في السابع عشر من شهر مايو (أيار) لعام 1749 لم يكن يخطر على بال ستيفن جينر، قِس مدينة بيركيلي بالمملكة المتحدة أن ابنه إدوارد الثامن من بين 9 أبناء والذي ولدته زوجته اليوم سيصبح «أبو المناعة» ومخترع أول لقاح وواحدًا من أعظم الأطباء في تاريخ البشرية. يرجع إليه الفضل في تَخَلُص ملايين الناس من خطر العمى والموت بمرض الجدري؛ أحد أكثر الأمراض فتكًا على مرّ العصور.

الجُدَرِي (Smallpox): الطاعون الأحمر


إدوارد جينر
الجدري مرض فيروسي بالغ الخطورة، شديد العَدْوَى يسببه فيروس الجدري (Variola) وينتقل من المصابين إلى الأصحاء من خلال رذاذ المريض وقطرات من الغشاء المخاطي للفم والأنف وكذلك من استنشاق الفيروس في الهواء وفي الأماكن المغلقة كالقطارات ومن خلال النبات والحيوان.


يتسبب مرض الجُدَرِي في تكون بثور (طفح) على جلد المريض وندوبات دائمة على الجسم بالإضافة إلى مضاعفات خطيرة كالتهاب القرنية وتدمير العصب البصري وهو ما يؤدي للعمى، والتهاب المفاصل، وتورم العظام، والموت. من أبرز الشخصيات العربية التي ماتت بسبب هذا المرض: أبو العلاء المعرّي رهين المحبسين، الشاعر والفيلسوف والأديب العربيّ الكبير. أُصيب بالجدري في الرابعة من عمره وأدى ذلك إلى إصابته بالعمى بعد ذلك، مما جعله يمضي الأعوام الأخيرة من حياته في وحدة وانعزال عن الناس إلى أن تُوفي بالمرض.


كذلك قضى الجدري على حياة كل من:
– لويس الخامس عشر ملك فرنسا. (1710-1774)
– ماري الثانية ملكة إنجلترا (1662-1694)
– جانيت باركر. مصور فوتوغرافي فرنسي وهو آخر شخص في التاريخ تُوفي نتيجة مرض الجدري عام 1978.

يجدر التنويه إلى أنّ هناك خطأ يقع فيه كثير من الناس في التفرقة بين الجديري المائي والجدري. الجديري المائي يصيب غالبية الأطفال في صغرهم وهو مرض فيروسي بسيط، يسهل التعامل معه والشفاء منه، أما الجدري فهو مرض فتّاك انتشر قديمًا بين البشر.

 

ما فعله الجدري بالبشرية


إدوارد جينر

يعتقد أن أول ظهور للجدري على ظهر الأرض كان قبل 10 آلاف سنة، وأول دليل عمليّ على وجوده كان في مومياء رمسيس الخامس أحد فراعنة مصر والذي مات قبل أكثر من 3 آلاف سنة (1145 ق.م). تسبَّب الجدري في وفاة نصف مليون شخص بشكلٍ سنويّ في أوروبا وإصابة أكثر من ثلث المرضى بالعمى، ووفاة ما نسبته 80% من الأطفال الحاملين للمرض.

لم يتوقف الجدري عند هذا القدر من الدمار، ففي القرن العشرين وحده قضى الجدري على حياة أكثر من 500 مليون إنسان، وفي عام 1967 أعلنت منظمة الصحة العالمية وجود 15 مليون حالة جدري عبر العالم توفي منهم في نفس العام 2 مليون مريض.


ولم يُعرف للجدري أي علاج حتى الآن كما يُصنف على أنه واحد من أكثر الأمراض المميتة التي أصابت البشرية عبر التاريخ.

 

ما فعله إدوارد جينر للبشرية


إدوارد جينر
نشأ الفتى إدوارد في بيت قسيس مما أتاح له فرصة الحصول على تعليم جيد أهله للوصول للطب فيما بعد، وأظهر منذ صغره اهتمامًا كبيرًا بالطبيعة والعلوم وتأثر بما وجده حوله من آلاف الحالات المستعصية التي انتهت إلى العمى أو الموت أو التشوه الدائم للجسم نتيجة إصابتها بالجدري. وهو ما دفعه للتفكير بشكل مختلف وبَذْلِ كلَ جُهدٍ لإيجاد حل لوقف توغل هذا المرض بين البشر؛ وهو ما كان له بالفعل.

 

صُدفة لا تأتي إلا لمستحقيها


الجدري نوعان؛ الجدري المُصيب للبشر وجدري البقر، وهو نوع أخف وطأة من جدري البشر وغير مميت ويمكن الشفاء منه. بينما كان جينر يتمشى ذات يوم في مزرعة للأبقار أخبرته إحدى حلابات اللبن أنها قد أصيبت بمرض جدري البقر غير الضار وأنها الآن لا يُمكن أن تصاب بالجدري.


ملحوظة عابرة قد تمر مرور الكرام على أي شخص وقد يصدقها أو لا، إلا أن جينر الذي كان مثالًا للطبيب العبقريّ الفذّ أخذ المعلومة على محمل الجد وبدأ سلسلة من الدراسات والأبحاث المطولة لدراسة العلاقة بين التعرّض السابق لجدري البقر والمناعة ضد الجدري.


إدوارد جينر
سافر إدوارد إلى البلدان المجاورة للبحث عن أشخاص أصيبوا بجدري البقر وبالفعل وجدهم وعند سؤالهم عمَّا إذا كانوا أصيبوا بعد ذلك بمرض الجدري أتت الإجابات كلها بالنفي، ما ألهم الطبيب الكبير بأن هناك شيئا ما في جدري البقر يعطي مناعة ضد الجدري، لكن كيف يختبر ذلك؟


لم يكن أمام جينر من حل إلا حقن شخص بجدري البقر ومن ثمّ إعادة حقنه بالجدري للتأكد من أنه أخذ مناعة كاملة ضده، وهو أمر بالغ الخطورة إذ أنك تقامر على حياة إنسان ستقوم بحقنه بالجدري بيديك لكن جينر أخذ زمام المبادرة وقرر اختبار نظريته على أرض الواقع.

تاريخٌ استثنائيّ

في صيف عام 1796 أصيبت إحدى حلابات الأبقار بمدينة بيركيلي بالمملكة المتحدة بمرض جدري البقر فأخذ الطبيب إدوارد جينر البثور من على يديها وقام بأول عملية تطعيم في تاريخ البشرية، فحقن البثور في دماء ابن خادمه «جيمس فيليبس». بعد ذلك حقن إدوارد الطفل متعمدًا بالجدري، الأمر الذي راهن فيه على كل أبحاثه ودراساته وحياته العملية فإما أن لا يصاب الطفل بأي سوء وإما أن يُصاب بالجدري ومضاعفاته من العمى والموت في نهاية الأمر.


لكن النتيجة جاءت كما يتمناها إدوارد ووالد الطفل فلم يُصب بأي سوء ومن هنا ثبتت فعالية هذا اللقاح الذي يُعد الأول من نوعه على مستوى العالم، وأنقذ إدوارد بذلك ملايين الأطفال من إصابتهم بالجدري وذلك باكتشافه لهذا اللقاح. ومن هنا أتت فكرة التطعيم (vaccination) والمُشتقة من الكلمة الإيطالية (vaca) أي البقرة، كدلالة على جدري البقر الذي استُخدم في صناعة أول لقاح في التاريخ.

إدوارد جينر

تمثال جينر.

 

حظي جينر بتكريم كبير في بلده وعبر العالم فأصبح عضوًا داخل المجتمع الملكيّ البريطاني، وأطلق عليه العالم لقب «أبو المناعة»، وتم تحويل منزله الذي طعّم فيه الطفل، إلى متحف صغير فيه كل إنجازاته، كما وضعته BBC ضمن قائمة أعظم 100 بريطاني على مرّ العصور.

«لا يوجد بشريّ مطلقًا قد عاش وأنقذ حياة الناس في التاريخ أكثر من إدوارد جينر» *أندرو مار معدّ ومقدم السلسلة الوثائقية تاريخ العالم عبر الـBBC

 

نهاية الجدري


إدوارد جينر
بعد محاولة إدوارد الناجحة تم تصنيع اللقاح عبر العالم وتناوله الملايين من الناس، فطعّم نابليون جيشه به وكرّم جينر، كما تناوله الرئيس الأمريكي جيفرسون وطعّم أهل بيته، وكذلك بدأت دول العالم في حملات صحيّة مكثفة للتطعيم ضد الجدري. وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية نجحت تلك المساعي في خفض نسبة المصابين به ومن ثمّ القضاء عليه.

 

وانتصرت البشرية


بعد حواليّ مائتي عام من اكتشاف اللقاح أعلنت منظمة الصحة العالمية عام 1980 القضاء نهائيًا على الطاعون الأحمر، وانتهاء وجوده تمامًا من على سطح الأرض. وهو المرض الوحيد في التاريخ الذي مُحيّ تمامًا من على وجه الأرض.

إدوارد جينر

منزل إدوارد جينر الذي شهد أول عملية تطعيم في تاريخ البشر

 

لا يوجد في زماننا هذا طفلًا لم يتلق تطعيمًا ضد مرض ما وفي مرحلة عمرية معينة من حياته، ولا توجد أمّ لم تذهب يومًا إلى مراكز الصحة لتطعيم أبنائها ضد الأمراض، هذا كله يرجع الفضل فيه لأن شخصًا واحدًا آمن بحرية البحث والتجربة والدراسة والاختبار، وامتلك الشجاعة الكافية والمهارة اللازمة والعلم المستفيض لتطبيق أفكاره؛ هذا الشخص هو الطبيب الإنجليزي إدوارد أنتوني جينر.

عرض التعليقات
s