التقرير يتحدث عن استراتيجية الرئيس عبدالفتاح السيسي الاقتصادية، وخططه الاقتصادية .

عند وصول الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى مقعده الرئاسي، راجت تصورات عن إحيائه لنموذج التنمية الاقتصادي الناصري، أي تعزيز دور الدولة، وتقويض مراكز القوة الاقتصادية خلال فترة الرئيس المخلوع حُسني مبارك.

بيد أن هذه الصورة التي سعى السيسي لتسويقها لنفسه، سرعان ما تآكلت أمام واقع سياساته المالية، التي توسع عبرها في تنفيذ إجراءات التحرر الاقتصادي، والاستعانة بالمجموعة الاقتصادية من مدرسة النيوليبرالية التي سعت للترويج لسياسات جمال مبارك خلال نهاية فترة ولاية والده.

الخصخصة.. إعلان حكومي ودعم رئاسي

خلال الشهور الماضية، أعلنت الحكومة عن طرح حصص من الشركات والبنوك الحكومية «الناجحة» في البورصة المصرية خلال الفترة المقبلة، وهي الخطوة التي وجدت دعمًا من مؤسسة رئاسة الجمهورية التي باركتها ضمن ما أسمته «التنمية الاقتصادية» للنهوض بالاقتصاد المصري الذي يعيش واقعًا صعبًا.

EGYPT-VOTE-RESULTS

الخطوة التي وجدت دعمًا رئاسيًّا بدأت تكشف عن التحالفات الطبقية للنظام الجديد، الذي رسم صورة ذهنية لمواطن الطبقة المتوسطة، كما يبدو في السيسي، بصورة النظام الذي يستلهم مبادئ نظام دولة يوليو، معتبرة الرئيس الضامن الأول أمام أي إجراءات تسعى لتقويض المواطن المصري.

شركة مصر للتأمين التابعة للشركة القابضة ستكون أولى الشركات المطروح حصص منها خلال ثلاثة أشهر، والذي يدحض الفحص المالي لأرباحها مبررات الحكومة لخصخصتها لتفادي الخسارة لها، كون هذه الشركات عبئا على الموازنة.

حققت الشركة صافي أرباح قدره 880 مليون جنيه في العام المالي 2014/2015 بنمو قدره 35% عن العام السابق، فيما يصل رأسمالها إلى 2.25 مليار جنيه، باستثمارات 14.1 مليار جنيه.

وحصلت الشركة على تصنيف ائتمانى من مؤسسة A.M.Best نهاية ديسمبر الماضى عند «B++» جيد للملاءة المالية، و«BBB» لقدرتها الائتمانية مع نظرة مستقبلية مستقرة.

كذلك اندرجت سياسات الخصخصة لقطاع الصحة، حيث استحوذت شركة أبراج الإمارتية على مستشفيات كليوباترا والقاهرة التخصصي ومعامل المختبر والبرج، فضلاً عن تقدمها للاستحواذ على عدد آخر من المستشفيات والمعامل، وتخطيطها للتوسع في مشروعات المشاركة بين القطاعين العام والخاص .

تحرير الدعم.. إنهاء دور الدولة في تثبيت الأسعار

سعى نظام عبدالفتاح السيسي إلى إنهاء دور الدولة التاريخي في تثبيت الأسعار من خلال التحكم في أسعار سلع مؤثرة في المنتجات المختلفة مثل المواد البترولية.

تبدت سياسات النظام الاقتصادي في يوليو 2014 عقب فوز السيسي برئاسة الجمهورية، حيث أصدرت الحكومة قرارًا برفع أسعار المشتقات البترولية شملت رفع الحكومة لسعر بنزين 80 بزيادة تقترب من 80%، ورفع سعر السولار بزيادة 63%، ورفع سعر بنزين 92 بنسبة 40% أما بنزين 95 فقد رفعت الحكومة سعره بنسبة 7% فقط.

بالتزامن مع ذلك ألغت الحكومة دعم الغاز الطبيعي في موازنة العام المالي الماضي 2014/2015، لترفع سعره للسيارات بنسبة 175% ولمصانع الأسمنت والحديد والصلب بنسب تتراوح بين 30 و75%.

فيما كانت الخطوة التالية في القطاعات المختلفة، إذ أعلنت حكومة المهندس إبراهيم محلب المستقيلة أن رفع الدعم عن الكهرباء سيتم نهائيا خلال خمس سنوات، فيما أعلنت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، اعتزام الشركة المُضيّ في خطة تخفيض دعم خدمات المياه والصرف.

القروض الدولية.. الإجراءات القاسية والبرامج التقشفية

حصلت الحكومة المصرية، على قروض من المؤسسات الدولية وصل مجملها إلى نحو 3.2 مليار دولار أمريكي وذلك خلال العام 2015.

وتوزعت الجهات المقدمة للقروض بين البنك الدولي، الذي استحوذ على النسبة الأكبر من الأموال المقدمة للحكومة المصرية، بـ2.450 مليار دولار، والباقي بين بنك التنمية الإفريقي، والصندوق السعودي للتنمية.

ترتبط قروض المؤسسات الدولية بتعهد حكومي بإجراءات قاسية مثل تقليص الدعم وخفض الإنفاق على التعليم والصحة وخفض الاستثمار الحكومى وبيع مصانع القطاع العام بالإضافة إلى زيادة الضرائب على محدودى الدخل.

كما أظهرت الوثيقة المسربة لحصول مصر على الشريحة الأولى من قرض البنك الدولي الذي يبلغ قيمته ثلاثة ملايين دولار لاشتراطات تتعلق بهكيلة الدعم والأجور الحكومية، وتعهدات أمام البنك بخصخصة قطاع الطاقة بما يعني فتح أسواق الطاقة أمام القطاع الخاص: الكهرباء، الغاز الطبيعي، البترول.

هل السيسي ضد النخبة المالية في مصر؟

مع بداية عهد السيسي، لم تكن هناك استراتيجية مطروحة من قبل النظام في التعامل مع أوساط النخبة الرأسمالية المرتبطة بالسلطة، مما خلق مخاوف وتوجسات لمجموعات رجال الأعمال.

EGYPT-POLITICS-ECONOMY-CONFERENCE-SISIفي تصريح خاص لـ«ساسة بوست»، يقول هاني سري الدين، رئيس مكتب «سري الدين وشركاه» للاستشارات القانونية والمحاماة، والمستشار القانوني للتحالف الفائز بوضع المخطط العام لمشروع تنمية إقليم قناة السويس، إن «توجس رجال الأعمال في بداية تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي أمر طبيعي، كحال كافة فئات المجتمع، التي ترغب في معرفة السياسات وطبيعة العلاقة التي تجمعها مع السلطة الحاكمة.

لكن «سري الدين» يعتقد أن المخاوف سرعان ما تبددت مع تقديم الحكومة الحالية تسهيلات لرجال الأعمال لاستئناف المشاريع الاقتصادية، والإعلان الواضح عن سياسات الضرائب والطاقة وتوجهاتها الاقتصادية ساهم في تخفيف هذه الضبابية عن العلاقة بين الطرفين.

ففي 19 مايو 2015، أعلنت رئاسة مجلس الوزراء عن تأخير تطبيق ضريبة الأرباح الرأسمالية على توزيعات البورصة لمدة عامين بعد أن أعلنت وزارة المالية الشروع في تطبيقها وسط حالة غضب من النخبة المالية، والذي كان من المفترض توفير خمسة مليارات جنيه للدولة حسب تصريحات وزير المالية.

كما شملت قائمة القوانين تعديل بعض أحكام القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع، والتي كان أهمها ما يتعلق بالتحفظ والتصالح مع رموز الأنظمة السابقة.

وقبل أيام من انعقاد «المؤتمر الاقتصادي» في شرم الشيخ، وافقت المجموعة الاقتصادية في مجلس الوزراء على تخفيض وتوحيد الحد الأقصى للضريبة على الدخل من 25% إلى 22.5%، وإلغاء الضريبة الاستثنائية الإضافية، في مسعى منها لتشجيع الاستثمار.

وفي 12 مارس، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا بقانون يتضمن تعديلًا تشريعيًا على ثلاثة مواد في قانون اﻹجراءات الجنائية يمنع سقوط الدعوى الجنائية عن الموظف العام مختلس مال الدولة، وينظم تصالح الدولة مع المستثمرين في جرائم المال العام.

كذلك أصدر السيسي قرارًا بتعديل قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسؤولية المحدودة، الخميس، وقوانين الضريبة العامة على المبيعات وضمانات وحوافز الاستثمار والضريبة على الدخل، هي المسألة التي سهلت إجراءات تأسيس استثمارات جديدة في مصر.

كما سعت الدولة لتغيير صورة رجال الأعمال من خلال مرافقة رجال الأعمال للسيسي في كافة زياراته الرسمية (برلين، ونيويورك، والكويت، والصين)، بالإضافة إلى حديثه الأخير وتنظيم أكثر من مأدبة عشاء لهم، والحديث بشكلٍ دائم عما يُسميه «الدور الاجتماعي لرجال الأعمال في المجتمع».

رجال «النيوليبرالية» .. نخبة النظام لرسم السياسات المالية

هاني قدري دميان

وزير المالية الحالي، والذي احتل دورًا بارزًا في رسم السياسات المالية ذات الطابع النيوليبرالي، خلال فترة حسني مبارك الأخيرة، من خلال منصبه كمساعد لوزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي، الذي قاد تغييرات واسعة في السياسات المالية.

في تقرير لبنك أوف أميركا، رأى أن تعيين «قدري» في منصب وزير المالية يُعد أمرًا إيجابيًا؛ لأنه قاد في السابق المفاوضات مع الصندوق، بما يعني أنه داعم ومؤيد لمسألة الاقتراض من المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي.

يكشف كذلك حديث «قدري» عن مشكلات وأعباء نظام الدعم، عن المدرسة الاقتصادية التي أتى منها، وهي ما ظهرت تجلياتها في تقديرات ميزانية الدعم في الموازنة القادمة.

طارق عامر

Cairo Central Bank Chairman Tarek Amer Interviewمع صعود نجم مبارك الابن، ارتبط هذا الصعود ببروز طارق عامر الذي تمتع بعلاقة صداقة معه، وبرز كإحدى آليات التوسع في إجراءات التحرر الاقتصادي خلال توليه رئاسة البنك الأهلي المصري.

ارتبطت ولاية «عامر» برئاسة البنك الأهلي بتطبيق سياسة خصخصة بعض البنوك وخروج العاملين منها بنظام المعاش المبكر، واستعانته بمستشارين من خارج البنك الأهلي لا يزيدون كفاءة على من هم موجودين بداخله ويحصلون على مرتبات طائلة وقتها.

عاد «عامر» إلى مسرح الإدارة الاقتصادية للدولة بعد صدور قرار جمهوري من الرئيس عبد الفتاح السيسي، بتعيينه محافظًا للبنك المركزي بعد استقالة الدكتور هشام رامز، الذي كان قد تولى المنصب خلفًا للدكتور فاروق العقدة في 3 فبراير عام 2013، بقرار من الرئيس المعزول محمد مرسي.

سحر نصر

تعد سحر نصر من أبرز مروجي الاقتراض من المؤسسات الدولية، زاعمة في تصريحاتها أن برامج وتعهدات هذه المؤسسات لا تمس الاستقلال الوطني خلافًا لما هو موثق في سياسات هذه المؤسسات.

خلفية «نصر» العملية التي عملت في البنك الدولي لفترة تزيد عن 20 عامًا والغرفة التجارية الأمريكية، لعبت دورًا هامًا في مسألة القبول والترويج للقروض الدولية من المؤسسات المالية، التي انعكست على حجم القروض التي حصلت عليها مصر.

وتلعب وزارة التعاون الدولي دورًا كبيرًا في تعاملات مصر مع المؤسسات التمويلية الدولية، للحصول على القروض والمنح لتمويل المشروعات التنموية.

الجيش والقطاع الخاص .. من المنافسة إلى الشراكة

بالتزامن مع توسع المؤسسة العسكرية في تنفيذ المشروعات الاقتصادية، يبدو دومًا أثر ذلك على مزاحمة القطاع الخاص في مصر، وما إذا كان هذا التوسع مرتبطًا بإعادة تشكيل لنمط العلاقة بين رجال المال والمؤسسة العسكرية.

ALGERIA-EGYPT-DIPLOMACY-SISIهذا الافتراض انطلق من كون المؤسسة العسكرية تتمتع وما يتبعها من هيئات وشركات بالعديد من المزايا، التي تتعلق بطبيعة القوات المسلحة كمؤسسة من أهم مؤسسات الدولة، بما يجعل لها صلاحيات موسعة، ويضع تحت أيديها موارد مالية وبشرية وإدارية لا يمكن أن تتوفر لشركة خاصة.

بيد أنه على المدى البعيد، وجد الخبراء مسألة المزاحمة تتحول إلى شراكة باستجذاب الشركات كمقاول فرعي في هذه المشروعات الكبرى التي تتولى القوات المسلحة الإشراف إداريًا عليها، بجانب تركز أنشطة الجيش الاقتصادية في قطاع البنية الأساسية كالطرق والكباري والأنفاق، بينما لا نلحظ له وجودًا يذكر في قطاعات أخرى هامة ونشطة مثل الصناعات الثقيلة كالأسمنت والحديد والصلب والألومنيوم، أو في قطاعات خدمية كالسياحة والاتصالات والمواصلات.

في هذا الصدد، يقول عمرو إسماعيل، الباحث في مركز كارنيغي، إن «توسع دور القوات المسلحة الأخير لن يؤثر على جميع أحجام القطاع الخاص بشكل متساو، بل سيكون في الأغلب على حساب الشريحة العليا فحسب من الرأسمالية الكبيرة في مصر في قطاع الإنشاءات بصورة خاصة».

عرض التعليقات
تحميل المزيد