لا تبدأ لعبة السياسة وتنتهي عند الأحزاب ومقاعد الحكم، ولا حتى في ساحات الحرب أو الثورة؛ فإن كنت تؤسس لنظام قمعي، تريد له الاستمرار وتريد تحويل المجتمع كله لينصاع له، فليس أمامك غير المدارس والجامعات لتبدأ مهمتك في غرس أفكارك في عقول الأطفال والشباب وأسلوب حياتهم. نعرض في هذا التقرير 3 تجارب لدولٍ خاضت أعوامًا طويلة من القمع تحت ديكتاتوريات قتلت الكثير من الأرواح، والكثير من الأفكار أيضًا.

ألمانيا: رجل هتلر «المضطرب عقليًا» يدير التعليم

تولَّى «بيرنارد رست» منصب وزير العلم، والتعليم، والثقافة القومية بعد أشهر قليلة من صعود «هتلر» إلى مقعد الحكم. كانت خطة «رست» صريحةً منذ بدايتها: هدفنا هو تحويل التعليم والثقافة في ألمانيا إلى القيَم النازية.

في عام 1933، العام الذي شهد فوز حزب «هتلر» في الانتخابات، كان 32% من المُعلمين أعضاءً في حزب العمال القومي الاشتراكي، لكن بحلول عام 1934، أصبح 97% من المُعلمين أعضاءً في «اتحاد المُعلمين النازيين».

عمل الدكتور «راست»، الذي أُجبر على ترك منصبه في التعليم بسبب ممارسة علاقة جنسية مع طالبة، لكنه لم يقضِ العقوبة بسبب «اضطراب حالته العقلية»، على فرض سيطرة الحزب النازي وأيديولوجيته الفاشية على جميع عناصر التعليم: المناهج، والفصول الدراسية، ونظام التدريس، والمُعلمين أنفسهم في كافة المراحل الدراسية؛ كل هذا كانت تحية «عاش هتلر!» المعروفة هي أصدق تعبيرٍ عنه بعد فرضها على الطلاب والمُعلمين.

«حين يُعلن أعداؤنا أنهم لن ينضموا إلى صفوفنا؛ أقول لهم بكل هدوء: إن أبناءكم بيننا بالفعل. من أنتم؟ أنتم ستموتون، لكن أبناءكم يقفون الآن في المعسكر الجديد. في وقت قصير لن يعرفوا غير هذا المجتمع الجديد.»      *هتلر في 1933

كان التعليم والتنشئة هي إحدى أقوى أدوات غرس القيم النازية في نفوس الألمان؛ فلم يكن مسموحًا بانتقاد النظام النازي في المدارس، وكان المُعلمون المعارضون يُطردون أو يُرسلون إلى تدريب لمدة شهر على «القواعد الاشتراكية الوطنية»، وسط صيحات «عاش هتلر!» وصوره التي تملأ الفصول، لكن التغييرات في نظام التعليم كانت أعمق من ذلك.

Members Of The Hitler Youth Deployed

قام النظام الجديد على منهج «نازي» خاص من إعداد «رست»، لم تحظَ فيه المجالات العلمية أو الأكاديمية على احترام كبير في مقابل الأعمال البدنية واليدوية، والاعتماد على ترويج الأفكار النازية ورؤيتها للمجتمع؛ فالذكور مكانهم الجيش أو العمل، والإناث مكانهن في المنزل ربَّات للبيوت، مع تركيز شديد على تنمية القوة البدنية والتمرينات الرياضية، اتساقًا مع فكرة التفوق العِرقي الآري التي دفعت النازيين إلى احتقار الضعف والمرض والعجز، وتقدير القوة الجسمانية.

لم يكن يحصل المُعلمون في المدارس على مرتبات كافية (مرتب المُعلم كان يفوق بقليل مرتب أقل فئة من العُمال)؛ فأخذ عدد المُعلمين في التناقص حتى خرج بمرور 5 أعوام على حكم «هتلر» أكثر من 11 ألف معلم من المدارس.

بعد سن 18 عامًا، كان الشباب ينضمون إجباريًا إلى الجيش، ولم يكُن الكثير منهم يلتحقون بالجامعة، لكن عسكرة الشباب الألماني كانت تبدأ قبل ذلك بفترة طويلة؛ فمنظمة «شباب هتلر» كانت تضم الذكور بين 14 و18 عامًا في تدريبات ونظام عسكري، والذكور من 10 إلى 14 عامًا كانوا في برنامج «الشعب الصغير» (Young Folk)، وبين 6 و10 أعوام في برنامج «الرفاق الصغار».

إيطاليا: المدارس مصانع الفاشية

لم يكن نظام التعليم في بداية صعود الفاشية في إيطاليا (1922 – 1945) ضمن اهتمامات الحزب الفاشي بقيادة «موسوليني». الفاشية في إيطاليا كانت حركةً تعتمد على النشاط السياسي لا التعليمي، لكن كيف يُمكن أن تغرس قيمًا جديدة وقواعد مختلفة للحياة في شعب دون أن تسيطر على التعليم؟

بعد انتقادات عديدة لنظام المدارس في الحزب الفاشي، عيَّن «موسوليني» في منصب وزير التعليم العام رجلاً يُدعى «جيوفاني جنتي»، أُطلق اسمه على مجموعة متتابعة من القوانين الجديدة المتعلقة بالتعليم في إيطاليا.

بدأ «إصلاح» التعليم على يد «جنتي» بفصل الذكور عن الإناث في المدارس، وتمهيد كلٍ منهم للدور الاجتماعي الذي تُحدده الفاشية لهم: الذكور للحرب والإناث لإنجاب الأطفال وتربيتهم، وعسكرة مناخ التعليم في المدارس بالشعارات، والصيحات، والتدريبات البدنية، والزي المُوحَّد، وفرض اختبارات مكثفة لتصعيد الطُلاب إلى مراحل التعليم العليا اعتمادًا على ولائهم للحزب ورغبتهم في القيام بدور قيادي فيه.

ثم أصدرت وزارة التعليم مراجعة شاملة للمناهج الدراسية، كانت السياسة فيها مادة أساسية، تقوم على تعزيز فكرة الحرب والتوسع العسكري (وهو ما تم بالفعل في أثيوبيا)، وتعزيز الأدوار الاجتماعية المُحددة للذكور والإناث، مع غرس الأيديولوجية الفاشية في الطُلاب ومهاجمة الأفكار المخالفة لها.

مقتطفات من الكتب الدراسية للمدارس الابتدائية في عهد موسوليني

لم تقتصر الأجواء العسكرية على المدارس، فقد أُنشئت في عهد «موسوليني» تنظيمات شبه عسكرية للأطفال والشباب مُشابهة لما أنشأه «هتلر» في ألمانيا: منظمة «أبناء أنثى الذئب» للأطفال بين 4 إلى 8 سنوات، ومنظمة «باليلا» للأطفال بين 8 إلى 14 سنة، ومنظمة «أفانجوارديستا» للأطفال بين 14 إلى 18 سنة.

«أنا أؤمن بروما، الخالدة، أم بلادي… أؤمن بعبقرية موسوليني، وببعث الإمبراطورية من موتها.»

(قسمٌ كان يتلوه الأطفال في التنظيمات شبه العسكرية)

روسيا في عهد «ستالين»: التعليم والبروباجندا

يبدو نظام التعليم والتغييرات التي لحقت به في روسيا البلشفية، خاصةً تحت حُكم «ستالين» (1922 – 1953) حدثًا «ثوريًا»؛ جاءت الثورة البلشفية في عام 1918 في ظل معدلات أمية مرتفعة للغاية في روسيا، ومجتمع زراعي لا يجد ميزة كبيرة في تعليم أبنائه في المدارس.

قد تبدو الأرقام والمؤشرات مُبشرة للغاية:

– انخفضت نسبة الأمية من 72% للذكور و87% للإناث في عام 1987 إلى 14% للذكور و35% للإناث في عام 1937.

– فرض التعليم الإلزامي على الأطفال وتوفير فرص التعليم للكبار، وفتح باب التعليم للجميع.

– الاهتمام بالتعليم الفني والصناعي لإعداد عُمال محترفين.

– ارتفع عدد الطلبة في المدارس الثانوية من مليون واحدٍ في 1928 إلى حوالي 4 مليون في 1941.

– ارتفع عدد الطلبة في التعليم العالي من أقل من 200 ألف في 1928 إلى أكثر من 800 ألف في 1941.

– الاهتمام بتعليم الفتيات ودمج النساء في الوظائف العامة والتخصصية.

– دعم الطلبة المتميزين وتشجيع التفوق الدراسي.

مواد دعائية للتعليم في روسيا الشيوعية

لكن كل هذا جاء مقترنًا بسيطرة كاملة للأيديولوجية الشيوعية على نظام التعليم؛ فأُلغي التعليم الديني من المدارس؛ واستُخدمت المناهج الدراسية كأداة للدعاية الشيوعية وبناء «الرفاق الصغار» المؤمنين بالشيوعية قلبًا وقالبًا، والمُعادين للعالم الغربي الرأسمالي، والمستعدين للقيام بدورهم في المجتمع الشيوعي؛ وأُلغيت العديد من المجالات العلمية التي كانت توصف بالبرجوازية، أو فُرضت الرقابة على نشاطها، مثل العلوم الاجتماعية وعلم الوراثة.

كما عُدلت المناهج الدراسية في التاريخ، والاقتصاد، والسياسة لتوافق الأيديولوجية الشيوعية والبروباجندا المُصاحبة لها، والتي شُكلت تنظيمات تضم الأطفال والشباب للترويج لها مثل منظمة «الطلائع» للأطفال بين 9 و14 سنة، و«كومسمول» للشباب بين 14 و28 سنة.

لعلَّك تتساءل الآن كيف تخلَّصت هذه الدول من أثر هذه التجارب التعليمية في وجدانها وثقافتها؟ وكيف انتقلت دولة مثل ألمانيا لتصبح من أكبر الدول الصناعية في العالم؟ وماذا فعلت روسيا بعد سقوط النظام الشيوعي؟ هذا ما سنتناوله في تقريرٍ قادم.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد