“في حالة أشبه بساحة حرب، فتاة بوزرة بيضاء، يتدرج الدم بغزارة من رأسها، وشاب آخر يمسك عينيه بيديه حتى لا تذرف مزيدا من الدم، وحوله العشرات من زملائه مرتمين على الأرض بين معطوب ومكسور“. حصل هذا قبل يوم أمس جراء تدخل أمني عنيف في حق مظاهرة تطالب بضمان التوظيف لأساتذة قيد التكوين بمنطقة إنزكان بالمغرب، ما خلف إصابات استدعت نقلها إلى المستشفى.

لعل الواقعة تلك، والتي أثارت جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، تمثل أفضل صورة للتعليم في المغرب، الصورة التي عادة ما تلتصق بالقمع والفساد وانعدام الكفاءة. في هذا التقرير سنتطرق إلى هذا الملف الشائك الذي يؤرق المغرب إدارة وشعبًا حاليًا.

أولا ما وضع التعليم بالمغرب؟

عادة ما تقلل سلطات الدولة بالمغرب من سوء الوضع بقطاعات معينة كالشغل والصحة، وتعتبر التقارير الدولية التي تنتقد الوضع مبالغًا فيها، لكن عندما يتعلق الأمر بالنظام التعليمي فلا تجد مناصا في أن تقر بنفسها على لسان وزير التربية والتعليم حيث سبق أن قال “إن مؤشرات وتقارير عالمية تجعلنا نفهم ونعترف كم نحن فاشلون”(2)، وهو أمر يتفق حوله الجميع من فعاليات مدنية ورسمية، حتى أصبح التعليم في المغرب كاليد المجذومة التي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها من شدة انتشار المرض.

صدم المغاربة أول مرة بوضعية التعليم الذي يتلقاه أبناؤهم بداية عام 2008، عندما أصدر البنك الدولي تقريرًا حول دراسة مفصلة للتعليم بـ14 دولة عربية، صنف فيه المغرب ضمن المراتب الأربع الأخيرة، بجانب العراق واليمن وجيبوتي، بالرغم من أنه لا يعاني حروبًا أو مجاعة مثل تلك البلدان. ثم توالت في السنوات التالية التقارير الدولية التي تؤكد المسار المفزع الذي ينحو نحوه النظام التعليمي بالمغرب.

صدر في 2014

تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتعليم والثقافة (اليونسكو) يصنف المغرب ضمن أسوأ 21 دولة في مجال التعليم في العالم، بمعية دول فقيرة جدا مثل موريتانيا والصومال، أو تعيش أوضاعًا غير مستقرة مثل العراق وباكستان، وأوضحت اليونسكو في وثيقتها تلك أن أقل من نصف عدد التلاميذ في المغرب فقط هم من يفلحون في تعلم المهارات الأساسية.

نسبة المنقطعين عن الدراسة في المغرب

وإذا ما أردنا بيانات أكثر حداثة، فيصنف المنتدى الاقتصادي العالمي المغربَ في مؤشر جودة التعليم لعام 2015 في الرتبة 101 من أصل140(4)، واحتلت المملكة الرتبة 126 في تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة الصادر نهاية السنة المنصرمة، والذي يعتمد مؤشر التعليم والصحة والدخل الفردي والمساواة في تقييمه لبلدان العالم، وكان من المثير للخوف أن المغرب تخلف في ذيل الترتيب عن كل الدول العربية باستثناء موريتانيا والسودان والصومال واليمن، وتقدمته كل من فلسطين والعراق، ما ينبئ عن الوضع الكارثي للغاية الذي يعيشه التعليم المغربي.

تجدر الإشارة أيضا أن نسبة الأمية (بمفهوم انعدام القدرة على التهجي ورسم الحروف) في المغرب تقارب %30 حسب آخر إحصاء رسمي لسنة 2013، وتقول تقارير دولية عديدة بأن النسبة تفوق ذلك بكثير، كما أن %78 من التلاميذ المغاربة لا يحصلون على الباكالوريا (شهادة إنهاء المرحلة الثانوية) (6)، أما بالنسبة لوضعية القراءة فإن الأمر يزداد سوءًا، حيث يحتل المغرب في لائحة القراءة والكتابة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الرتبة 162، بأقل من معدل 5 دقائق سنويًّا في القراءة لكل فرد.

مبيان يوضح تقدمًا طفيفًا للمغرب في نسبة التمدرس

وبالرغم من أن هناك تحسنًا في نسبة المتمدرسين مقارنة مع السنوات الفارطة، إلا أن الفجوة في الكيف تتزايد أيضًا، باعتبار أن المعرفة في تطور متسارع ولا سيما في عصرنا اليوم، حيث لا مكان لمن لا يلحق الركب.

قبل معرفة الأسباب هذه لمحة تاريخية عن التعليم في المغرب

كان الشباب المغربي المتمدرس بمثابة حقل تجارب للإصلاحات التعليمية العديدة والمتوالية التي أجرتها الدولة طوال عقود، والتي انتهى جميعها بالفشل الذريع حتى الساعة.

ارتبط التعليم بالمغرب منذ بداياته بعد الاستقلال بالبعد السياسي والمركزية، وكانت مختلف الإصلاحات التي لحقته تراعي بعين الاعتبار الخاصيتين المذكورتين آنفا، الأمر الذي جعله متدهورًا كمًّا وكيفًا، وتمثلت أهم هذه الإصلاحات في برنامج الميثاق الوطني والمخطط الاستعجالي.

جاء برنامج الميثاق الوطني للتربية والتكوين مع بداية الألفية استجابةً للأصوات السياسية التي تطالب آنذاك بعهد جديد مع تولي الملك محمد السادس العرش، ساهم مجوعة من الفاعلين في بناء وثيقة البرنامج، ووضعوا قراءة مفصلة لوضعية التعليم المغربي وحزمة من الأهداف المراد تحقيقها، لكن بعد عشر سنوات أعلن رسميا الفشل الذريع في تنزيل مقتضيات البرنامج لأسباب تدبيرية وتواصلية ومالية.

وفي محاولة أخرى لبث نفس جديد في النظام التعليمي، أعلن عن البرنامج الاستعجالي بتعبئة مالية 41 مليار دولار بزيادة تعادل الثلث عما قبله، بيد أنه هو الآخر انتهى بالفشل في 2012 وبددت فيه كثير من الموارد البشرية والمالية بدون جدوى.

أما حاليًا، فالنظام التعليمي يمر بحالة تخبط وفقًا لمراقبين قد أوصلته إلى نفق مسدود يصعب التعامل معه، لدرجة أن وزير التربية والتعليم رشيد بلمختار ورئيس الحكومة عبد الإله بنكيران اختارا إرسال أبنائهم للدراسة في فرنسا، بينما يمثلان معا الجهة المفترضة، بحكم المسؤولية التي يشغلها كل منهما؛ لتوفير تعليم جيد لأبناء الشعب.

ما الأسباب وراء تأزم التعليم بالمغرب؟

تمس قضية التعليم في المغرب بنية الدولة والمجتمع بشكل عميق، ما يجعلها مشكلة بنيوية تستدعي جرأة قوية وكفاءات عالية لمباشرة إصلاح جذري، وبدون شك فالمشكلة هي أكبر من أن تحصى أسبابها في أسطر، لكن سنجرد العوامل الأساسية العامة لفشل المنظومة التعليمية المغربية.

  • انعدام الإرادة السياسية: لطالما حرصت نخبة السياسيين والنافذين على توفير تعليم جيد لأبنائها من خلال تدريسهم في المدارس الخاصة أو إرسالهم إلى الخارج، وبالمقابل لامبالاة القيادات السياسية بجودة التعليم العمومي، بل بالعكس تمعن في خوصصته عاما بعد عام، إنه – كما قال الأكاديمي يحيى اليحياوي-
    أداة حكامة سياسية واجتماعية فريدة، يتم توظيفها من لدن الدولة بكل مستوياتها، بغرض خلق تراتبية اجتماعية تعيد إنتاج السائد المهيمن
    (8).
  • الفساد: تقضم وزارة التعليم حوالي %30 من إجمالي الميزانية، حيث يضاهي غلافها المالي نظيراتها في بلدان متقدمة كالدانمارك، غير أن الفساد المستشري داخل المنظومة التعليمية يؤدي إلى ضياع الأموال الوفيرة دون أن تنعكس في الواقع، وتمتلئ صفحات الجرائد بالفضائح المالية لمسؤولي الوزارة والعمادات والمدارس، وقد بدا الفساد بشكل جلي كجزء من المشكلة يعرقل الإصلاح حينما اختفت الأموال السخية المعتمدة لتنزيل المخطط الاستعجالي، دون أن تظهر مخرجات المخطط على أرض الواقع.
  • ضعف الكفاءة: التخطيط للتعليم ليس مسألة سهلة إذ يتطلب كتيبة متكاملة من الخبراء والمتخصصين، وليست لدى كل الدول الطاقات العلمية المؤهلة لذلك، ومعظم البلدان التي حققت قفزة متقدمة في نظامها التعليمي – كالشأن مع سنغافورة وكوريا الجنوبية لم تفعل ذلك إلا بعد أن أرسلت بعثات علمية عديدة قصد جلب الخبرة من دول عريقة في المجال التعليمي مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، ونفس الأمر قام به المغرب سابقا لكنه لم يفلح، واستيراد المناهج ليس حلا للمشكلة، فلكل مجتمع ظروفه التاريخية والمجتمعية والثقافية التي يعيشها. يتطلب التخطيط للتعليم بلورة رؤية فكرية واضحة تتناسب مع متطلبات العصر من جهة وطبيعة المجتمع من جهة ثانية، والأهم من ذلك إقرار ميكانيزمات دقيقة لتقييم المخططات المراد تنزيلها، مع تتبع مستمر وتعديلها بما يناسب الوضع إن لزم الأمر، ووضع آليات محددة للمساءلة والمحاسبة، بالإضافة إلى تكوين كوادر تعليمية مؤهلة للقيام بمهمة التدريس على أفضل وجه.

  • إهمال الأسرة: تمثل الأسرة اللبنة الأساس في المنظومة التعليمية رغم أن كل المناقشات حول الموضوع تغفل هذه الزاوية، إنها المؤسسة الأولى التي تتحمل مسؤولية تعليم الفرد، غير أن الأسر المغربية تعاني الكثير من الأعطاب التي تمنعها من أداء مهمتها تلك، بسبب انتشار الأمية والفقر في المجتمع وكذا ضعف التوجيه وتبخيس قيمة التعليم، والنظر إليه باعتباره مشروعَ وظيفة لأبنائها أكثر مما هو فرصة لتكوين ذواتهم.

 

كل هذه الأسباب تجعل مهمة إصلاح التعليم مهمة شاقة، بينما لا توجد أي مؤشرات حتى الآن تدل على أن النظام التعليمي المغربي بدأ يسير في الاتجاه الصحيح، ناهيك عن أن المعارف ومتطلبات العصر تزداد تطورًا وتعقيدًا مما يصعب مهمة اللحاق بالركب، ويضع المزيد من التبعات على المسؤولين والخبراء لأجل البدء في رؤية واضحة لمواجهة حالة التردي التعليمي في المغرب.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد