2,731

في عام 1980، ألَّف السوسيولوجي الفرنسي، بيير بورديو، كتابًا بعنوان «إعادة الإنتاج، في سبيل نظرية عامة في نسق التعليم»، يتحدث فيه عن دور المدرسة في إعادة إنتاج الطبقية الاجتماعية، معتبرًا النظام التعليمي السائد في بلده آنذاك، بمثابة آلة لتكريس الهوة بين الفقراء والأغنياء.

وأحدث طرح بورديو أثرًا عميقًا في النظام التعليمي الفرنسي، حتى أصبحت الجمهورية الفرنسية اليوم تحظر المدارس الخاصة، وتعتمد المدرسة العمومية كملاذ وحيد لكل أبناء فرنسا، بما فيهم أبناء الأغنياء والوزراء، حرًصا على تكافؤ الفرص.

أما في المغرب، فلا تزال المدرسة منذ الاستقلال إلى اليوم، أداة قوية في يد السلطة للضبط الاجتماعي وإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية، بحيث يحافظ أبناء الأغنياء على مكانة أسرهم النخبوية، فيما يستمر أبناء الفقراء في تكريس وضعهم الأسري المتدني، في حلقة دائرية لا مفر منها.

تجليات التفاوت التعليمي في المغرب

يلعب التعليم دورًا أساسيًا في حياة الفرد، إذ به يتحدد بدرجة كبيرة مستقبله العملي، وبواسطته يتشكل قدر كبير من فكره الذي يشكل حياته، ومن ثم فإن التفاوت في الحصول على التعليم تبعًا لجودته يقود إلى تقرير مصير حياة الأفراد بشكل غير متكافئ، ليس فقط على المستوى الاقتصادي وإنما على جميع جوانب الحياة، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس النظام الطبقي.

ولهذا حرصت كافة المواثيق الدولية، على سبيل المثال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على ترسيخ مبدأ المساواة في التعليم الجيد، كحق أساسي لكل فرد، يحصل عليه في ظروف توفر فرصًا متكافئة.

ورغم أن المغرب، ومثله البلدان العربية، قد صدق على جميع هذه المواثيق التي توصي بعدم التمييز في التعليم وضمنتها في دساتيرها، إلا أن الواقع التعليمي للمملكة يظهر تفاوتات واسعة في الحصول على التعليم الجيد.

أحد تجليات هذا التمييز التعليمي هو انتشار المدارس الخصوصية، إذ انتقل الرقم من %4 سنة 1999 ليصل في عام 2015 لحدود %15 من الأُسَر التي تدرس أبناءها في المدارس الخاصة، وفق دراسة أمريكية للمركز العالمي للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يتنبأ بوصول النسبة إلى %25 بحلول 2025، إذا ما استمر نزيف هجرة المدارس العمومية.

نفس الدراسة تورد أيضًا أن ما بين %70 و%80 من التلاميذ في المدن الكبرى يدرسون في مؤسسات خاصة، بديلًا عن التعليم العمومي بعد أن اعتراه الإفلاس، وفي هذا الصدد انتقدت منظمة «أوكسفام» الدولية بشدة الخصخصة المتزايدة التعليم في المغرب، معتبرةً أن هذه السياسة تزيد من الفروقات بين الطبقات الاجتماعية، وتكرس اللامساواة بين التلاميذ المغاربة، وتجهض حق آخرين في التعليم، إذ أن الأطفال المتعلمين في المؤسسات الخاصة يسهل عليهم تطوير قدراتهم واكتساب مهارات إضافية، كتعلم اللغات، عكس تلاميذ التعليم العمومي الذين يبقى مستواهم محدودًا مقارنة مع أقرانهم في التعليم الخاص.

ولا يقتصر هذا التفاوت التعليمي في الجودة فقط بين المدرسة الخاصة والمدرسة العمومية، بل يشمل ذلك التعليم العمومي نفسه في المدن والقرى، إذ تذكر «أوكسفام» أن حظوظ أطفال المناطق القروية لتطوير مهاراتهم في المغرب نسبتهم %2.7.

في جانب آخر، تحرص النخب السياسية والمالية على البحث عن أفضل مؤسسات التعليم الخاصة في البلاد وخارج البلاد، من أجل ضمان تكوين أمثل لأبنائها، ومن ثمَّة تجد أبناء الوزراء والموظفين الكبار في الدولة يدرسون عادة خارج البلاد، بدءًا برئيس الحكومة عبد الإله بنكيران إلى وزير التعليم نفسه، رشيد بلمختار، في الوقت الذي فيه أبناء فقراء الوطن يلجون المدرسة العمومية، التي هي وفقًا لكل التصنيفات الدولية المعنية بالتعليم، «فاشلة»، والتي كان آخرها تصنيف منظمة التعاون الاقتصادي المغرب في المرتبة 73 من أصل 76 بلدًا شملتها الدراسة من حيث جودة المدارس، محتلًا بذلك المرتبة الأخيرة حتى بين الدول العربية.

كيف تعمل المدرسة المغربية على تكريس الطبقية الاجتماعية؟

عدم التكافؤ في الحصول على التعليم الجيد، بخاصة في المستوى الابتدائي والثانوي، يؤدي إلى ما يسميه باحث الاجتماع بيير بوروديو، «معاودة الإنتاج»، حيث تصبح المدرسة وسيلة لتكريس النظام الطبقي الذي يحكم المجتمع.

وبما أن تحسين التعليم يتطلب مزيدًا من المال، بحيث أن النخب الأكثر امتلاكًا للموارد وحدها القادرة في المجتمع على إرسال أبنائها للمدارس الخاصة الراقية داخل البلد وخارجه، فإن الأصل الاجتماعي الذي ينحدر منه الطفل هو الذي يتحكم في نجاحه المدرسي، وبالتالي يحدد مدى نجاحه على مستوى الحياة العملية.

فالأطفال من ذوي الأسر الغنية، يحصلون منذ الصغر على تعليم أكثر جودة في المدارس الخاصة، ويتعلمون اللغات الأجنبية في سن مبكرة، وعند وصولهم للمرحلة الثانوية يكون بمقدور أهلهم إرسالهم إلى المعاهد والجامعات المكلفة ماليًا لجودة النظام التعليمي بها، المتواجدة داخل المغرب وخارجه، ويختارون التخصصات الأكثر نجاحًا في سوق العمل مثل الطب وإدارة الأعمال والهندسة، مما يرفع بشكل مؤكد حظوظ نجاحه في الحياة العملية، وبالتالي يحافظ على مكانة أسرته النخبوية ليكرس الأمر ثانية مع أبنائه.

في حين يكتفي أولاد الفقراء بالتعلم في المدرسة العمومية إن وجدت بقرب مناطقهم التي يسكنونها، وعادة ما تعاني هذه المدارس نقصًا حادًا في الجودة بالمقارنة مع المؤسسات التعليمية الخاصة، ولاسيما الأجنبية منها، على مستوى بيئة التعليم، إذ تتسم عادة مدارس الفقراء بالاكتظاظ والفوضى وضعف تكوين المدرسين، علاوة على ضعف المحتوى التعليمي المدرس. وبعد وصولهم للمرحلة الجامعية يختارون شُعبًا أقل نجاحًا اجتماعيًا مثل الآداب، ويدرسون بجامعات يكون فيها النجاح في حدود ضئيلة.

وغالبًا ما تتوفر لأطفال الأسر الغنية أجواء مُشجّعة على التعلّم، ليس فقط بسبب المستوى الاقتصادي لأسرته، الذي يوفر له حاجاته الأساسية بشكل مرفه، بل أيضًا لأن أسرته تستطيع توفير له أدوات تعليمية أكثر نجاعة بالبيت، من كتب وأجهزة ومجلات، بخلاف طفل الأسر الأقل دخلًا، الذي قد يجد أمامه منذ الولادة بيئة فقيرة ماديًا وثقافيا، تصعب عملية تعلمه، بالأخص في المرحلة الابتدائية والثانوية.

وعليه فإن المدرسة المغربية غير المتكافئة تُمثّل وسيلة لتكريس الفوارق الطبقية في المجتمع المغربي، حيث يحظى أولاد الأغنياء بتدريس أفضل، ومنه عمل أفضل يصنع حياة أكثر رفاهية ماديًا وثقافيًا، بينما يحصل أطفال الفقراء على تعلم أقل يكرس وضعهم المتدني في المجتمع، وهكذا تعمل المدرسة على إنتاج الطبقات الاجتماعية فيما يشبه حلقة مفرغة، لا سبيل فيها للارتقاء الاجتماعي، إلا ما ندر.

الأسس الأيديولوجية للتعليم في المغرب

يعود غياب اللامساواة في المدرسة المغربية بالمغرب إلى مجموعة من الأسس الأيديولوجية المحركة للنظام التعليمي في المملكة منذ الاستقلال إلى اليوم.

مباشرة بعد نيل المغرب استقلاله في خمسينات القرن الماضي،  دشن تعليمًا عموميًا يقوم على ثلاثة مبادئ، التعريب والتعميم والتوحيد، كان مفترضًا منها أن تجعل من التعليم رافعة للطبقات الاجتماعية وتحقيق المساواة.

ورغم تحقيق نتائج في هذا الصدد، كتوسع انتشار المدارس بالمناطق القروية وزيادة عدد المتعلمين وتعريب عدد من المواد، إلا أن الأطر الأيديولوجية التي كانت تؤطر التعليم بقيت مستمرة، ولا تزال كذلك إلى اليوم، وهذه الأطر ممثلة في «التسييس والنخبوية والمركزية».

تَعتبر السلطة في المغرب التعليم وسيلة للتحكم في المجتمع، بجانب الأمن والدين والسياسة، وليس كما هو مفترض منه، فضاءً مفتوحًا لكل الأفراد لتنمية قدراتهم ومواهبهم وبلوغ حدود إمكانياتهم القصوى، بغرض توفير فرصٍ متساوية للكل لتحقيق الارتقاء الاجتماعي.

والتصق التعليم مبكرًا بالسياسة، في ذروة صراع القصر مع بعض الأحزاب السياسية الوطنية حول السلطة، حيث لوحظ أن تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات ينخرطون بشكل واسع في الأشكال الاحتجاجية، وغدا التعليم خطرًا يهدد النخب السياسية، فلجأت السلطة إلى إعادة هيكلته بطريقة تحوله إلى أداة لضبط المجتمع، ليبتعد التعليم عن روحه العلمية الفكرية.

أما النخبوية في التعليم فقد بدأت منذ الاستعمار، عندما كان أبناء الأعيان من سياسيين وأغنياء وقادة يتلقون تعليمهم في البعثات الأجنبية، وظل الحال كذلك بعد الاستقلال، وإلى اليوم ما يزال السياسيون والوزراء وأغنياء البلد يرسلون أبناءهم إلى المدارس الخاصة الراقية وجامعات البلدان المتقدمة.

وعلى صعيد ثالث، لا تزال المركزية المناطقية سمة ثابتة تحكم النظام التعليمي في المغرب، فمن جهة أولى، تستحوذ العاصمة والمدن الكبرى على اهتمام رسمي بالغ في على حساب المدن الأخرى، سواء على مستوى المدارس العمومية أو الخصوصية، ومن جهة ثانية تتسع الهوة في جودة التعليم بين المناطق الحضرية والمناطق النائية والقروية، الأمر الذي يعكس تمايزًا مناطقيًا على مستوى حق الأفراد في التعليم الجيد بشكل متكافئ.

وهكذا يكون النظام التعليمي في المغرب أشبه بطاحونة ضخمة تعمل على تكريس التفاوتات الطبقية، وتعيد إنتاج نفس النخب المهيمنة في المجتمع، دون أن تترك للأفراد فرصة متساوية في الارتقاء، منتجة بذلك جيوشًا من المعطوبين معرفيا ونفسيًا واجتماعيًا.

تعليقات الفيسبوك