اكتشف علماء الأعصاب في الآونة الأخيرة كثيرًا من تقنيات عمل الدماغ: الجسم المسؤول عن التعلم، وبفضل هذه الاكتشافات –مثل خرائط الدماغ– أصبح هناك نظام جديد تتكامل فيه المعرفة التي تكشف عنها العلوم العصبية والتعليم وعلم النفس، لتقدم أفضل طرق التعلم، في ما يسمى بالتعلم العصبي أو علم الأعصاب التعليمي، وهو مجال لا يزال في بداياته لكنه يبشر بأفضل النتائج في التعليم؛ إذ يستخدم بيانات علمية حول قدرات الدماغ في الربط والتحليل، ودور العواطف وغيرها من البيانات، ليصل إلى أفضل الطرق المناسبة للتعليم والتعلّم.

 علم الأعصاب التعليمي

يرسخ هذا المجال لأساس علمي في عملية التعلم، باستخدام أحدث نتائج دراسات علم الأعصاب وعلم النفس والعلوم المعرفية، ويطبق المنهج العلمي على تصميم المناهج واستراتيجيات التدريس، ويتيح النتائج للمعلمين وواضعي السياسات.

وعُرفت هذه التقنية في جامعة كارنيجي ميلون في بيتسبرغ بالولايات المتحدة، حيث صوّر فريقٌ أدمغةَ طلبة أحد الصفوف أثناء تعلمهم درس الفيزياءـ، وتابعوا النشاط الذي يحدث داخل أدمغتهم عند تلقيّهم معلومات جديدة.

Embed from Getty Images

تعتبر أبسط النتائج التي يمكن الإفادة منها في هذا المجال هي شرح آلية عمل الدماغ، وكيفية ارتباط المعرفة بتكوين الروابط بين الخلايا العصبية ومرونة تمددها، وقد قارنت تجربة بحثية بين مجموعتين درست إحداها -فقط- علم الأعصاب والمرونة العصبية فيما لم تدرسه الأخرى، ولاحظ فريق البحث تحسن أداء المجموعة الأولى.

تخصصات مختلفة تخبرنا كيف نتعلّم

وفقًا لإجناسيو مورجادو، أستاذ علم النفس في معهد علم الأعصاب بكلية علم النفس في جامعة أوتونوما ببرشلونة،فإن هذا المجال الجديد لا يحدد لنا نماذج التعلم، لكنه يطوّر استراتيجيات تعليمية أكثر كفاءة، إذ لا تزال مساهمة العلوم في عملية التعلم محدودة، ما يؤكده إجناسيو أن المعلمين كانوا دائمًا على دراية بأفضل الطرق لأداء عملهم، ومعرفة كيفية عمل الدماغ، والأوقات التي يكون مستعدًا فيها للتعلم، ومجرد تفسير الأمور لهم يمكّنهم من تطوير أدائهم، وهذا ما يمكن أن يسهم فيه علم الأعصاب في هذا الصدد.

Embed from Getty Images

يختلف هذا الوقت من شخص لآخر وبالطبع من فئة لأخرى، وما تحاول الأبحاث في مجال علم الأعصاب التعليمي التوصل إليه هو الوقت اللازم لتعلم مهارة معينة –لدى الصغار والبالغين- والاحتفاظ بالقدرة على الانتباه، ومرات التكرار اللازمة، بحيث يمكن وضع حلقة التعليم من الطفولة وحتى الكبر، وأكثر الطرق فعالية للتدريس في كل مرحلة.

كما يدرس علم الأعصاب التعليمي عوامل أخرى وتأثيرها في عملية التعلم، منها الوظائف الاجتماعية، والأداء العقلي، والتعقيدات الفردية، والتفكير الإبداعي، ويطرح أسئلةً بينها تأثير النوم والساعة البيولوجية في التعلم، وتأثير البيئة المعمارية للمدرسة، والعلاقة بين المعلم والطالب، والبيئة الأسرية، والثقافات والأعراق المختلفة التي يولد الفرد فيها في عملية التعلم.

علاج صعوبات التعلم

يتكون العقل البشري من لدائن غير عادية، وعلى طول الحياة تتغير بنيته بشكل كبير، رغم أنه يكون أكثر نشاطًا في السنوات الأولى، وهي السنوات الفارقة في التعلم، إلا أن التجارب تقوم بتغيير عقولنا باستمرار فتقوّي أو تضعف نقاط الاشتباك العصبي هذه، التي تربط بين الخلايا العصبية، وهكذا يحدث التعلم؛ بفضل عملية تجديد أو تكوّن الخلايا العصبية.

ومن المنظور التعليمي، فإن هذه المرونة العصبية في الدماغ بالغة الأهمية؛ لأنها تضمن تحسّن قدرات أي طالب، وتحديدًا تكوّن آلية تعويضية تجلبها صعوبات التعلم مثل: عسر القراءة (الديسليكسيا)، وقصور الانتباه، وفرط الحركة.

العاطفة والوراثة تقودان التعلم

يخبرنا علم الأعصاب التعليمي أن العاطفة والمعرفة لا ينفصلان، ويكشف لنا تشريح الدماغ أن كل المعلومات الحسية تمر قبل معالجتها في القشرة المخية في المنطقة المرتبطة بها، سواء كانت عقلية أو معرفية تمر أولًا بالجهاز النطاقي، أو ما يُسمى بالعقل العاطفي؛ وهو مسؤول عن الوظائف الانفعالية للإنسان، وهناك تكتسب هذه المعلومات صبغةً أو لونًا عاطفيًّا، ومن ثم يجري تصنيفها في الشبكات العصبية التي تتعلق بها، وعمل ملخص لها يتضمن الأفكار الأساسية. تتم المعالجة المعرفية إذن بإضافة شعور ما –حزن أو فرح– إلى المعلومات المجردة، وهذا ما يجعل العاطفة متأصلة في كل العمليات العقلية المتعلقة بالحفظ والتذكر.

البشر ليسوا كائنات عقلانية، إنهم في المقام الأول عاطفيين ثم عقلانيين واجتماعيين، يقودنا هذا إلى القول بأن العاطفة هي جوهر التعلم والحفظ، إن أفضل ما تعلمناه هو ما أحببناه، ما يمسّ شعورًا ما في داخلنا، وللسبب نفسه يكون أفضل اللحظات لتعليم الأطفال مثلًا حين يستيقظ لديهم الفضول، وتلمع عيونهم، ويملؤها الفرح، وتغمرهم المشاعر.

استراتيجيات التعلم يسهل تطبيقها مع الأطفال

يقول ديفيد بوينو عالم الأعصاب والوراثة: إن هناك حوالي 42 نوعًا من المشاعر المختلفة للإنسان، هناك إجماع على وجود أربعة أساسية بينها هي: الفرح، والخوف، والاشمئزاز، والغضب، ويربط الدماغ بين المشاعر والتعلم ليكون رابطة أقوى لما سيقوم بتذكّره لاحقًا، فمثلّا الشعور بالخوف –من الفشل أو من الحصول على درجات قليلة- يحدّ من قدرتنا على مواصلة التعلم؛ بينما يخلق شعورنا بالمتعة رغبةً في مواصلة التعلم مدى الحياة.

ويضيف ديفيد بوينو أن التعاون شعور آخر يدعم قدرتنا ورغبتنا في التعلم، فالإنسان كائن اجتماعي ووجوده داخل مجموعة –في المدرسة أو في غيرها- وشعوره بالقبول والتقدير من هذه المجموعة يزيد شعوره بالمتعة، ويدعم عملية التعلم.

تتزايد الدراسات التي تربط بين التعلم والعوامل الوراثية، وقد كشفت تأثير العوامل الوراثية بنسبة 62% في عملية التعلم، إلى جانب تأثير العوامل النفسية ونسبة الذكاء، وهو ما دفع المعلمين إلى تخفيف الضغوط على بعض الطلبة للحصول على درجات مرتفعة، إذ لا يعني التعليم المتساوي تكافؤ الفرص أمام الجميع، كما سعى البعض لعمل مقاربة شخصية لتوفير الدعم اللازم لكل طفل وفقًا لاحتياجاته.

مجال جذاب ولا أحد ينتظر نتائج مؤكدة

يواجه الباحثون في هذا المجال مشكلات تتعلق بتمويل مشروعاته نظرًا إلى تعدد تخصصاته، وتُوجه إليه بعض الانتقادات بينها كلفته العالية مقارنة بما يحققه من نتائج، فالتصوير بالرنين المغناطيسي يكلف آلاف الجنيهات، لكن هذا الانتقاد في حدّ ذاته دفع القائمين على هذا التخصص إلى تحديد مجالات دراستهم، وبلورة أهدافهم، والتفكير بعناية في الأولويات، وكيفية إجراء الأبحاث.

Embed from Getty Images

أحد الانتقادات الأخرى هو أن النتائج التي تم التوصل إليها لا تزال أولية، ومع ذلك فهي تبدو مغرية بحيث يسعى المعلمون لتطبيقها، لكن ما نسمعه مثلًا عن الذكاءات المتعددة، وأساليب التعلم، والتحفيز، وأوقات الانتباه لا يكون صحيحًا دائمًا كما يوضح بعض علماء الأعصاب، ومثل هذه النظريات والمعلومات ونتائج التجارب لا تنتقل إلى بيئات التعلم انتقالًا صحيحًا، إذ لا تزال تتردد بعض النظريات التي فقدت مصداقيتها، ربما يكون أبرزها وجود ذكاءات متعددة: لغوي، ومنطقي، ورياضي، وموسيقي، وجسدي أو حركي، وأن الطفل قد لا يمتلك كل هذه الأنواع، وقد يتفوق في أحدها دون البقية، فهذه النظرية التي قدمها عالم النفس الأمريكي هوارد جاردنر في عام 1983، اعتمدت على تحليل سير العباقرة مثل: أينشتاين، وبيكاسو، وهو ما لا يعتبر دليلًا علميًّا، وكما توضح آنا فورس أستاذ أصول التدريس في جامعة برشلونة فالدماغ لا يعمل في المجالات المختلفة بشكل منفصل، والحقيقة أن للذكاء عدة أبعاد.

أحلام العلماء.. هل تبدو ممكنة؟

لا يزال هذا المجال يتحسس خطواته، والقائمون عليه يطمحون أن يحقق الكثير في المستقبل، فالمأمول أن تستخدم البيانات الفردية حول بنية الدماغ ونشاطه لفهم نقاط القوة والضعف لكل متعلم. بحيث تستخلص أساليب التعلم الشخصية وتضع خططًا للتعلم الفردي، ويذهب خبراء آخرون أبعد من ذلك فيأملون في التوصل إلى رسم خريطة كاملة للروابط بين الخلايا العصبية في الدماغ لاكتشاف كيفية حدوث التعلم، وبالتالي تطوير استراتيجيات بيولوجية لتحسين التعلم، وربما يتبع ذلك التوصل إلى أدوية لتحفيز المعرفة، و الذكاء المعزز، والتكامل مع أجهزة الذكاء الاصطناعي.

لكن الحديث عن هذا الأمر مبكر جدًا، وتحقيقه لا يبدو قريبًا فلدى الدماغ البشري 100 مليار خلية عصبية، يتصل كل منها بـ10 آلاف خلية أخرى، ورغم كل ما تحقق من فهم لعمل الدماغ فأمامنا الكثير لدراسته قبل أن نتمكن من فهم أنشطة 86 مليار خلية عصبية، وتريليون وصلة بينها، تشكل في النهاية كل فرد منا على ما هو عليه.

المصادر

عرض التعليقات
s