من جديد أرى المدينة محمومة تحتفل

تختنق بحرارة الشمس والبهجة

ووسط الموسيقى أسمع الضحكات والصراخ

تنفجر وتتواثب من حولي

وأضيع وسط هؤلاء القوم المرحين

شاعرة بالدوار والارتباك

أقف هناك.

 

الفتاة الصغيرة تنشأ غريبة عن أمها التي تركتها وحيدة، لم تترك لها شيئًا غير صوت قوي يملأ صدرها رغم جسدها الهزيل. والأب «المهرج» يجول في الطرقات يبحث عن حياته بعيدًا عن فتاته الصغيرة. والجدة للأم؛ المرأة العجوز تدير عملها من الدعارة تحتوي حفيدتها بين ذراعيها وتمنحها هي والفتيات الداعرات حنانًا لم تجده بين أبيها وأمها.

هكذا نشأت أسطورة فرنسا إديث بياف في شوراعها المزدحمة، تحمل معها منذ طفولتها الألم وفقدان البصر لتشفى منه بمرور الوقت بمعجزة ويبقى لها الألم يعيشها سنوات عمرها القليلة.

 

«العصفورة الصغيرة» تجول في شوارع باريس لمقابلة القدر

 

إديث جيوفانا غاسيون ولدت في 19 من ديسمبر لعام 1915 في باريس، يُقال أنها حملت اسم إديث تيمنًا بممرضة فرنسية تم إعدامها على أيد القوات النازية لمساعدتها الجنود الفرنسيين إبان الحرب العالمية الأولى. كانت تجول على الملاهي والشوارع تغني وتقدم العروض إلى جانب والدها. أدركت إديث أن الغناء هو طريقها في الحياة لحماية نفسها وكسب رزقها، فصارت تحترفه يومًا بعد يوم لتدهش كل من يسمعها؛ كيف يخرج كل هذا الصوت القوي من هذا الجسد النحيل والقلب المنكسر!

الشابة الصغيرة تعيش في شوارع باريس، تتنقل بين الحارات القذرة، المخمورين والسكارى، القوادين لتبحث عن ملاذها فتقع في حب رجل يتركها بعد أن أنجبت منه طفلة تموت في عامها الثاني بسبب انشغال والدتها عنها، فتلجأ العصفورة الصغيرة لإدمان الكحول لتنسى آلامها من جديد.

«العصفورة الصغيرة La Môme Piaf»؛ الاسم الذي غير مجرى حياتها والقدر الذي كانت تنتظره طويلًا. منحه لها أحد ملاك الملاهي الكبيرة لويس ليبليه الذي رأى في صوتها سحرًا فريدًا، فصار مرشدها وأستاذها وصار يعلمها قواعد الغناء والوقوف على المسرح واختار لها الفستان الأسود ليكون علامتها المميزة في الحياة. ويسطع نجمها وتبدأ في تسجيل أول أغانيها Les Momes de la Cloche.

 

عندما يجذبني بين ذراعيه

ويحدثني بنعومة

أرى الحياة باللون الوردي

 

يقول لي كلمات عن الحب

كلمات من كل الأيام

وهذا يجعلني شيء ما

 

 

https://soundcloud.com/bflower-1/edith-piaf-la-vie-en-rose-la

 

الحياة ليست اللون الوردي فقط

 

في الوقت الذي شعرت فيه إديث بالأمان لحلمها الذي اقترب كثيرًا، عثرت الشرطة على لويس ليبليه مقتولًا في شقته للتوجه إليها الأنظار ويتم اتهامها بالقتل إلا أن الاتهامات تنتهي سريعًا وتشعر إديث أن اسمها فقد كثيرًا من وزنه وهي في حاجة لإعادة البريق إلى نفسها من جديد. لتبدأ إديث برحلة من التعاون بين الفنانين والمنتجين، وعلى رأسهم ريمون آسو، الشاعر ورجل الأعمال الذي كان معجبًا بإديث، فصار مديرًا لأعمالها ليرسم لها طريقًا جديدًا بعيدًا عن الماضي السيء السمعة. وتعد الفترة 1937 فترة النشاط الكبير لها فتم إنتاج عدد كبير من الأغاني ذات الشهرة التي وضعت إديث كنجمة جديدة على الساحة الموسيقية في فرنسا.

بعد فترة اختفى ريمون آسو من المشهد لاستدعائه للخدمة العسكرية لتتحول إديث في مسار جديد وشراكات جديدة متنوعة لم تدم طويلًا، تحقق النجاح الكبير ولكنها لا تعرف الاستقرار. وخلال هذه الفترة نشأت علاقة قوية مع مغني البوب إيف مونتان الذي دعمته كثيرًا ووضعته تحت وصايتها ليصبح من أشهر مغني البوب الفرنسيين حتى قطعت علاقتها به عندما شعرت أنَّهُ يخطف منها الأضواء.

 

الحب لا يعرف السكون في حياة العصفورة الصغيرة

 

أنا ابنتك الصغيرة والحزينة جدًا التي تكتب لك، والتي لم تعد تحمل الكثير من الشجاعة. أنت تعرف يا جاكو، أنا خائبة، أنا خائبة إلى أقصى درجة، كنت أظن أن سيردان يحبني فوق كل اعتبار، وأكثر من كل شيء في حياته، ولكن تبين لي أنني لست سوى عشيقته وهذا كل ما أمثله له.

 

هذه الكلمات كتبتها إديث لصديقها ومدير أعمالها جاك بورغا، تشكو فيها علاقتها بالملاكم الفرنسي مارسيل سيردان. كان مارسيل ملاكما مشهورا، متزوج وله أطفال في الولايات المتحدة، وكان يأتي لمقابلة أديث في باريس. أحبته هي حبًا جنونيًا جعلها تقبل أن تكون عشيقته في الخفاء، ولكن القدر لم يمنحها سلامًا في ذلك، ففى عام 1949 وفي أثناء رحلته بالطائرة إلى فرنسا تحطمت الطائرة ليموت سيردان، وتشعر إديث بالندم والذنب. كتبت بالمشاركة مع مونو أغنية أهدتها لحبها الوحيد سيردان وهي أغنية: L’Hymne à l’Amour.

 

إذا يومًا ما جعلتك الحياة تبكي مني

إذا متُ وكنت بعيدًا عني

لا يهمني إن كنت تحبني لأنني سوف أموت أيضًا

سوف تكون الأبدية لنا

في اتساع الأزرق

في السماء لا يوجد ألم

حبيبي؛ هل تظن أننا نحب بعضنا؟

لأن الله يجمع من يحبون بعضهم

 

 

الصوت الساحر يحيا مأساته التي لا تنتهي

 

إديث تبحث عن الحب، مسيرة حياتها المفعمة بالألم، يموت الحبيب فتبحث عن حب جديد يعيد الحياة إلى قلبها. في 1951، التقت بياف بالمغني الشاب تشرلز أزنافور وتنشأ بينهما صداقة قوية، تدعمه في طريقه الفني إلا أن صداقتهما تنتهي بحادثة سيارة أصيبت خلالها إصابات بالغة وخرجت منها مدمنة على المورفين.

بطل سباق الدراجات الفرنسي لويس جيراردان الشهير بتوتو؛ حبيبها السري المتزوج والذي يصر على أن تكون علاقتهما في الخفاء، وهي تنتظره بلا ملل حتى تفاجيء الجميع بزواجها من المغني جاك بيلز التي دعمته أيضًا كثيرًا، وحاول أن يخلصها من الإدمان دون جدوى لتنفصل عنه عام 1955. وتصاب بنوبة من الهذيان الارتعاشي ألزمها المستشفى. من جديد تلتقي بشاب يوناني يعمل في تزيين الشعر ويريد أن يصبح مغنيًا، تدعمه وتقف إلى جانبه، تحبه وتتزوجه، لتندم بعد ذلك وتخبر الجميع بندمها حيث أنها كانت تشعر أنها أمه وكان من الخطأن أن تتزوج شاب تكبره بـ 20 عامًا.

وللمرة الثانية تتعرض إديث لحادثة سيارة عام 1959 وتُصاب في وجهها إصابة كبيرة، يتراكم الشعور بالألم والمعاناة في صدر إديث حتى يتفاجأ الجمهور بها تتقيًا دمًا على مسرح بنيويورك أثناء غنائها عام 1960.

 

كثرة الألم تمحو الشعور بالندم أحيانًا

 

 

كلّه مضى.. انقضى ..نُسي

لا أبالي بالماضي

مع ذكرياتي أوقدتُ النار

أحزاني، سعاداتي لم أعد أحتاجهم

رحلوا عشاقي مع زغرداتهم

رحلوا للأبد وأعود إلى الصفر

 

 

 

تعود من جديد إديث بياف لتسجل أغنيتها الأسطورية (لا أندم على شيء)، وتصبح نجاحًا دوليًا وتصبح من الكلاسيكيات. لم يمض وقت طويل حتى أصيبت إديث بالسرطان في آخر أيام حياتها، وتقضي أيامها الأخيرة في صحبة الألم الذي لم يفارقها ووحدتها وسحرها الذي بقى مسجلًا في التاريخ. ليتحول خبر وفاتها إلى صاعقة تنزل بعشاقها وتتوقف حركة المرور في جنازتها وفي وداعها الأخير. وترحل في 10 من أكتوبر لعام 1963 عن عمر يناهز الـ47

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد