“لا أريد أن أكون سببًا في الاقتتال بين الليبيين!”، ولذلك فهو يقدم اليوم استقالته من رئاسة وزراء ليبيا، بعدما تقلد المنصب لأيام قليلة فقط عندما كلفه (البرلمان) بالمهمة خلفًا لعلي زيدان، رئيس الوزراء الذي أقيل من مهامه على خلفية ناقلة النفط المهرب الكورية.

نفق مظلم!

بتلك الكلمات القليلة فسر رئيس الحكومة الليبية المؤقت ووزير الدفاع، عبد الله الثني، إقدامه على تقديم استقالته بعد أيام فقط على توليه المهمة “مؤقتًا” لأجل تشكيل حكومة في انتظار إجراء انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة تجنب البلاد من “النفق المظلم” الذي توجد الكثير من المؤشرات على دخول بلاد عمر المختار فيه ما لم يحتكم الجميع إلى العقل.

رئيس الحكومة الليبي المستقيل عبد الله الثني

عبد الله الثني الذي جاءت استقالته كرد فعل على تعرضه وهو برفقة أسرته لـ”هجوم مسلح”، وبالرغم من أنه أكد في بيان الاستقالة على أنه سيستمر في “تسيير الأعمال” ريثما يتم تعيين رئيس وزراء جديد، فإنه يبدو أن صعوبة إدارة المرحلة جعلته يقرر النأي بنفسه، حتى لا يكون مصيره كمصير سلفه علي زيدان الذي فضل الفرار خوفًا على نفسه وعلى أهله، ولعل ذلك ما لخصه “الثني” بقوله إنه “لا يرضى أن تسفك قطرة دم واحدة بسببه”.

ويبدو أن هناك من الساسة الليبيين في طرابلس من هو قادر على التقاط كلام “الثني” بسرعة وفهم معانيه، ولعله كان يقصد الغضب المتواصل في الشارع الليبي في إطار عصيان مدني انتقلت عدواه إلى العديد من المدن والمناطق الليبية، حيث يطالب المحتجون – ومنهم من هو مسلح – بإنهاء مهام المؤتمر الوطني العام (البرلمان) وبرحيل الحكومة الحالية التي يرأسها عبد الله الثني.

عصيان مدني؟

مِن الذين فهموا سبب تقديم “الثني” استقالته هناك رئيس مجلس طرابلس المحلي، سادات البدري، الذي اعتبر، في بيان له، أن حادثة الاعتداء هي إحدى الحلقات اليائسة في مسلسل إسقاط الشرعية ومحاولة للدخول بالبلاد في نفق مظلم، دون أن يتردد في اتهام “من يدعون للعصيان المدني في طرابلس” بالوقوف وراء الحادث الذي أرغم رئيس الوزراء على “التنحي”.

عناصر ليبية مسلحة

وبرأي البدري دائمًا فإنه “بعد أن باءت محاولاتهم بالفشل في إدخال مدينة طرابلس فيما أسموه بالعصيان المدني، هاهم اليوم يحاولون إعاقة تشكيل حكومة جديدة لِما تبقى من المرحلة الانتقالية الثانية”، داعيًا إلى إخلاء المدن الليبية من التشكيلات المسلحة.

والواقع أن المجلس المحلي للعاصمة هو محسوب على دعاة استمرار وبقاء “الوضع” السياسي على ما هو عليه إلى “إشعار آخر”، أي أن هذا المجلس هو ضد إنهاء ولاية المؤتمر الوطني العام (بمثابة برلمان) الذي تُسيطر عليه قوى إسلامية، والذي انتهت ولايته في 17 فبراير الماضي قبل يتم التمديد له، ومع تشكيل حكومة انتقالية “جديدة” يترأسها عبد الله الثني، وهو ما خرج ضده دعاة “العصيان المدني” الجديد، الذين منهم من لا يخفي سلاحه وهو يسيطر على هذا المرفق العام أو ذاك لأجل “إرغام” السلطات على تحقيق ما يطالب به المحتجون، كما يرون.

لذا يبدو أنه من الطبيعي أن يرفض ويشجب الاعتداء على رئيس الوزراء “الثني” وإرغامه على تقديم استقالته، ما يمكن أن يقرأ فيه البعض، مزيدًا من “خلط” أوراق ساسة طرابلس، الذين لا قبل لهم بمزيد من الفراغ السياسي، المفترض أن يخلفه إقدام رئيس الوزراء المكلف على الاستقالة.

الدولة!

فوضى انتشار السلاح في ليبيا

هذا الموقف المؤيد لاستمرار الأوضاع، بما لها وما عليها، بالرغم من أن ذلك لا يخدم الوضعية الأمنية التي باتت حتى القوى الدولية تطالب بتحسينها وتحذر من مخاطر استمرار التردي الأمني وانتشار السلاح، يبدو أنه يريد استثمار ما تم تحقيقه في الأيام الأخيرة من نتائج على مستوى إقناع بعض المجموعات المسلحة لرفع يدها عن عدد من الموانئ النفطية، وهو ما قد يخدم أجندة هذا الفريق السياسي وتحقيق مكاسب جديدة على الأرض في ظل اشتداد الصراع والتجاذب على المستوى المحلي، وأمام تزايد الأصوات الدولية والإقليمية المطالبة بضرورة الإسراع بتشكيل حكومة مستقلة!

لكن يبدو أن “المفاجأة غير السارة” التي حملتها استقالة عبد الله الثني إلى المسئولين في طرابلس، من شأنها أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا شك أنها ستشجع أكثر المتظاهرين، سواء منهم السلميين أو الذين يهددون باستعمال الأسلحة، على المضي قدمًا في “العصيان” المدني الذي بدأوه من مدينة بنغازي، مهد الثورة الليبية، وانتقل إلى طرابلس وغيرها من المدن في أقل من أسبوع، وذلك لتحقيق ما يطالب به الشارع هذه الأيام وترفضه النخبة، وهو “إسقاط” المؤتمر الوطني العام (البرلمان) والذهاب إلى انتخابات سابقة لأوانها؛ فهل ستنجح “النخبة” هذه المرة في تهدئة الشارع، وهي التي تعاني فراغًا تلو فراغ في السلطة إلى درجة جعلت سياسيًّا كبيرًا – هو محمود جبريل – ينفي أي وجود لـ”الدولة” في ليبيا أصلاً؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد