أثار رفض المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس» لطلب المجموعة العسكرية الحاكمة في مالي بتمديد المرحلة الانتقالية خمس سنوات، وتأجيل الانتخابات التي كان من المزمع عقدها في فبراير (شباط) 2022، غضب القيادة العسكرية في البلاد، وجاء قرار الرفض في دورة استثنائية مزدوجة لمؤتمر لرؤساء الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا (UEMA) ومجموعة «إيكواس» في العاصمة الغانية أكرا في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2022.

وكانت القيادة العسكرية، التي وصلت إلى السلطة في مالي عقب انقلاب عسكري في 18 أغسطس (آب) سنة 2020، قد اقترحت تمديد الفترة الانتقالية إلى خمس سنوات، لتردّ «إيكواس» بعقوبات سياسية واقتصادية قاسية، من بينها سحب سفراء المجموعة من مالي، وإغلاق الحدود ومنع دخول السلع إلى البلاد، عدا السلع الأساسية، بالإضافة إلى تجميد أموال مالي في البنك المركزي لدول غرب أفريقيا.

ومن شأن هذه العقوبات أن تؤثر بصورة فادحة على اقتصاد البلاد، خصوصًا أنّ مالي دولة حبيسة لا تملك إطلالة على البحر، كما أنّها تعتمد على كل من السنغال وكوت ديفوار في مبادلاتها التجارية، وبالتالي تشكّل هذه العقوبات ضغطًا سياسيًا واقتصاديًا على البلاد.

وفي المقال أعربت القيادة العسكرية في مالي رفضها هذه العقوبات وسحب سفرائها من دول مجموعة غرب أفريقيا احتجاجًا على قراراتها الأخيرة، وقالت إنّها «ستحتفظ لنفسها بحق مراجعة مشاركتها داخل هيئاتها».

هل تكشف عقوبات «إيكواس» عن تنافس روسي فرنسي في مالي؟

تأسست المجموعة الاقتصادية سنة 1975 باعتبارها تجمّعًا اقتصاديًا لتحقيق التكامل الاقتصادي، وإنشاء منطقة تبادل تجاري حرّ بين دول غرب أفريقيا، وتضمّ 15 دولة من بينها مالي، وسرعان ما توسّع نشاط المجموعة لتصبح أداة للضغط السياسي ضد الانقلابات العسكرية، والوصول إلى السلطة بطريقة غير مشروعة.

إذ تفرض المجموعة عقوبات على الأنظمة الانقلابية من خلال تجميد سنداتها في البنك المركزي لدول غرب أفريقيا، خصوصًا أن المجموعة تملك عُملة رسميّة موحّدة هي «الإيكو»؛ مما يشكّل أداة للنفوذ المصرفي لدى الدول الأعضاء، ناهيك عن وجود اتفاقية دفاع مشترك بين أعضائها؛ مما يسمح للأعضاء بالتدخل العسكري في حالة حدوث أزمات أمنية لدى أحد بلدان المجموعة، وهو ما حدث بالفعل حين تدخّلت نيجيريا (أكبر الدول نفوذًا في المجموعة) في سيراليون بعد الانقلاب الذي حدث سنة 1997.

العقيد عصيمي جويتا قائد الجيش المالي

وفرضت «إيكواس» حزمة من العقوبات بعد عزم القيادة العسكرية الحاكمة في البلاد تمديد الفترة الانتقالية إلى خمس سنوات بعد التزامها السابق بإجراء انتخابات في فبراير 2022، هذا بالإضافة إلى استعانة مالي بقوّات روسية متمثلة في مجموعة «فاجنر» أثناء حربها ضد الجماعات المسلّحة في شمال البلاد، وهو ما أثار حفيظة فرنسا، التي تملك قواعد عسكرية داخل البلاد.

وتُتّهم المنظمة بتسليط العقوبات الاقتصادية والسياسية بصورة غير عادلة لأهداف مرتبطة بالمصالح الأجنبية؛ خصوصًا وأنّ «إيكواس» لم تفرض ذات العقوبات على غينيا التي شهدت انقلابًا في سبتمبر (أيلول) 2021؛ إذ تشير بعض الأصوات المعارضة إلى النفوذ الفرنسي القويّ داخل أروقة «إيكواس»؛ ممّا يؤثر على استقلالية قرارها.

وقد انتقد المعارض السنغالي عثمان سونكو العقوبات التي فرضتها «إيكواس» على بامكو، واعتبرها انتهاكًا لسيادة دولة مستقلة، كما اتهم المجموعة بالكيل بمكياليْن تجاه الرؤساء من أعضاء المجموعة الذين انتهكوا الدساتير من خلال الترشح لأكثر من عهدتيْن، دون أن تفرض عليهم المجموعة أيّة عقوبة، كما اتّهم «إيكواس» بخدمة أجندة فرنسية في المنطقة.

Embed from Getty Images

قوّات فرنسية في عملية «برخان» بالساحل الأفريقي في بامكو

وفي هذا السياق ألمح البيان الصادر من طرف القيادة العسكرية في بامكو، ردًا على قرار مجموعة غرب أفريقيا، إلى التأثير الأجنبي (في إشارة إلى فرنسا) في صياغة قرار العقوبات، وجاء فيه: «تتأسف حكومة بامكو لأن المنظمات الإقليمية الفرعية في غرب أفريقيا يجري استغلالها من طرف قوى خارج إقليمية، لدوافع خفية».

وتخفي الأزمة الأخيرة بين مجموعة «إيكواس» والطغمة العسكرية الحاكمة في بامكو، صراعًا دوليًا للنفوذ بين فرنسا وروسيا في منطقة الساحل الأفريقي؛ فالمنطقة التي كانت إلى وقت قريب حكرًا على النفوذ الفرنسي بفضل عامل اللغة والتاريخ الاستعماري، شهدت تحوّلات منذ انقلاب آسيمي جويتا في أغسطس 2020 على الرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا.

إذ أعلنت فرنسا عن انسحابها من التحالف الإقليمي ضد الإرهاب «برخان» وسحب قواتها من مالي التي تواجدت بها عسكريًا منذ سنة 2012، وكان رئيس الوزراء المالي شوغويل قد اتهم فرنسا بتدريب جماعات إرهابية في بلاده في حوار مع وكالة «نوفوستي» الروسية، وقال إن الجماعات الإرهابية التي تنشط في شمال مالي قد جاءت من ليبيا، بعد أن دمّرتها فرنسا وحلفاؤها في حلف الناتو.

وقد جاءت هذه التصريحات لتوضح مدى تأزّم العلاقة بين القيادة النظام الجديد في بامكو والحليف الفرنسي التاريخي؛ وهو ما يمثّل تغيّرًا في التحالفات الاستراتيجية في منطقة الساحل الأفريقي التي تسعى روسيا إلى زيادة نفوذها بها بصورة أوسع.

إذ أضحت قوّات «فاجنر» الروسية متواجدة في كل من موزمبيق، والسودان، وليبيا، ومالي، بالإضافة إلى بعض التقارير التي تتحدث عن وجودها أيضًا في أنجولا، وغينيا، وزيمبابوي، وفي المقابل فتح فشل فرنسا في عمليات مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل، وكثرة الضحايا المدنيين الذين سقطوا برصاص فرنسي، الباب للعسكريين الماليين نحو الاستعانة بالقوّات الروسية، في ظل المشاعر العدائية تجاه القوات الفرنسية في بامكو، والتي عبرت عنها المظاهرات التي خرجت مطالبةً بطرد القوات الفرنسية من البلاد.

ما خيارات مالي للخروج من «حصار» مجموعة «إيكواس»؟

من أجل فكّ الخناق الذي فرضته مجموعة «إيكواس» على بامكو، سعى رئيس الوزراء تشوجيل مايجا لإجراء لقاءات مع سفراء أجانب من أجل الحصول على دعم دبلوماسي لبلاده، وقد أبدت مجموعة من البلدان تضامنها مع بامكو جراء العقوبات التي فُرضت عليها من «إيكواس».

إذ التقى رئيس الوزراء المالي السفير القطري الذي عبّر عن تضامن بلاده مع بامكو، كما قام بدعوته للمشاركة في منتدى الدوحة الاقتصادي المزمع عقده في مارس (آذار) 2022، بالإضافة إلى لقائه بسفير الصين الذي عبّر عن دعم بلاده لبامكو.

وكانت كل من روسيا والصين قد وقفتا في وجه مشروع قرار من طرف مجلس الأمن الدولي يساند عقوبات دول غرب أفريقيا على بامكو؛ وهو ما شكّل دعمًا دوليًا قويًا للمجموعة العسكرية الحاكمة في وجه فرنسا والمجتمع الدولي المؤيّد للعقوبات.

Embed from Getty Images

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون رفقة وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب خلال زيارته إلى الجزائر في يناير الماضي 2022  

وكانت بامكو قد استعانت بمجموعة «فاجنر» الروسية على أراضيها، في ترجمة عملية لتزايد النفوذ الروسي المزاحم لفرنسا في البلاد، في الوقت الذي ندّدت فيه 15 دولة غربية من بينها فرنسا، بما سمّتها استعانة بامكو بقوات مرتزقة؛ فيما نفت بامكو وجود مقاتلين روس على أراضيها، بل مجرّد مدرّبين عسكريين فحسب.

وفي غضون هذا دخلت الجزائر على خطّ الوساطة بين كل من بامكو ومجموعة «إيكواس» من أجل الوصول إلى حل وسط بين طرفين، خصوصًا أن «إيكواس» طلبت من كل من الجزائر وموريتانيا الالتزام بتطبيق نفس العقوبات التي فترضتها على مالي، باعتبارها دولاً حدودية معها.

ومن جانبها رفضت الجزائر معاقبة بامكو، وفضّلت الالتزام بالوساطة، حسبما جاء في بيان الرئاسة الجزائرية: «الجزائر تعرب عن تمام استعدادها لمرافقة نشيطة لجمهورية مالي والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على درب التفاهم المتبادل حول رؤية تضامنية تصون المصالح العليا للشعب المالي الشقيق».

وتلخصت أطروحة الجزائر التي عرضها الرئيس تبون خلال استقباله وفدًا من بامكو، في المطالبة بفترة انتقالية تدوم بين سنة و16 شهرًا اعتبرتها «معقولة» وحلّاً وسطًا بين مجموعة «إيكواس» التي تطالب بانتخابات في فبراير 2022، والقيادة العسكرية الحاكمة بزعامة عصيمي جويتا التي اقترحت مرحلة انتقالية تدوم خمس سنوات.

وقد تعوّل بامكو على الجزائر من أجل فك «الحصار» الذي فرضته دول غرب أفريقيا عليها، خصوصًا أن الجزائر كانت من بين أولى الدول التي فتحت قنوات تواصل مع القيادة العسكرية المالية إثر الانقلاب العسكري في أغسطس 2020، إذ زار وزير الخارجية الجزائري بوقادوم العاصمة المالية بامكو في سبتمبر 2020، فيما زار وزير الخارجية المالي عبد الله ديوب الجزائر في السادس من يناير 2022، قبل أيام قليلة من قرار مجموعة غرب أفريقيا، واتفق مع الجزائريين على التنسيق في ملف مكافحة الارهاب.

وفي هذا السياق أبدت الجزائر استعدادها أكثر من المرّة للتواجد بصورة أوسع في منطقة الساحل، ولوحت بالتدخّل العسكري لمكافحة «الإرهاب»، ويذكر أن كلًا من الجزائر ومالي تملكان علاقات مميزة مع روسيا التي تُبدي رغبة أكبر في دعم النظام العسكري في بامكو، وترفض، رفقة الصين، أي عقوبات اقتصادية مفروضة على النظام المالي.

ويُرجّح أن تستجيب بامكو إلى المبادرة الجزائرية التي تنصّ على تقليص المرحلة الانتقالية إلى فترة تترواح بين سنة و16 شهرًا، باعتبارها اقتراحًا وسطًا بين رغبة القيادة العسكرية في التمديد مدة خمس سنوات، ورغبة مجموعة غرب أفريقيا في إجراء انتخابات الشهر القادم؛ وبالتالي فإن الضغوط الفرنسية والغربية المستمرّة من أجل إقامة الانتخابات في موعدها، والمؤيدة للعقوبات، بالإضافة إلى نشاط الجماعات المسلّحة في شمال البلاد، قد يؤثّر على خطّة المجموعة العسكرية الحاكمة، ويجعلها تقصّر من مدّة المرحلة الانتقالية.

المصادر

تحميل المزيد