تنتشر الآن الكاميرات المعتمدة على تقنية التعرف إلى الوجه بشكل متزايد، في العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم؛ إذ أصبح الناس تحت المراقبة بصورة غير مسبوقة ولم يشهد لها التاريخ مثيلًا من قبل، سواء في المتاجر، أو في وسائل النقل العام، أو في أماكن عملهم. الأمر الذي فتح نقاشًا حول انتهاك خصوصية الناس، وتراجع مساحة الحرية الفردية بشكل متزايد.

لكن في المقابل، قد يبدو استخدام هذه التقنية مبررًا؛ كونها تساعد في تطبيق القانون، وتعقب المجرمين، وجعل حياة المواطنين العاديين أكثر أمانًا. لا تتوقع أننا سنتحدث هنا عن هذه الجدلية بين فوائد استخدام هذه التقنية وعيوبها، التي قد تؤثر سلبًا في حياة الناس أيضًا. نحن سنركز هنا على زاوية مختلفة تتعلق بتأثير هذه المراقبة والملاحظة المستمرة على المواطنين في سلوكياتهم، وكيف يمكن أن تتغير طريقة تفكير الناس إذا ما وجدوا أنفسهم تحت هذه الرقابة الدائمة؟

كاميرات المراقبة وتغيير السلوك للأفضل

من السهل أن نتخيل أن المراقبة عبر الكاميرات المنتشرة في كل مكان ستغير بالفعل سلوك الناس. في كثير من الأحيان تكون هذه التغييرات للأفضل. على سبيل المثال، أظهرت الأبحاث أنه عند وجود ملاحظة دائمة، يتبرع الناس بالمزيد من الأموال للجمعيات الخيرية، بل يغسلون أيديهم باستمرار أكثر لمنع انتقال الأمراض. هنا يظهر بوضوح كيف أن هذه النتائج الإيجابية تصب بالتأكيد في مصلحة الجميع، وطالما تُتَّبع لوائح الخصوصية بصرامة، فيبدو أن مراقبة الناس المتزايدة تعد إيجابية للمجتمع ككل.

أثبت علم النفس الاجتماعي أن الناس يتصرفون بطريقة مختلفة عند الوقوع تحت تأثير الاهتمام الاجتماعي، أو المراقبة الدائمة من الأشخاص، أو حتى الكاميرات، مقارنةً بالوقت الذي يكونون فيه بمفردهم. أولًا وقبل كل شيء، فإن هذا الاهتمام الاجتماعي يؤثر في أداء الناس وسلوكهم الشخصي من خلال زيادة المخاوف المتعلقة بالسمعة. بالنسبة للكاميرات، فإنها تعد بمثابة تذكير للإنسان بالاهتمام الاجتماعي، وأن هناك من يتابعه ويراقب أفعاله، وهو ما يؤدي إلى تأثير مقابل في سلوكه، حتى عندما لا تكون سمعة الناس على المحك.

الرقابة الدائمة وتغيير التفكير أيضًا

مع ذلك، يشير أحد الأبحاث إلى نتيجة أخرى كانت مهملة حتى وقت قريب في النقاش العلمي العام، حول زيادة المراقبة وانتشارها. إذ لاحظ الباحثون في العديد من التجارب التي أجروها، أن التغييرات التي تحدثها المراقبة الدائمة للناس لا تغير ما يفعلونه فحسب، بل تغير أيضًا الكيفية التي يفكرون بها. على وجه التحديد، وجد الباحثون أن الناس عندما يعلمون أنهم مراقبون، فإنهم يرون أنفسهم وينظرون إليها من خلال عيون المراقب (أو من خلال عدسة الكاميرا على سبيل المثال).

ومن خلال تبني وجهة نظر المراقب، بالإضافة إلى منظورهم الخاص، ينظر الناس إلى أنفسهم كما لو كانوا تحت عدسة مكبرة. ونتيجة لذلك، فإن الأفعال التي يفعلها الناس تبدو أنها مكبرة. على سبيل المثال، طلب الباحثون من بعض المتطوعين تناول بعض الرقائق أمام الكاميرا، في حين تناول آخرون الطعام نفسه دون مراقبة. بعد ذلك ظن المتطوعون المرصودون أنهم أكلوا كميات أكبر؛ لأن سلوكهم ارتبط بشعورهم كما لو أنهم تحت عدسة مكبرة.

Embed from Getty Images

(أنت مراقب في كل وقت ومكان)

قد تبدو هذه النتيجة بمثابة ضمان إضافي غير ضار لزيادة عمليات المراقبة، بالإضافة إلى فوائدها الأخرى. ومع ذلك، وجد الباحثون أنماط تفكير أكثر إثارة للقلق تظهر عندما يكون الناس تحت المراقبة. على سبيل المثال، طلب الباحثون من المتطوعين إجراء اختبار، وبالطبع قدم المتطوعون بعض الإجابات الخاطئة. بالنسبة لأولئك المعتقدون الذين كانوا تحت المراقبة أثناء الاختبار، اعتقدوا أنهم قدموا إجابات خاطئة أكثر من المتطوعين غير المراقبين، رغم أنه في الواقع لم يكن هناك فرق بين مجموعات المتطوعين.

وبالتالي، بالنسبة للمتطوعين الذين كانوا تحت المراقبة، ظهرت الأخطاء بشكل أوضح في أذهانهم. حدث الشيء نفسه عندما راقب الباحثون اللاعبين في إحدى الرياضات. هؤلاء اللاعبون الذين خسرت فرقهم، ظنوا أنهم مسؤولون شخصيًّا عن الخسارة بشكل أكبر عندما كان يشاهدهم متفرجون في الملعب وهم يلعبون. هذا يدل بشكل واضح كيف أن الأخطاء المرتكبة تتعاظم في ذهن الشخص عندما يكون تحت مراقبة الآخرين. وبعبارة أخرى، تغير المراقبة في كيفية تفكير الناس في سلوكهم.

آثار طويلة لمراقبة الكاميرات في البشر

لكن العلماء لا يعرفون حتى الآن ماذا يعني هذا التأثير المكبّر لأفكار الناس ومشاعرهم على المدى الطويل. لكن نحن نعرف أن الشعور بأن أخطاء المرء وإخفاقه قد تلوح في الأفق يمكن أن يضر بثقة الفرد واحترامه لذاته. وبالمثل، قد تبدو الأخطاء البسيطة ذات خطورة أكبر إذا ما وقعت في وجود مراقبة مستمرة. يمكنك أن تتخيل شعورك وأنت متجه من منزلك إلى محل البقالة في المبنى المجاور، وأنت ترتدي ملابس النوم، من أجل شراء حاجيات عاجلة، بالتأكيد سيكون شعورك بالخجل أكبر عندما يلاحظك عدد من الناس في الطريق.

نظرًا إلى أن مراقبة الكاميرا أصبحت أكثر شيوعًا، فإن المواطنين المهتمين بالخصوصية مطمئنون إلى أن معظم تسجيلات الكاميرا لا تجري مشاهدتها أبدًا، أو أنه يجري محوها بعد فترة قصيرة. ومع ذلك، ظهر لنا مما سبق وجود عواقب نفسية لزيادة عمليات الملاحظة والمراقبة هذه. قد تستمر هذه التأثيرات في أفكار الناس ومشاعرهم، حتى بعد فترة طويلة من مسح شريط الكاميرا.

«ابعد عن الشر».. هذا ما تفعله بنا المراقبة

هل يتصرف الناس بشكل مختلف عندما يعتقدون أنهم مراقبون؟ وهل يمكن تغيير سلوك كل السكان عن طريق الوعي بأنك مراقب؟ الآن تبدو إجابة هذه الأسئلة واضحة، نعم يمكن أن تؤثر المراقبة في سلوك الإنسان للأفضل. عام 2013، كشف المقاول السابق بوكالة الأمن القومي، إدوارد سنودن، عن وجود مراقبة جماعية للمواطنين الأمريكيين. هذا الكشف كان فرصة لبعض الباحثين بجامعة أوكسفورد لدراسة تأثير الرقابة في سلوك الأمريكيين عبر الإنترنت.

الدراسات وثَّقت وجود انخفاض مفاجئ في عمليات البحث في ويكيبيديا عن بعض الكلمات الرئيسية المرتبطة بالإرهاب، مثل تنظيم «القاعدة»، و«حزب الله»، والقنبلة القذرة، والأسلحة الكيماوية والجهاد، وذلك بعدما كشفه سنودن. بعد مرور أكثر من عام، عندما انتهت الدراسة، كانت عمليات البحث هذه ما تزال في انخفاض، رغم عدم وجود أدلة على محاكمة الأشخاص أو معاقبتهم لوصولهم إلى مثل هذه المعلومات.

الباحثون رأوا أنه من غير المرجح أن الخوف الفعلي من المقاضاة يمكن أن يفسر سر هذا التراجع تفسيرًا كاملًا، لكن التفسير الأفضل هو «الرقابة الذاتية». هذه النوعية من الدراسات تدل على الآثار الاجتماعية السلبية التي يطالب بها العلماء أحيانًا. المراقبة هنا يمكن أن تتسبب في تأثيرات تقشعر لها الأبدان، حتى في ظل الأنظمة الديمقراطية، من خلال ردع الناس عن ممارسة حقوقهم، بما في ذلك حرية القراءة والتفكير، والتواصل والوصول للمعلومات.

بكلمات أخرى، فحقيقة أنك لن تفعل أشياء، وأنك ستخضع للرقابة الذاتية، هي أسوأ الآثار المترتبة على انتشار الرقابة وكاميرات المراقبة وغيرها. الحكومات بالطبع تعرف هذا. لذلك تبني الصين مراقبتها للناس على هذه الحقيقة. إنها تريد أن يخضع الناس للرقابة الذاتية؛ لأنه يعلم أنه لا يمكن أن يوقف الجميع. الفكرة هي أنه إذا كنت لا تعرف مكان خط الوقوف، وكانت عقوبة عبوره شديدة، فستبقى بعيدًا عن ذلك. هذه إحدى وسائل التكيف عند الإنسان.

تكنولوجيا

منذ شهر
ليست بلاد الخصوصية.. لماذا تتجسس أمريكا على طلابها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد