منذ نحو 10 أشهر من الآن، وتحديدًا في 19 مايو (أيار) 2017، وقف الإيرانيون في طوابير طويلة أمام مراكز الاقتراع في العاصمة طهران؛ وذلك لاختيار رئيسهم الجديد، فيما وُصف حينها بأنه استفتاء على الاقتصاد أكثر من كونه انتخابات رئاسية. كثير من هؤلاء الناخبين ذهبوا إلى مراكز الاقتراع للمرة الأولى وسط درجات حرارة مرتفعة؛ إذ كان تحسن الوضع الاقتصادي المتردي هو الأولوية القصوى لهؤلاء، وفي النهاية فاز معسكر الرئيس حسن روحاني في محاولة لإعطائه فرصة ثانية من أجل استكمال مسيرة الإصلاح الاقتصادي.

أصوات الإيرانيين التي حصدها روحاني جاءت في وقت كانت تعاني فيه عملة البلاد، وتتفاقم معدلات البطالة، ولا يشعر كثير من المواطنين بتحسن حقيقي في مستويات المعيشة، رغم الإيجابيات التي يتناولها الإعلام من حيث فوائد الاتفاق النووي، ولكن النسبة الأكبر من الإيرانيين كانت لديهم ثقة في توقعات الانتعاش الاقتصادي التي لم تملّ الحكومة من تكرارها، وفاز روحاني بفترةٍ رئاسيةٍ جديدة، متّكئًا على بعض إنجازاته الاقتصادية التي حققها منذ انتهاء فترة رئاسة أحمدي نجاد الثانية، والتي كان الاقتصاد الإيراني خلالها ينكمش بنسبة 7% في العام، فيما وصلت نسبة التضخم إلى 40%، وهو ما نجح روحاني في علاجه لاحقًا.

وبعد مرور أقل من سبعة أشهر على الانتخابات، كان الإيرانيون على موعد آخر مع طوابير من نوع مختلف، كان المحرك الأساسي لها أيضًا هو الاقتصاد؛ فقبل نهاية العام الماضي خرجت تظاهرات قادها بشكل واسع شباب لا يتجاوزون الثلاثين عامًا؛ مطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية، ورفع الأجور، وتخفيض الضرائب المفروضة علي المواطنين، والحدّ من ارتفاع الأسعار، بينما كانت العملة الإيرانية أيضًا في ذلك الوقت تواصل النزيف.

ومؤخرًا اصطف الإيرانيون في طوابير يمكن وصفها بطوابير سحب الثقة في الاقتصاد، أو فقدان الأمل في تحسن اقتصادي كان هو الأولوية منذ أشهر قليلة، فخلال الأيام الماضية تتشكّل يوميًا طوابير طويلة في طهران أمام مكاتب الصرافة؛ وذلك للتخلي عن العملة المحلية، والبحث عن عملات أجنبية تحميهم من التقلبات الاقتصادية التي قادت عملة بلادهم إلى أدنى مستوى في تاريخها، لكن لماذا يتراجع الريال الإيراني؟

ماذا يحدث للريال الإيراني؟

منذ نجاح الثورة في إيران عام 1979 مرّت العملة الإيرانية بمراحل عدة غلب عليها التراجع؛ فبعد أن كانت 100 ريال إيراني تساوي دولارًا أمريكيًا في 1979، هوت إلى قرابة 1200 ريال للدولار عام 1990، إلاَّ أن السقوط الأكبر كان عندما سجل الدولار 8630 ريالًا عام 2000. وبعد تحسّن طفيف في 2004 عندما سجل الريال 8320 للدولار، عادت العملة للسقوط مجددًا؛ لتنهار إلى نحو 14840 ريالًا للدولار.

Embed from Getty Images

خلال كل هذه السنوات، كانت السوق السوداء حاضرة، ولكن لم تكن مسيطرة، وكانت الفجوة بينها وبين السعر الرسمي أقلّ، ولكن هذا الأمر تغيّر مع مطلع 2012؛ عندما اتّسعت الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء بأكثر من 4 آلاف ريالًا؛ إذ كان السعر الرسمي نحو 10800 ريال، بينما اقترب من 15 ألف ريال للدولار في السوق السوداء، ومع نهاية 2012 كانت العملة الإيرانية قد فقدت نحو 80% من قيمتها مقارنة بسعرها بداية العام؛ إذ تجاوز سعر الدولار الواحد 40 ألف ريال.

ومنذ ذلك الحين كان الريال يتم تداوله بأقل من هذا المستوى، فقبل نحو عامين من الآن كان يتم تداوله بنحو 30 ألف ريال للدولار، ولكن منذ أواخر 2017 ومع بداية 2018 شهد سوق الصرف في إيران تغيّرات كبيرة؛ إذ نشطت السوق السوداء كثيرًا، وزاد طلب الإيرانيين على الدولار، وهو الأمر الذي ساهم في استمرار تراجع العملة المحلية، هذا التراجع وصل إلى ذروته في 8 أبريل (نيسان) الماضي؛ إذ فقد الريال نحو 8% من قيمته خلال يوم واحد، وهي نسبة الهبوط الأكبر في يوم خلال الأشهر الماضية، بينما فقد نحو 20% من قيمته مقابل الدولار خلال أسبوعين. وقفز الدولار الأمريكي من 54700 ريال إلى 60 ألف ريال في السوق المفتوحة بطهران في 9 أبريل الماضي، وهو أقل سعر للريال على الإطلاق؛ إذ كان سعر الدولار قد بلغ 36 ألف ريال في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي.

Embed from Getty Images

وخلال الأسبوع الجاري تجاوز السعر مستوى الـ60 ألف، ووصل إلى 62 ألف ريال للدولار، وسط إقبال كثيف من الإيرانيين نحو التخلي عن عملتهم المحلية، وبحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، فإنه بالرغم من الطوابير الطويلة الموجودة أمام الصرافات، لم يتمكن أغلب الإيرانيين من الحصول على الدولار الذي اختفى من الصرّافات في ظل الطلب القوي، لكن لماذا يزداد عدد الإيرانيين الراغبين في شراء الدولار؟ وما هي أسباب هذا الهبوط الحاد؟

ما هي أسباب هبوط الريال الإيراني؟

في الواقع اجتمعت عدّة أسباب ساعدت في هذا الانهيار الذي أصاب العملة الإيرانية؛ ففي الوقت الذي يترقب فيه الإيرانيون قرار دونالد ترامب في شهر مايو حول الاتفاق النووي، سواء بالتنازل عن فرض عقوبات على إيران، أو انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية، يبدو أن الكثيرين يرجّحون انسحاب ترامب؛ وهو ما ستكون له عواقب وخيمة على البلاد؛ إذ يمكن أن يلامس الريال مستوى الـ70 ألف ريال للدولار، ويرى سعيد ليلاز، الاقتصادي الإيراني المقرَّب من حكومة روحاني، أن الهبوط جاء بسبب المشاكل السياسية الداخلية والخارجية.

ويرى محللون أن الغريب ليس الهبوط في حد ذاته؛ فالعملة تعاني من التراجع منذ سنوات، لكن المختلف هذه المرة هو النقص الشديد والسريع والمفاجئ في حجم العملة الأجنبية بالسوق الإيراني، وهو أمر مثير للتساؤل؛ إذ كيف لبلد حققت فائضًا في العملة بلغ 17 مليار دولار في العام الماضي، عندما بلغت صادراتها غير النفطية 47 مليار دولار، وباعت نفطًا بقيمة 55 مليار دولار، أن يكون لديها مثل هذه الأزمة، وتختفي العملة الصعبة فجأة من الأسواق؟

Embed from Getty Images

تختلف التفسيرات بين السياسي والاقتصادي، فالبعض يرى أن هذا الهبوط جاء بسبب توتُّر السياسة الخارجية الإيرانيَّة، وأجواء صدام عسكري مع الولايات المتَّحدة وإسرائيل، فيما تتحدَّث بعض المصادر الإعلامية، أبرزها صحيفة «الجريدة» الكويتية، التي نقلت عن مصدر رفيع المستوى في الحرس الثوري الإيراني أنه بدأ الاستعداد عبر عمليات مالية وخطط استراتيجية، عبر نقل عشرات المليارات من الدولارات إلى مكان آمن ليسهل استخدامها في وقت الحرب، بينما تم استجواب محافظ البنك المركزي بالبرلمان بدعوى إخراج 30 مليار دولار من البلاد، إذًا نحن نتحدث عن عشرات المليارات من الدولارات التي خرجت من البلاد، إن صحّت هذه الأنباء فهذا الانهيار للعملة ربما لن يكون غريبًا على الإطلاق.

ويذهب آخرون إلى أن هبوط السوق المالي الإيراني مؤخرًا دفع المستثمرين إلى الاستغناء عن الأوراق المالية، والاتجاه للاستثمار في الدولار والعملات الأجنبية التي تشير كل التوقعات إلى استمرار صعودها في ظل هبوط الريال، وهو أيضًا سبب مقنع، ولكنه غير كافٍ لدفع الريال لهذا الهبوط الحاد.

وعلى الجانب الآخر، وبحسب دراسة لمركز «الخليج العربي للدراسات الإيرانية» بعنوان «تراجع أسعار صرف العملة الإيرانية: الأسباب والتداعيات»، فإن الدراسة تقول: إن أزمة سعر الصرف في إيران لها جذور قديمة وأسباب عميقة، وعلى رأسها، تراجع موارد الدولة من العملة الأجنبية، ووجود أكثر من سعر صرف في إيران على مدار التاريخ؛ إذ يوجد سعر الصرف الحكومي المثبت، وسعر صرف السوق السوداء (الحرة)، وسعر صرف المرجع، بالإضافة إلى الركود الاقتصادي الذي استمر لفترات طويلة توقفت معه آلاف المصانع عن العمل، وتراجعت معه الصادرات غير النِّفْطية، وارتفاع الواردات والضغط على الاحتياطي الأجنبي.

Embed from Getty Images

والخلاصة: نستطيع القول إن كل ما ذكر كان له نصيب بالمساهمة في هبوط الريال بنسب متفاوتة، فإذا كانت تهديدات ترامب بالخروج من الاتفاق النووي هي الواجهة الإعلامية لهذا الهبوط، فلا يمكن إهمال الحديث عن أن الحرس الثوري قد أخرج مليارات الدولارات من البلاد في ظل هذه التوترات التي تحوم بالمنطقة، كما أنّ فكرة اتجاه المستثمرين أو أي مواطن يملك نقودًا إلى الدولار أو اليورو في الوقت الحالي أمر منطقي جدًا في ظل حالة الهلع الموجودة في الشارع الإيراني، والحديث عن أن الدولار هو الملاذ الآمن وسط موجة تضخميّة متوقعة، ناهيك بالطبع عن المشاكل الاقتصادية الهيكلية بالاقتصاد التي طالما تحدثنا عنها، مع كل هذه المعطيات يمكن اعتبار أن هبوط الريال الإيراني نتيجة منطقيّة.

كيف واجهت الحكومة و«المركزي» هبوط الريال؟

على مدار الأشهر الماضية، اقتصر تحرك البنك المركزي الإيراني على متابعة ما يحدث دون اتخاذ إجراءات تذكر، بينما لجأت الحكومة إلى الخيار الأمني؛ إذ اعتقلت السلطات عشرات الأشخاص من تجار العملة خلال الأشهر الماضية، كما أغلقت مئات الحسابات المصرفية، وجمدت الأموال بها، على خلفية تهم ترتبط بالمساهمة في تذبذب أسعار الصرف في إيران، وتوعّدت السلطات القضائية بالإعلان عن أحكام قاسية على من يساهمون في تغيير أسعار الصرف بالسوق السوداء، ولكن لم تنجح هذه المحاولات في السيطرة على سعر الصرف.

ولكن خلال الأيام الماضية، بدأت الحكومة في أولى خطواتها للسيطرة على هذا الهبوط الحاد للعملة؛ إذ وحّدت بين سعر الصرف الرسمي للعملة وسعرها في السوق المفتوحة، وذلك بعد اجتماع طارئ لمجلس الوزراء عقد خلال الأسبوع الجاري، إذ قال إسحاق جهانجيري، النائب الأول للرئيس الإيراني: «إن سعر الدولار بات 42 ألف ريال في كلتا السوقين، ولكل أنشطة الأعمال»، موضحًا أن الحكومة لن تعترف بأي سعر صرف آخر، وسيكون تداول الدولارات بسعر غير رسمي مخالفًا للقانون.

Embed from Getty Images

وقد كانت مثل هذه الخطوة منتظرة منذ مدة، إذ سعت إيران للتوحيد بين سعر الصرف في السوق المفتوحة الذي يستخدم في معظم المعاملات التجارية، وسعر الصرف الرسمي – وهو سعر مدعوم لا يستخدم إلا مع المؤسسات الحكومية وبعض مستوردي السلع ذات الأولوية – لكن السؤال: هل هذا الإجراء سيحل الأزمة؟

 بالطبع يكاد يكون هذا الإجراء بمثابة حبر على ورق، فلم تعترف به الأسواق وواصل السعر صعوده، فالحكومة أعلنت أنها لم تعد تستطيع توفير ذلك السعر للطلبة الذين يدرسون في الخارج، وأن عليهم شراء الدولار من السوق لدفع أقساطهم.

إذًا فمن لا يملك السيولة، لا يستطيع التحكم في السوق، هكذا هي الأوضاع في عالم الاقتصاد، فحين تحدد الحكومة سقفًا لسعر الصرف، فعليها أن تكون قادرة على الالتزام به وتوفير معروض كافٍ منه يسدّ حاجة السوق، ولكن الحكومة لا تملك حاليًا معروضًا كافيًا، لذلك فمن الصعب التحكم في السوق، ولكن يجب ترك السعر لقوى العرض والطلب، أو ما يطلق عليه تعويم العملة، وذلك في نفس الوقت الذي يتم فيه إنعاش مصادر العملة الصعبة؛ حتى يتوازن الطلب والعرض.

البنك المركزي من جانبه وضع حدًا أقصى لحيازة المواطنين للنقد الأجنبي خارج البنوك عند 10 آلاف يورو، وقال: إن المواطنين أمامهم موعد نهائي حتى آخر الشهر لبيع أية كمية فائضة أو إيداعها في البنوك، وربما لا تكون مثل هذه الخطوة واقعية بعض الشيء؛ فقد ثبت فشلها في مصر – على سبيل المثال – لأنها لا تمسّ المشكلة الأساسية، وإن كان لها تأثير إيجابي فسيكون طفيفًا جدًا؛ لأنه من الصعب أن يستجيب المواطنون لمثل هذه التعليمات في ظل هذه الحالة من الهلع، خاصة عندما يعرف المواطن أن الاتحاد الأوروبي قرّر أمس الخميس تمديد العقوبات المفروضة على إيران لمدة عام.

ما هو تأثير هبوط الريال على المواطن؟

نجلس هنا بلا حراك ننظر لصعود الأرقام، لا تستطيع إجراء صفقات تجارية حين تبدأ اليوم بسعر وتنهيه بسعر آخر، الأفضل ألا تفعل شيئًا لحين انقشاع العاصفة

هكذا يقول إسماعيل كاظمي، أحد مستوردي القهوة في طهران تعليقًا على الهبوط الحاد للعملة. ويلخص حديث كاظمي الوضع التجاري في إيران وسط التقلبات الحادة للريال، وهو ما يعني أن البلاد على مشارف حالة من الركود، وهو ما يعني بالتالي تفاقم المشاكل الاقتصادية في البلاد.

Embed from Getty Images

وبالنظر إلى التقديرات الإيرانية عن الفقر؛ نجد أن ما بين 10 و12 مليون شخص في إيران يعيشون تحت خط الفقر المطلق، ومع هبوط الريال يعني أن هناك عددًا أكبر من الإيرانيين سينضمون إلى قائمة من يعيشون تحت خط الفقر، وهو المقدر في عام 2017 بنحو 33 ألف ريال، وقد يرتفع العدد إلى معدَّلات تتراوح بين 16 و20 مليون إيرانيّ، إذا ما ارتفع مقدار خطّ الفقر.

وبحسب آخر إحصاءات البنك المركزي الإيراني، فإن الفجوة بين الطبقات ازدادت بمقدار 15 ضعفًا، وهو ما يعكس حجم التفاوت الكبير في توزيع الثروة في إيران، بينما تشير التقديرات الرسمية إلى أن معدل البطالة يدور حول 12.4% من القوى القادرة على العمل في إيران، أي نحو 3 ملايين و200 ألف شخص، في حين تبلغ نحو 30% بين الشباب، والنسبة الكبرى من العاطلين عن العمل في إيران من الملتحقين بالتعليم العالي بمعدل عاطل من بين كل ثلاثة متعلمين، أو بنسبة 35%، إلا أن هناك تقديرات غير رسمية تتحدث عن ضعف هذه النسبة. ومع استمرار انهيار العملة، فمن المتوقع انضمام أعداد جديدة لطابور العاطلين في البلاد.

على الجانب الآخر، وفي أسرع المؤشرات الاقتصادية التي تتأثر بهبوط قيمة العملة، يقترب معدل التضخم في إيران من 10% حاليًا وفق الأرقام الرسمية، لكن من المتوقع أن يرتفع هذا المعدل كثيرًا في ظل استمرار تراجع قيمة الريال، بينما سيكون الفقراء الطبقة الأكثر تضررًا من هذا الوضع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد