عكفت دولة الاحتلال الإسرائيلي التي لا تستطيع فرض مناهجها الدراسية بالقوة بسبب القوانين الدولية، على التدرج في خطوتها نحو المزيد من التهويد والهيمنة على العملية التعليمية في القدس المحتلة.

انتهت الآن من إلصاق تهمة التحريض على المناهج التعليمية الفلسطينية بعد أن نزعت منها الآيات القرآنية والأبيات الشعرية التي ترى فيها تحريضًا، وقدمت على «طبق من ذهب» مناهج إسرائيلية لكي يصبح الجيل الجديد «مواطنًا في دولة إسرائيل»، وقدمت خدمات نوعية وغير مسبوقة للمدارس التي تتبنى هذه المناهج، وفرص عمل بعد التخرج تحميك من الانضمام لطابور البطالة المستشري في القدس.

المنهج الإسرائيلي يقدم على طبق من ذهب للمقدسيين

في مايو (أيار) الماضي، نجح وزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، ووزير شؤون القدس، زئيف إلكين، في الحصول على مصادقة من حكومة الاحتلال الإسرائيلي لتوسيع استخدام المنهاج الدراسي الإسرائيلي في المدارس الفلسطينية في القدس.

أطفال دمر الاحتلال مدرستهم في القدس الشرقية (المصدر:أ ف ب)

تقوم هذه الخطة على تقديم ميزانيات خاصة ودعم غير مسبوق للمدارس الفلسطينية التي تطبق المناهج الإسرائيلية، بمعني حصول المدارس على محفزات اقتصادية مقابل تدريسها المناهج الإسرائيلية، ويمكننا هنا الاستعانة بتقرير موقع «المصدر» الإسرائيلي التابع للمخابرات لتوضيح مزايا الخطة من وجهة النظر الإسرائيلية، إذ جاء في التقرير أن الخطة: «ستمنح الفلسطينيين فرصة للاندماج في سوق العمل الإسرائيلية، وستمكنهم من دخول الجامعات الإسرائيلية، لا سيما الجامعة العبرية في القدس».

 ويقول تقرير «المصدر» أن سكان القدس: «يطمحون إلى العمل في إسرائيل، كونهم حاملين الهوية الإسرائيلية التي تمنحهم الحق بالعمل في إسرائيل، دون انتظار تصاريح عمل مثل سكان الضفة الغربية، لكن عائق اللغة والثقافة يحدان من فرصهم في أماكن العمل الإسرائيلية، الأمر الذي دفع فلسطينيين كثيرين إلى تعلم اللغة العبرية وإطلاق مبادرات بهذا الاتجاه لزيادة فرص التحاق الشبان والشابات الفلسطينيات بالجامعات الإسرائيلية، وأماكن العمل الإسرائيلية».

أطفال من القدس في مدرسة تجمعهم مع أطفال يهود

ونجحت إسرائيل في استخدام الإجازات باعتبارها وسيلة للضغط أكثر على الطلبة المقدسين، وتتضح الرؤية لدى من هم خارج القدس عندما يعلمون أن وزارة المعارف الإسرائيلية تقرر تفعيل العطل الإسرائيلية في المدارس الفلسطينية، فعلى سبيل المثال يجبر الطلبة على إجازة «عطلة ربيع» التي توازي «عطلة عيد الفصح في المدارس اليهودية»، مما يعني أن طلاب الثانوية العامة الذين ينهون السنة الدراسية في مطلع يونيو (حزيران) أو نهاية مايو (أيار) يأخذون عطلة في هذه الفترة الحساسة مما يؤدي إلى إرباك برنامجهم الدراسي، فلن يستطيعوا استكمال المنهج المقرر للامتحان، ويقول رئيس لجان اتحاد أولياء الأمور في مدينة القدس، زياد الشمالي: «بلدية الاحتلال تُريد أن تفرض عطلة الربيع على طلاب الثانوية العامة بينما هم يُعطّلون في أيام أخرى تختلف عن باقي الطلاب بهدف الدراسة».

كما تعمل إسرائيل على تجميل فكرة امتحان الثانوية الإسرائيلي «البجروت» إذ يوفر الحصول عليه سهولة في إيجاد فرص عمل، كما يؤثر الوضع الاقتصادي السيئ لسكان القدس على قرار البقاء في مدارس تدرس المناهج الإسرائيلية وتحظى بخدمات نوعية، فالعديد من مدارس السلطة الفلسطينية بحاجة إلى ترميم أو التزود بمعدات وحواسيب وغيرها.

المقدسيون يتحدثون عن أسباب اللجوء للمناهج الإسرائيلية

على الرغم من رفض أهله لهذه الخطوة، إلا أن الفتى «عمر» ذا السابعة عشر من العمر قرر الالتحاق في مدرسة تابعة لوزارة المعارف الإسرائيلية يخضع فيها الطالب لدراسة المنهج الإسرائيلي، يُستفز عمر من معايرة متكررة له، كيف تدرس مادة «أكون مواطنًا في دولة إسرائيل» لكنه يبدو غير عابئ بموقفهم.

طلاب في المرحلة الثانوية يقدمون امتحانات في مدرسة تقع بمدينة القدس الشرقية

يسر لنا «عمر» بأن قراره لا يرضيه أيضًا، لكنه يرى فيه اضطرارًا فهو يريد ألا ينضم إلى طابور البطالة الذي يعاني منه شباب القدس، ويوضح لـ«ساسة بوست» أن دراسة هذا المنهج ستساعده على الالتحاق بجامعة إسرائيلية ومن ثم لن ترفض المؤسسات الخاضعة لحكومة الاحتلال توظيفه، مستدركًا: «حتى لو لم أكمل دراستي الجامعية، من يتخرج في هذه المدارس يكون مؤهلًا مهنيًا، أي صاحب صنعة، فهي يحصل على فرصة للاندماج في المجتمع بسبب ساعات التطوع التي تمنح للطالب في هذه المدارس».

توجهنا إلى الكاتب والمعلّم المقدسي «إبراهيم جوهر» ليوضح لنا أنه تُنازع المقدسيين رغبتان متضادتان، أولهما: التشبث بالهوية وما تعنيه من التمسك بالمنهاج المدرسي الفلسطيني والدراسة في (جامعة القدس)، والثانية هي السعي للحصول على الدراسة في الكليات والجامعات الإسرائيلية التي تشترط المنهاج الإسرائيلي للحصول على قبول وظيفي بعيدًا عن الشروط والتعقيدات التي يمليها المشغّل الإسرائيلي الذي يتحكم بشروط القبول والرفض في القدس.

طلبة يمرون بالقرب من جدار الفصل العنصري

ويعقب «جوهر» لـ«ساسة بوست»: «لذلك كان أن اختار عدد ليس قليلًا الدراسة وفق المناهج الإسرائيلية وفقًا لهذا التشخيص»، مستدركًا : «يمكنني إضافة سبب أو أسباب أخرى تتعلق بمرونة النجاح وأسلوب الامتحانات النهائية واحتساب العلامات ومراعاة الفروق الفردية التي يتيحها المنهج الإسرائيلي في مقابل جمود المنهج الفلسطيني»، ويوضح أن في المنهج الإسرائيلي مراعاة لذوي القدرات المحدودة في الخط والإملاء والرؤية البصرية، وهناك إمكانية للتقدّم لوحدات معينة وفق شروط وأوقات مريحة، ويختم بالقول: «المنهاج الوافد يراعي خصوصية القدرة الاستيعابية للمتعلم أكثر من المنهاج الفلسطيني وريث المنهاج الأردني، وعلينا مواجهة المشكلة بالتوعية وتطوير المنهاج الفلسطيني».

المقبلون على المنهج الإسرائيلي في ازدياد وفتوى فلسطينية تحرمه

في 15 سبتمبر (أيلول) الجاري، نشر الإعلام الإسرائيلي نتائج استطلاع أعدته بلدية القدس التابعة للاحتلال، يظهر هذا الاستطلاع ارتفاعًا وصل لنسبة 20% في عدد طلاب القدس الشرقية الذين انتقلوا لدراسة المنهاج الإسرائيلي هذا العام، وحسب الاستطلاع فإن: «48% من أولياء أمور الطلاب الفلسطينيين في القدس الشرقية ليسوا معنيين بمواصلة دراسة أولادهم للمنهاج الدراسي الفلسطيني»، وتشير بيانات الاستطلاع أن عدد الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون المنهاج الإسرائيلي وصل إلى 5800 طالب، بعد أن كانوا 300 طالب قبل سبع سنوات.

طالب في مدرسة مقدسية (شبكة القدس الإخبارية)

وللتعليق على هذه الأرقام الإسرائيلية، تحدثنا إلى المختص بقضايا التعليم في القدس «حاتم خويص» الذي أكد أنها أرقام مبالغ بها جدًا، فليس من الحقيقي أن هذا العدد من المقدسين توجهوا نحو المنهاج الإسرائيلي، ويوضح «خويص» لـ«ساسة بوست»: «أن برامج وزارة المعارف الإسرائيلية تعمل على ترغيب الطلبة نحو التوجه للمنهاج الإسرائيلي على حساب المنهاج الفلسطيني، وهناك من اضطر للاستجابة، إذ أن هناك مغريات كتحصيل موارد تعليمية أكثر مما هو موجود في المدارس الفلسطينية»، وهنا ينتقد «خويص» دور بعض المؤسسات المقدسية التعليمية الربحية، مستشهدًا بقضية فساد في أحد هذه المؤسسات تمخض عنها فقدان 4 آلاف طالب لمقاعد الدراسة بعد سحب الترخيص منها ومن ثم أصبح خيارهم الدراسة في مدارس تقدم المنهج الإسرائيلي، حسب «خويص».

أحد الدروس في المنهاج الإسرائيلي

وقد أقدم خطيب المسجد الأقصى الشيخ «عكرمة صبري» قبل نحو ثلاثة أسابيع على إصدار فتوى شرعية تحرّم التدريس وفق المنهج الإسرائيلي وتحرّم إرسال الأبناء إلى المدارس التي تعلّمه به، وقال «صبري» في خطبة الجمعة أمام آلاف المصلين في المسجد الأقصى، أنه: «لا يجوز شرعًا تدريس المناهج الإسرائيلية في المدارس في القدس ويأثم كل من يقوم بتدريسها ويأثم كل من أيد ويؤيد تدريسها ويأثم كل من يرسل ابنه أو ابنته إلى المدرسة التي تدرس هذه المناهج، وعلى الآباء والأمهات أن يكونوا يقظين ومتنبهين من خطورة ذلك، وبهذا نفتي».

إسرائيل.. من التحريض إلى «عسكرة التعليم»

«أسوأ وضع تعليمي في الأراضي الفلسطينية؛ سواء في قطاع غزة أو في الداخل المحتل أو في الضفة الغربية المحتلة»، هكذا وصف العضو العربي في «الكنيست الإسرائيلي»، جمال زحالقة، وضع التعليم في القدس.

درس في المنهج الإسرائيلي

لقد تمكنت دولة الاحتلال من اتخاذ المزيد من الخطوات نحو «أسرلة» وتهويد الخدمات التعليمية في المدينة، بعد أن مارست بقوة التحريض ضد المناهج الدراسية الفلسطينية، فقبل نحو السنوات الخمس أقدمت على حذف شعار السلطة الفلسطينية عن الكتب الدراسية في القدس، وحذفت آيات قرآنية ونصوصًا شعرية قالت إنها تحريضية، ووصل الأمر في العام الماضي إلى حد سحب كتاب «التنشئة الوطنية والاجتماعية» للصف الثالث الابتدائي، بسبب وجود وحدة دراسية في الكتاب تحت عنوان «أحب وطني فلسطين» تضم النشيد الوطني الفلسطيني، ومعلومات عن مدينة القدس بصفتها عاصمة فلسطين.

طالبات يمرون بجوار جنود احتلال في القدس

بعد الخطوات السابقة أقرت إسرائيل مناهجها في القدس، وأخذت تشترط عند تقديم الخدمات للمدارس الفلسطينية تدريس المناهج الإسرائيلية؛ هذه المناهج التي تحمل الكثير من التحريض نحو كل ما هو فلسطيني. يوضح منسق دائرة نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد في معهد أريج «عيسى زبون» أن: «الاحتلال الإسرائيلي يستهدف المدارس التي تتبع بلديته والتي تحصل على معونات من دائرة المعارف التابعة للبلدية، علمًا أن المنهاج الإسرائيلي يروج للأكاذيب والمزاعم اليهودية حول أرض الميعاد والهيكل وغيرها والتي تنفي وجود أي حق للفلسطينيين أصحاب الأرض بأرضهم»، ويضيف لصحيفة «فلسطين» المحلية: «المنهاج الإسرائيلي يعتبر النكبة الفلسطينية استقلالا لدولة الكيان ويشوه ويزور كل الحقائق الفلسطينية التاريخية، ويقوم على تزوير أسماء بعض الشوارع والأحياء الفلسطينية في القدس، وهذا سيخلق جيلاً يؤمن بأكذوبة (إسرائيل) لا بالحق الفلسطيني».

يذكر أن مدارس القدس الشرقية تلتزم بمناهج التعليم الفلسطينية منذ التوقيع على اتفاقات أوسلو (ب) عام 1995، ويوجد في القدس خمسة أنواع من المدارس، مدارس تابعة للسلطة الفلسطينية، ومدارس الأوقاف الخاصة، ومدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، ومدارس تابعة للبلدية القدس الإسرائيلية ومدارس المقاولات التي تمولها وزارة المعارف الإسرائيلية.

المصادر

تحميل المزيد