضطر لترك معمله في مدينة منبج بريف حلب الشمالي بعدما سيطر عليه تنظيم الدولة الإسلامية داعش.

ومن رجال الأعمال الفارين من الدمار والموت في حلب إلى الحرفيين والمهنيين الذين كانوا يشكلون نقطة قوة بارزة في الصناعة الحلبية. فرجال الأعمال استثمروا في الفنادق والمصانع في المدينة التركية، وكذلك أقام المهنيون ورشًا ومحلات صغيرة مثل محلات الحلويات، وتصليح الهواتف النقالة، ومطاعم الوجبات الحلبية.

ونتيجه للقتال العنيف الدائر في حلب، فقد اختفت المهن الاعتيادية، وظهرت مهن جديدة تناسب الظروف الكارثية الجديدة، مثل بيع ونقل المياه للمنازل في حلب، فالمدينة تعاني من أزمة مياه منذ عامين، ومن ثم فقد انتشر حفر آبار المياه في كافة أحياء حلب، فلا يخلو حي من بئر أو اثنين، ويعمل بعض الأفراد في نقل هذه المياه للمنازل من أجل كسب قوت يومهم. كما انتشرت تجارة المولدات الكهربائية أيضًا، بسبب الانقطاع الدائم للكهرباء.

 

عقودٌ من أجل التعافي الاقتصادي

إذا ما توقف الخراب والدمار اليوم، فكم من السنوات ستحتاجه حلب وسوريا بأكملها من أجل النهوض من جديد؟

تساؤل لن تسعدك إجابته بالفعل. فوفقًا لصندوق النقد الدولي، احتاجت لبنان إلى 20 عامًا بعد الحرب الأهلية التي استغرقت 15 عامًا حتى تصل إلى مستوى الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب. واحتاجت الكويت، التي دخلت في صراع مع العراق لمدة عامين فقط؛ سبع سنوات من أجل استعادة مستوياتها من الناتج المحلي الإجمالي قبل الحرب. أما عن سوريا التي تشهد مستوياتٍ غير مسبوقة من الدمار، للدرجة التي وصف بها البعض مدينة حلب بأكثر المدن دمارًا منذ الحرب العالمية الثانية، فالأمر سيستغرق الكثير من السنوات للتعافي من جديد.

في وقت مبكر من عام 2014، قدَّر تقريرٌ صادر عن وكالة الأمم المتحدة للإغاثة والتشغيل أن الأمر سيستغرق 30 عامًا لسوريا للعودة إلى المستويات الاقتصادية التي كانت عليها عام 2010. مع ملاحظة أن التقرير صدر في أوائل عام 2014، والدمار الذي حدث منذ ذلك الوقت إلى الآن ربما بلغ ضعف ما كان قبل ذلك.

عرض التعليقات
تحميل المزيد