أحمد طلب

26

أحمد طلب

26

لا تخلو جلسات الكويتيين العامة أو الخاصة، رسمية كانت أو غير ذلك، من الحديث عن التركيبة السكانية، وأعداد السكان في البلاد التي وصلت إلى 4.45 مليون نسمة، منهم 1.33 مليون مواطن و 3.1 مليون وافد من العرب والأجانب، وذلك طبقًا لأرقام الهيئة العامة للمعلومات المدنية.

وتكشف الأرقام عن مدى الفجوة الكبيرة بين عدد السكان من المواطنين والوافدين، ما ألقى بآثاره على المساهمة في اقتصاد البلاد؛ إذ يصل معدل المساهمة في النشاط الاقتصادي للوافدين نحو 84%، كما يستحوذ العاملون الكويتيون على 21% فقط من القطاع الخاص، مقارنة بنحو 65%، هي نسبة العاملين في القطاع الخاص من غير الكويتيين.

ومع تراجع أسعار النفط، وهبوط إيرادات البلاد التي تعتمد على النفط بشكل كامل، ظهرت العديد من المشاكل الاقتصادية، أجبرت الدولة على انتهاج سياسات تقشفية كبيرة، كان للوافدين النصيب الأكبر منها، وهو الأمر الذي يضع الوافدين في الكويت تحت ضغوط متنامية، دفعت البعض منهم للتخلي عن العمل بالبلاد، والعودة إلى مواطنهم الأصلية.

الأخيرة عالميًّا من حيث إقامة الوافدين

وتذيلت الكويت للعام الثالث على التوالي قائمة أفضل وأسوأ الوجهات حول العالم لإقامة الوافدين في 2016، وذلك بحسب تصنيف مؤسسة «إنترنيشنز» الدولية التي وضعت الكويت في المرتبة الأخيرة عربيًّا وعالميًّا في إقامة الوافدين، فيما جاءت دولة كاليونان التي تعاني أزمة مالية خانقة في المركز قبل الأخير.

اقرأ أيضًا: عندما أعفت اليونان ألمانيا من ديونها

وتراجعت الكويت في تصنيفات جميع المؤشرات التي يتناولها التقرير، وخاصة على صعيد الوضعين المالي والوظيفي بالنسبة للوافدين. ويعتمد تصنيف «إنترنيشنز» على خمسة مؤشرات أساسية هي: جودة الحياة، وسهولة الاندماج في المجتمع، والوضع المالي، والحياة العائلية، والوضع الوظيفي.

الاستطلاع الذي أجرته المؤسسة شمل نحو 14 ألف مغترب من 174 جنسية، يتوزعون على 191 دولة حول العالم، ووصف 35% فقط من الوافدين الكويتيين بـ «الودودين»، وهي النسبة الأدنى بين الدول الخليجية، وعلى صعيد مؤشر الوضع الوظيفي، حلّت الكويت ضمن أسوأ 20 مركزًا، كما شدد أكثر من 50% من المستطلعة آراؤهم على عدم رضاهم عن الارتفاع الحاد في كلفة المعيشة في الكويت.

مشاكل اقتصادية يواجهها الوافدون

ارتفاع الأسعار

رفعت الكويت أسعار البنزين مطلع سبتمبر (أيلول) 2016 بنسبة تصل إلى 83%، في إطار تقليص الدعم لمواجهة تراجع إيرادات النفط، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار السلع، في ظل تراجع قيمة الدينار أمام الدولار بنهاية 2016، إذ ارتفعت العملة الأمريكية بنسبة 0.8% من 303 فلوس إلى 305 فلوس للدولار (الدينار يساوي ألف فلس).

وارتفع التضخم بنسبة 3.5% خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على أساس سنوي، مقارنة بالشهر ذاته من 2015، في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار المستهلك بنسبة 0.98% خلال ديسمبر (كانون الأول) الماضي، مقارنة مع نوفمبر (تشرين الثاني) السابق عليه، على أساس شهري.

وكشف التقرير الشهري الصادر عن الإدارة المركزي عن ارتفاع أسعار الأغذية، والمشروبات، والسجائر والتبغ، وخدمات المسكن والمفروشات المنزلية، ومعدات الصيانة، والصحة، والنقل، والاتصالات، والترفيه، والثقافة، والمطاعم، والفنادق، فيما تراجعت وحيدة أسعار الكساء، وملبوسات القدم.

تخفيض الاستهلاك

غلاء المعيشة دفع المواطنين والوافدين على حد سواء إلى تخفيض الاستهلاك، إذ أظهر تقرير حكومي، تراجع الاستهلاك الشخصي في البلاد بنسبة 5.5% خلال العام الماضي 2016، مقارنة بالعام السابق عليه، وذلك  إثر صعود جماعي لأسعار السلع الرئيسية بنسبة 10%.

ويرجع السبب في تراجع الاستهلاك إلى انخفاض قيمة الدينار وارتفاع أعباء المعيشة، وسط مخاوف من أن يُفاقم هذا التطور حالة الانكماش التي يمر بها الاقتصاد الكويتي، وذلك وسط تراجع ودائع القطاع الخاص أيضًا بقيمة 123 مليون دينار مع نهاية ديسمبر (كانون الأوّل) الماضي، على أساس سنوي، وفقًا للتقرير الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء الكويتية.

ركود القطاع العقاري

على الجانب الآخر، وبعد عقود منتعشة عاشها القطاع العقاري الكويتي يمر الآن القطاع بموجة ركود مؤلمة، ربما تكون في صالح الوافدين من ناحية أن الأسعار ستتراجع، إلا أن هذه الركود يهدد آلاف العاملين في القطاع، بعد أن فقدت حركة البيع والشراء في سوق العقارات، خلال الربع الثاني من 2016، حوالي 31% من قيمتها مقارنة بالفترة المقابلة من 2015، بالإضافة إلى أن قيمة عمليات البيع والشراء انخفضت في القطاع الاستثماري الذي يمثل وحدات الإقامة للوافدين عادة بنسبة 45%، بحسب بيت التمويل الكويتي مؤخرًا.

ويُتوقّع على هذا الأساس هبوط أكبر للسوق العقاري الكويتي، لا سيما بعد أن تدخل السياسات الجديدة لخفض الدعم حيز التنفيذ، وهو ما قد يجبر أعدادًا لا بأس بها من الوافدين على الرحيل، أو على الأقل إعادة عائلاتهم إلى بلدانهم، والبقاء في الكويت بأقل كلفة ممكنة.

اقرأ أيضًا: انخفاض أسعار النفط يُلقي بظله الثقيل على دول الخليج

التأمين الصحي

تشهد الكويت منذ مطلع عام 2017 أزمة متواصلة في التأمين الصحي الخاص بالوافدين، إذ شهدت مراكز الضمان الصحي، تكدس الراغبين في تجديد بطاقات التأمين الصحي، في مشهد غير مسبوق، وذلك بعد قرار حكومي بالاستغناء عن الشركة المنوط بها إنهاء المعاملات، تمهيدًا لتطبيق نظام جديد للضمان الصحي على الوافدين خلال الأشهر القليلة المقبلة.

النظام الجديد المنتظر يقضي بعلاج الوافدين في مستشفيات الضمان، التي ستعمل بالشراكة بين القطاعين العام والخاص، بينما يقوم النظام الحالي بتوفير الخدمات الطبية للوافدين في المستشفيات الحكومية.

ويدفع الوافد حاليًا نحو 50 دينارًا سنويًّا (162 دولارًا) للحصول على التأمين الصحي في المستشفيات الحكومية، ونفس المبلغ لكل فرد من أفراد الأسرة، بينما سيدفع الوافد مستقبلاً في مستشفيات الضمان الصحي 130 دينارًا (427 دولارًا).

كيف يتعامل الوافدون مع الظروف الاقتصادية الحالية؟

المحاسب المصري أحمد الجمل الذي يعمل في الكويت منذ نحو سبع سنوات بمكتب للسفريات، قال لـ«ساسة بوست» إن العاملين في الكويت من جنسيات أُخرى، لمسوا تداعيات الأزمة الاقتصادية التي منيت بها البلاد «لقد أصبحوا أكثر حرصًا. الجميع يقلل النفقات، فالحياة الآن أصعب»، كما قال.

 من كان يفكر قبلًا في دعوة أسرته للعيش معه، لم يعد يُفكّر في الأمر الآن بسبب الظروف المادية، فأحمد الجميل الذي كان ينتوي استقدام زوجته، اضطر إلى استبعاد الفكرة، وذلك لأنه أصبح شرطًا لاستقدام الزوجة أن يكون الراتب في إذن العمل أكثر 450 دينارًا، في حين أن راتبه الأساسي 250 دينارًا فقط.

ورغم أن «سوق العمل لم يعد كالسابق بسبب تقليص النفقات وتراجع الإيرادات»، ورغم أن السكن يستهلك 60% من راتبه، لكن الجمل قرر أنه لن يترك الكويت رجوعًا إلى مصر، مُوضحًا: «ربما لن أستطيع الادخار بما يكفي، لكن الحياة هنا أفضل على أية حال».

مصري آخر  هو علي محمد يعمل في مؤسسة إعلامية بالكويت، يروي لـ«ساسة بوست» عن ظروف الوافدين في الوقت الحالي قائلاً: «انتهت فكرة أن العاملين في الخليج من الطبقات العليا أو ذوي الدخل المرتفع، إذ أصبح القليل من الوافدين ميسور الحال».

علي محمد الذي يعمل في الكويت منذ ست سنوات يقول إن بعض الوافدين في الكويت يلجؤون للاقتراض، فـ«الرواتب لم تعد تكفي»، مع العلم بأنّ متوسط دخل العامل المغترب في الكويت حوالي 500 دينار، نصفها على الأقل يذهب للسكن، بالإضافة إلى حوالي 150 دينارًا تُنفق على الطعام والشراب.

«مع القوانين الصادرة بحق الوافدين من فرض رسوم خدمية، ورفع التأمين الصحي ومصاريف الإقامة، ستصل النفقات السنوية إلى نحو 700 دينار، في حال كانت الأسرة بها ثلاثة أطفال»، بحسب علي محمد.

وبمناسبة التأمين الصحي، قال أحمد الجمل عنه: «التأمين الصحي لا يمثل لي سوى وسيلة لتجديد الإقامة ولا أستفيد منه»، بينما أكّد محمود إبراهيم، مهندس مصري يعمل في الكويت منذ ست سنوات، أن زيادات التأمين الصحي «مجرد شائعات، فمنذ وصولي إلى هنا وأنا أسمع هذه الشائعات»، كما أنّه يرى أن التأمين الصحي «جيّد ويغطي احتياجات الفرد».

وبعد أن كان متوسط استهلاكه البنزين ثلاث دينارات يوميًّا أصبح محمود إبراهيم المهندس المصري الذي يعمل في الكويت منذ ست سنوات، يُنفق متوسط 5.5 دينار يوميًّا، مع استخدامه نفس نوع البنزين (بنزين 95)، ما اضطره لاستخدام بنزين 92، لكن ذلك لم يشفع له كثيرًا، فما زال استهلاكه اليومي يزيد من أربعة دينارات كويتية.

لذلك فإن زيادة أسعار البنزين تمثل المشكلة الأكبر من وجهة نظر محمود إبراهيم، الذي أشار إلى أن السلع يُمكن التحثل عليها عبر جمعيات حكومية، مثل جمعية الشرطة، وجمعية الحرس الوطني، وبتخفيضات قد تصل إلى 15%، وفقًا له.

المعلمون حالة خاصة

وفي منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 2016، أصدر ديوان الخدمة المدنية بالكويت قرارًا بتعديل فئة بدل السكن لأعضاء الهيئة التعليمية غير الكويتيين بوزارة التربية والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، وذلك بغض النظر عن الحالة الاجتماعية، ليصبح البدل الشهري 60 دينارًا شهريًّا بدلاً من 150 دينارًا.

لذلك يُعتبر المعلمون أكثر المتضررين من القرارات التقشفية التي استهدفت الوافدين في الكويت مؤخرًا، وبخاصة بعد خفض قيمة بدل السكن، وكما أوضح عمر عبد الحميد، المعلم الذي يعمل في الكويت منذ سنوات، فإن الكثير من المعلمين الوافدين بالكويت اضطروا إلى إعادة أولادهم إلى بلادهم بشكل نهائي، لعدم القدرة على تحمل نفقاتهم، والبعض الآخر غيروا أماكن سكنهم إلى أُخرى أقل تكلفة.

عبدالحميد نفسه غيّر من كل عاداته في المعيشة لخفض نفقاته الشهرية، ومع هذا «من الصعب الادخار مع هذا الغلاء، ورغم أن لدي عمل إضافي»، كما قال.

الكويت والحالة الترامبية

حسين بوكبر، الكاتب الكويتي أشار إلى تردد تصريحات وصفها بـ«ذات النزعة العنصرية» ضد الوافدين، تتزعم كل التصريحات النائبة الوحيدة في مجلس الأمة الكويتي صفاء الهاشم. تتمثل هذه التصريحات في المطالبة بفرض مزيد من الرسوم على العمالة الأجنبية، بداية من الرسوم على الشوارع السريعة، مرورًا بالتأمين الصحي، انتهاءً برسوم الهواء!

يُمكن رؤية ملامح تصاعد حالة الاحتقان ضد الوافدين الأجانب، وربما «العنصرية»، في تخصيص وزير الصحة الكويتي مُستشفى للكويتيين فقط، وكذلك الحديث عن إلغاء إجازة الوضع للمعلمات غير الكويتيات.

هذا وتثير النائبة صفاء الهاشم، جدلًا واسعا في الكويت بتبنيها سياسة صارمة تجاه الوافدين، إذ سبق لها وأن قالت في تصريحات صحافية: «آن الأوان أن نقف ضد كل من يريد استقطاب الوافدين، ويجب أن نطرح اليوم الرسوم على الوافدين، وحالنا كحال الدول الخليجية، كما ينبغي أن يدفع الوافد ضريبة على سيره في الشوارع المحلية، وهذا الأمر مطبق في الدول الخليجية».

النائبة البرلمانية الكويتية الوحيدة في «مجلس الرجال» بتعبير «بي بي سي»، أثارت قلق الوافدين بشكل كبير، إذ يقول محمد عبد البر، وهو طبيب مصري يعمل في الكويت إن تصريحاتها «تنامٍ لنبرة تحميل الوافدين مسؤولية المشاكل الاقتصادية والخدمية التي تعاني منها الكويت».

ولم تكن صفاء الهاشم وحدها على الطريق المناهض للوافدين، إذ اقترح النائب فيصل الكندري قانونًا بفرض ضريبة التحويلات المالية الخارجية على الوافدين، وذلك بواقع 2% لما دون 100 دينار، و4% لما بين 100 و499 دينارًا، و5% لأكثر من 500 دينار.

تعليقات الفيسبوك