كثيرةٌ هي الصور التي يظهر فيها رئيس الوزراء الفرنسي المستقيل، إدوارد فيليب، بقامته الفارعة (1.94م) كالحارس الأمين خلف الرئيس إيمانويل ماكرون (1.77م)، الذي خدمه بإخلاصٍ منذ شغل منصب رئيس حكومته في عام 2017، مرافقًا إياه منذ اليوم الأول لتنصيبه رئيسًا، مرورًا بكل المحطات الصعبة التي واجهها، حتى أن أجزاء من لحيته تحوَّلت فجأة إلى اللون الأبيض، تحت وطأة الأزمات المتوالية.

هذا الولاء ظل فيليب شخصيًا يؤكده كلما سنحت الفرصة، وكان آخرها عندما سُئِل عن علاقته بالرئيس، خلال مؤتمر صحافي الشهر الماضي، فأجاب: «تتسم هذه العلاقة بالكثير من الثقة والمرونة، على نحوٍ نادر وغير مسبوق. لا يزال الأمر كذلك حتى الآن، وآمل أن يظل هكذا دائمًا».

Embed from Getty Images

لكن هذه العلاقة الودية ربما لن تستمر طويلًا، بعد قبول استقالة فيليب من رئاسة الحكومة، بحسب بيان أصدرته عن الرئاسة الفرنسية أمس الجمعة، والاختيار السريع للعمدة جان كاستكس، من يمين الوسط، ليرأس الحكومة المعدلة.

هل كانت استقالة فيليب مسارًا متوقعًا؟

كان هذا المسار متوقعًا؛ فالتخلي عن رئيس الوزراء «المعيَّن»، في محاولةٍ لتغيير أوراق اللعبة المتأزّمة، يتماشى مع تقاليد الجمهورية الخامسة في فرنسا، إذ أقدم كل رؤساء فرنسا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، باستثناء نيكولا ساركوزي، على تغيير رؤساء وزرائهم بعدما تعرضوا لأزمات كبرى في محاولة لفتح صفحة جديدة مع الجمهور.

وبتنحية حسابات المشاعر جانبًا، يتضح أن تغيير الحكومة يعد خطوة منطقية سياسيًا بالنسبة لماكرون؛ الذي يحتاج إلى ضخ دماء جديدة في شرايين الحكومة بدلًا من الأشخاص الذين انتهت صلاحيتهم، مثل وزير الداخلية، كريستوف كاستانر.

الاختيار السهل: رئيس الوزراء «المعيَّن» أم عمدة لوهافر «المنتخب»؟

استقالة فيليب كانت أيضًا منطقية، إذ إنه لن يرحل إلى الظلال، بل سيشغل منصب عمدة لوهافر، مسقط رأسه، بعد فوزه في الانتخابات المحلية الأخيرة مستقلًا، وليس مرشحًا على قائمة حزب «الجمهورية إلى الأمام» الذي أسسه ماكرون.

وسيناريو الانتقال من منصب رئيس الوزراء «المُعَيَّن» إلى العمدة «المنتخب» طرحه فيليب نفسه خلال مقابلة مع صحيفة «باريس نورماندي» مطلع شهر يونيو (حزيران)، حين قال: «إذا كان (ماكرون) يعتقد أن شخصًا آخر سيكون أكثر فائدة باعتباره رئيسًا للوزراء؛ فسوف أظهر ولائي التام باحترامي اختياره».

واستدرك: «أما إذا اختارني الناخبون (لم تكن الجولة الثانية من انتخابات المحليات عقدت بعد)؛ فسوف أعود إلى لوهافر، على أبعد تقدير في مايو (أيار) 2022، وربما قبل ذلك بكثير».

هل يصبح فيليب أخطر منافس لماكرون؟

ربما يكون هذا هو السيناريو الأكثر إزعاجًا للرئيس الفرنسي، خاصة وأن إرهاصاته في الواقع سبقت استطلاع الرأي الأخير، بل وفوز فيليب في المحليات، وانتهاء باستقالته تمهيدًا للعودة إلى مسقط رأسه ليصبح عمدتها بقرار من الشعب.

حين خسر ماكرون أغلبيته المطلقة في الجمعية الوطنية (البرلمان الفرنسي) خلال الجائحة، نتيجة انفصال 17 نائبًا لتشكيل مجموعتهم البرلمانية الخاصة تحت شعار «بيئة- ديمقراطية- تضامن»، ثارت تكهنات حول تعاطفهم مع فيليب، الذي نأى بنفسه عن هذا الانشقاق.

لكن كل هذه الأضواء المسلطة على فيليب في حد ذاتها تُشعِر الرئيس بالتهديد، خاصة وأن بعض من كانوا يؤيدون ماكرون في السابق أصبحوا ينظرون اليوم إلى فيليب باعتباره مرشحهم المفضل المحتمل في انتخابات 2022، التي تشغل بال ساكن قصر الإليزيه من الآن.

ماذا وراء صعود نجم فيليب وتراجع شعبية ماكرون؟

الحديث عن المنافسة على مقعد الرئاسة، يدفعنا إلى التنقيب أكثر عما وراء ارتفاع أسهم فيليب، وتراجع شعبية ماكرون، وكلاهما كان في القارب ذاته في مواجهة الجائحة. كيف تغيرت حظوظ الرجلين، في بلدٍ لطالما كان يُنظر إلى رؤساء الوزراء فيه باعتبارهم درعًا يحمي الرئيس؟

Embed from Getty Images

 التغطية الإخبارية المحمومة على مدار الساعة، وتصدُّر الرئيس في كل قضية سياسية تقريبًا، جعل ماكرون، وليس فيليب، هو الذي يتحمل – في نظر الجمهور – العبء الأكبر عن الإخفاقات التي شهدتها فرنسا خلال السنوات الثلاث التي خلت، بينما ذهب الفضل إلى رئيس الوزراء في كل موقفٍ أحسن إدارته.

لكن هذا ليس كل شيء، فحين نتعمَّق أكثر في نتائج الاستطلاع الذي أجراه المعهد الفرنسي للرأي العام (IFOP) أواخر شهر مايو الفائت؛ سنجد المزيد من التفاصيل خلف الأرقام التي أظهرت ارتفاع شعبية فيليب وتراجع تأييد ماكرون.

كانت السمتان الرئيسيتان اللتان حفرتا لفيليب مكانة في قلوب غالبية الفرنسيين هما: الشجاعة والديناميكية، في مقابل سمتين لازمتا ماكرون وجعلتا كثيرين ينفضون من حوله، وهما: الغطرسة والاستبداد، من وجهة نظر الفرنسيين الذين جرى عليهم الاستطلاع.

وبينما تقدَّم ماكرون بـ25 نقطة مئوية على مقياس الغطرسة، تجاوزه فيليب بـ13 نقطة على مقياس الصدق. ما يجعل الجميع يسأل عن فرصة «المتغطرس» إذا قُدِّر له أن ينازِل «الصادق» في منافسةٍ يمتلك فيها الشعب القرار؟

يمينيّ ويساريّ.. التعاون لا يعني تطابق توجهات فيليب وماكرون

عمل فيليب لفترة مساعدًا لرئيس الوزراء المحافظ السابق، آلان جوبيه، ثم انسحب من حزب «الجمهوريون» اليمينيّ عندما عيّنه ماكرون لرئاسة الوزراء، لكنه رفض الانضمام إلى حزب الرئيس «الجمهورية إلى الأمام».

وعلى الرغم من أن فيليب لا ينتمي الآن إلى حزب بعينه، فإن ولاءه لا يزال لليمين؛ حسبما يعلن هو شخصيًا، بينما جاء ماكرون من يسار الوسط، حتى لو كان يبرز نفسه دائمًا بوصفه متجاوزًا لـ«ثنائية اليسار واليمين».

والتعاون بين رجلين من هذا الطراز ولو استمر لسنواتٍ لا يعني أنهما يتطابقان في المواقف السياسية، فتعيين فيليب في المقام الأول كان لقيادة حكومةٍ تجمع طيفًا واسعًا من الاشتراكيين والجمهوريين ومؤيدي الوسط والقادمين الجدد إلى الساحة السياسية.

Embed from Getty Images

وإلى جانب رغبة ماكرون في إحداث قطيعة مع الانقسام التقليدي بين اليسار واليمين؛ كان يطمح باختيار فيليب لجذب القاعدة السياسية ليمين الوسط، وحشد الدعم لرئاسته في البرلمان، وإضعاف معارضيه على طرفي الطيف السياسي، وتعزيز حركته السياسية الناشئة داخل الحكومة.

لكن حين يوشك القارب على الغرق، تتمايز الصفوف؛ ولا أدلّ على ذلك من أن «الفصيل الماكرونيّ» القادم من اليسار الاشتراكي يلوم فيليب الآن على اتخاذ بعض التدابير – مثل سن ضريبة الكربون – التي عجلت بإشعال فتيل مظاهرات «السترات الصفراء» في عامي 2018 و2019.

ولذلك أراد أنصار ماكرون، ذوو الميول اليسارية، أن يتبنى الرئيس المزيد من السياسات الاجتماعية والبيئية بعد أن تضع الجائحة أوزارها – وهو ما بدأ في تطبيقه بالفعل – وشجعوه في سبيل تحقيق ذلك على إزاحة فيليب واختيار شخصية بديلة تضع هذه الأجندة على رأس أولوياتها.

«معضلة فيليب»: تعديل الحكومة لا ينهي «صداع» ماكرون

باستقالة فيليب، لم يكن ماكرون بحاجة إلى المادة الثامنة من الدستور الفرنسي التي تمنحه الحق في تعيين رئيس الوزراء، وأعضاء الحكومة المقترحين، وتتيح له أيضًا عزل الوزراء وحتى رئيس الحكومة.

لكن ماكرون في هذا الموقف يواجه ما يمكن تسميته «معضلة فيليب»؛ كما وصفها أنطونيو باروسو، المدير الإداري لشركة «تينيو» للأبحاث؛ لأن التخلص منه – ولو بطريقة ودية كما يبدو على الأقل حتى الآن – محفوف بالمخاطر، وإبقاءه في منصبه، كان سيمثل أيضًا مشكلة؛ لأن شعبيته ستبقى شبحًا يطارد ماكرون، كما يقول مجتبى رحمن، المدير الإداري في مجموعة «أوراسيا» البحثية.

وهذا في الواقع ليس بِدْعًا من السياسة الفرنسية، فقد أخبر ساركوزي ماكرون مؤخرًا بأن «رئيس الوزراء سيكرهك بعد ستة أشهر من تعيينه. فإذا أقلته؛ سيكرهك أكثر. وإذا عينتَ رئيس وزراء جديد؛ سيكرهك أيضًا خلال ستة أشهر أيضًا». هذه هي اللعنة التي ستظل تطارد ماكرون خلال الفترة المتبقية من رئاسته.

Embed from Getty Images

ومعضلة فيليب في الواقع تنذر بتبعات سياسية قد تترتب على رحيله عن الحكومة: فزيادة شعبيته خلال فترة الجائحة، وإن كانت تسلط الضوء على تراجع تأييد الرئيس، إلا أنها في الوقت ذاته منحت زخمًا شعبيًا لإدارة ماكرون، هي في أشد الحاجة إليه.

وخروج فيليب من الحكومة الآن، ليشغل منصب عمدة لوهافر، قد يجعله منافسًا قويًا لماكرون في الاستحقاق الرئاسي القادم عام 2022، خاصة إذا لم يثبت رئيس الوزراء الجديد كفاءته سريعًا، حسبما أشار نيكولا بوزو، الاقتصادي في شركة «Asterès» الاستشارية.

«لعنة بروتوس».. هل سيتجرع ماكرون الكأس الذي سقى منه فرانسوا أولاند؟

ما الذي يمكن أن يحققه فيليب الذي نجح في اختبار الرأي العام مرتين، مرة في استطلاعات الرأي العام ثم في الانتخابات المحلية، بعدما خرج من عباءة الرئيس؟ ماكرون شخصيًا خير من يعرف إجابة هذا السؤال.

فماكرون، هذا الشاب الصاعد بسرعة الصاروخ «من الظل إلى الرئاسة»، كما يرصد كتاب آن فولدا الذي يحمل العنوان ذاته، يلقب في أوساط الحزب الاشتراكي بـ«بروتوس جديد»؛ لأنه بترشحه للرئاسة «خدع» الرئيس فرانسوا أولاند، الذي عيَّنه وزيرًا للاقتصاد في 2014.

فقد دخل ماكرون قصر الإليزيه في 2012 مستشارًا، وقبل أن يغرق قارب راعيه السياسي، فرانسوا أولاند، قرر مغادرة الحكومة في أغسطس (آب) 2016، سعيًا وراء مقعد الرئاسة، دون أن يأبه بتداعيات ترشُّحِه ضد رئيسٍ قدَّم له كل الدعم والمساندة، السيناريو نفسه، الذي يبدو أنه يتكرر الآن، مع اختلاف اللاعبين!

«أنا الرئيس».. هل يصمد النمط الرئاسي الذي فرضه ماكرون مبكرًا؟

يعيننا على الإبحار في خضم هذه السيناريوهات التي طرحها التقرير؛ أن نسبر غور عقلية ماكرون أكثر، وفي سبيل ذلك نختم بمشهدٍ مبكر استحق وصف «الاختبار المبكر لحماسة الرئيس الفرنسي المنتخب حديثًا والنمط الرئاسيّ القاسي» الذي يتبعه.

دولي

منذ 5 شهور
ما الذي تعنيه هزيمة ماكرون في المحليات أمام اليسار؟

ففي جلسة استماع برلمانية مغلقة، انتقد رئيس أركان الجيش الفرنسي السابق، الجنرال بيير دو فيلييه، خطط الرئيس ماكرون لخفض الإنفاق الدفاعي، قائلًا بأنه لن يسمح للحكومة بأن «تعبث» معه، وحدث أن تسرّبت التصريحات في وقت لاحق إلى الإعلام، وقالت بعض التقارير إن الجنرال استخدم لفظًا نابيًا.

كان هذا اختبارًا مبكرًا لمدى سيطرة الشاب القادم من الهامش إلى قلب المشهد، ولذلك لم يفوِّت فرصة إدلائه بخطابٍ أمام القوات المسلحة، وانتقد موقف الجنرال دو فيلييه، قائلًا: «لا أعتقد أنه من المُشرّف إخراج بعض النقاشات إلى الملأ».

لكن ذلك لم يكن كافيًا على ما يبدو، فبعد ثلاثة أيام من هذا الموقف، قال ماكرون لصحيفة «لو جورنال دو ديمونش»: «ليس أمام رئيس الأركان سوى الموافقة على ما أقول»، مذكرًا بأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، مضيفًا: «إذا وقع خلاف بين رئيس أركان الجيش والرئيس؛ يذهب رئيس الأركان».

وبعدما أوضح ماكرون أنه «لن يتهاون مع المعارضة العلنية من قبل الجيش»، قدم رئيس الأركان استقالته للرئيس الفرنسي، وسرعان ما أعلن المتحدث باسم الحكومة الفرنسية كريستوف كاستانير تعيين رئيس أركان جديد خلال 24 ساعة، في رسالةٍ واضحة أن الرئيس باقٍ أيًا كانت التضحيات.

رحل دو فيلييه بالأمس؛ لأنه خالف قائده، ويرحل فيليب اليوم؛ لأن شعبيته تجاوزت رئيسه. لكن المشهدان مختلفان تمام الاختلاف، فالموقف حاليا، يحضر فيه الشعب، القادر على قلب موازين الكثير من الحسابات السياسية.

صحيحٌ أن فيليب ليس جنرالا، برتبة رئيس أركان؛ لكنه أربعينيُّ مسلَّح بأصوات الجمهور، ويتقن ضبط النفس ويعرف أسرار القتال، بفضل هواية الملاكمة التي يمارسها ثلاث مرات أسبوعيًا؛ وهذا أكثر من كافٍ ليخشاه ماكرون.

المصادر

تحميل المزيد