قد يقوم ابنك المُراهق بتصرفات كارثية تضره بشكل مباشر أو تضر أحد الأشخاص من حوله، ومن السهل حينها أن تطلق العنان لغضبك وتنفجر في وجهه، بانتقادات وكلام سلبي لا ينساه طول عمره، رد الفعل هذا لا يُصلح الخطأ الذي ارتكبه ولا يضمن في المستقبل عدم تكراره، وسيعقّد الغضب الموقف ويدفع الابن للتمرد والرفض أكثر، ومع تكرره قد تتدهور العلاقة بين الأب وأبنائه. تابع قراءة السطور التالية للتعرف على الكيفية الفعّالة والمناسبة تربويًا لمعاقبة الأبناء المُراهقين دون تخريب علاقة الآباء بهم.

أهمية اختيار العقاب المُناسب

تخيل أن ابنك لا يُعاقب أبدًا، يفعل ما يحلو له، ويسيء التصرف وتُصلح أنت أخطاءه من بعده، كيف سينمّي الابن في هذه الحالة شعورًا بالمسؤولية أو تحسّبًا لعواقب أفعاله؟ وكيف سينمّي قدرته على التعامل مع المشكلات، أو الاعتراف بالخطأ والعمل على إصلاحه؟ كل القيم والمهارات الحياتية السابقة لا يستطيع اكتسابها الابن المُدلل الذي لم يجرّب عواقب أفعاله.

وعلى الطرف النقيض تمامًا للصورة السابقة، إذا كُنت تُعاقب ابنك عقابًا شديدًا وقاسيًا على أي خطأ يرتكبه، وتعتقد أنك تؤدبه هكذا وتُحمله المسؤولية، فهذا خطأ أيضًا وقد يدفعه إلى التمرد والكذب أو إخفاء الأشياء عنك.

Embed from Getty Images

ولذا من المهم أن يعرف الوالدان كيف يختاران وسيلة العقاب المُناسبة عندما يسيء الابن التصرف، بلا إفراط ولا تفريط في العقاب، وليكن الهدف هو ضمان عدم تكرار الخطأ، والتأكد من تمكين ابنك من اتخاذ خيارات أفضل في المستقبل أو التعامل مع مواقف مماثلة بشكل أفضل.

إستراتيجيات فعّالة لاختيار العقاب المُناسب لابنك المُراهق

هناك بعض الإستراتيجيات التي تُمكنك من اختيار طريقة العقاب المُناسبة على الخطأ، منها:

  • الهدف من العقوبة هو حل المشكلة

كما سبق الذكر، الهدف من العقاب ليس إيلام الابن ولا تفريغ الغضب، ولكن الهدف ألا يتكرر هذا الخطأ في المستقبل، وأن يعرف الابن أن للخطأ عواقب يجب تحملها والعمل على حلّها.

فمثلًا: إذا أخذ الابن السيارة دون علم والديه، وقادها بتهور وأتلف جزءًا منها باصطدام أو حادث، فهذا تصرّف سيئ ورُبما تكون له نتائج أخطر مثل تعريض حياته أو حياة غيره للخطر. أولًا، يجب أن يفهم الابن هذه العواقب وأن يعرف أبعاد الخطأ الذي ارتكبه وحتى يفهم الابن سبب قلقك أو غضبك. ثانيًا، يجب أن يكون الابن مسؤولًا عن العواقب وسيشارك في عملية إصلاح ما حصل. ففي حالة السيارة، سيدخر الابن من مصروفه ليصلح ما أتلفه، وسيذهب إلى ورشة السيارات وسيحضر خطوات عملية إصلاح السيارة، وبهذه الطريقة يُدرك أن لكل فعل عواقب، وأن الأخطاء لها ثمن سيدفعه بنفسه.

تربية

منذ سنة واحدة
هل يعاني ابنك المراهق من اضطراب سلوكي؟ هذا ما قد يساعده

من المهم أن تترك المجال لابنك ليتعامل مع نتائج أخطائه، ولا تُحاول إصلاحها نيابة عنه، حتى لا يظل باقي عُمره منتظرًا من يحل له مُشكلاته ويُصلح أخطاءه.

  • اختر العقاب المُناسب لحجم الخطأ ولشخصية ابنك

بالطبع من غير المعقول أن يكون العقاب واحدًا لكافة الأخطاء، بل يجب أن يتناسب مع درجة الخطأ، حتى لا يفقد العقاب أهميته، تخيل مثلًا أنك تُعاقبه بشدّة على كل درجات الخطأ بدءًا من كونه قاد سيارتك دون علمك وتسبب في إتلافها، وصولًا إلى كونه لم يُخفض صوت التلفاز حينما طلبت منه، بالطبع هذا خطأ وهذا خطأ، ولكن حجم كل منهما مختلف. فإذا كان العقاب في الحالتين مُتساويًا سيفقد الابن التمييز بين درجات الخطأ، وسيتعلم أن يجلد ذاته على أي خطأ مهما كان بسيطًا، أو سيتبلد تمامًا ولن يفرق معه مدى صعوبة الخطأ الذي ارتكبه وسينتظر في كل الحالات عقابك الذي يعرفه.

الفكرة هنا أن يميّز الوالدان بين أخطاء يمكن أن تمرّ بعقاب بسيط أو دونَ عقاب حتى، وبين أخطاء تستحق التوقف عندها.

ومن ناحية أخرى يجب أن يكون العقاب مُناسبًا لشخصية الابن، فمثلًا قد لا يُحب ابنك ألعاب الفيديو ولا تهمه، فلا تُعاقبه على خطأ كبير بحرمانه من ألعاب الفيديو لمُدّة من الوقت لأنه ليس مهتمًا من الأساس، وهنا يجب أن تكون مُدركًا لشخصية ابنك بدرجة كبيرة لاختيار العقاب المُناسب لشخصيته.

ويجب أيضًا الحرص على ألا يُقوّض العقاب الذي تختاره ثقة ابنك بنفسه، فإذا كان يستمد ابنك ثقته بنفسه بممارسة لعبة رياضية أو بالعزف على إحدى الآلات الموسيقية، فلا يجب أن يكون عقابك مُنصبًا على هذا النشاط لأنه يحبه، فكّر في شيء يكون حرمانه منه ذا قيمة بالنسبة له، وفي نفس الوقت لا يؤثّر في نموه وتطوره الشخصيّ.

  • كن حذرًا في انتقاء كلماتك

رُبما تفقد أعصابك بعد الخطأ الذي قام به ابنك، ولكن احذر من فقدان السيطرة على لسانك، هل تتذكر كلمة سلبية قالها لك أحد والديك في لحظة غضب، وحُفرت داخلك ولم تُغادرك رغم مرور السنوات؟ لا تقل أبدًا أشياء مثل: «أنت لا تفعل شيئًا جيدًا، وأنا لم أعد أنتظر منك سوى الأخطاء»، أو: «إلى متى ستظل عديم الفائدة، ولا يأتي منك إلا المصائب؟!»، هذا الأسلوب قد يدمّر ثقة الابن بنفسه.

Embed from Getty Images

سبّ الابن وإهانته أو شتمه بسبب الغضب، قد تجعل الابن يعتقد أن هذه الأوصاف مُسلمات ويُصدّقها عن نفسه طيلة حياته، أو قد يرى أنك تظلمه ولا تفهمه وتراه سيئًا ويستنتج أنك لا تُحبه، ولتجنب كل هذه السيناريوهات، اختر كلماتك بعناية.

  • لا تتراجع

إذا قررت أن الخطأ الذي قام به ابنك سيكون عقابه الحرمان من ألعاب الفيديو لمُدّة أسبوع، فلا تسمح له باللعب بعد ثلاثة أيام من بدء العقاب، سيتعلم ابنك من هذا أنك لست جادًا، أو أن الخطأ لم يكن يستحق العقاب، وسيعرف أيضًا أن في الأخطاء التالية يمكنه أن يتركك تتكلم وستتراجع وحدك ولن تُنفذ ما تقوله.

  • أشرك ابنك في وضع الحدود والقواعد

هذه نقطة بالغة الأهمية، لتحقيق الالتزام وتحديد الأخطاء حتى قبل وقوعها، عندما يشعر ابنك أنك تستمع إليه وأنك تشرح له الحدود والقواعد التي سيُعاقب على تخطيها، فمن المُرجح أن يرى عقوبتك عادلةً عندما يُخطئ.

وضّح له السلوك الذي تتوقعه منه، وناقش المسؤوليات التي يجب عليه القيام بها، واتفق معه مُسبقًا على العواقب إذا لم يلتزم بالقواعد التي اتفقتم عليها.

يُمكنك أيضًا كتابة قائمة مكتوبة بالقواعد المُتفق عليها، ضعها على الحائط أمام مكتبه أو في أي مكان آخر يراه بشكل مستمر، ويمكن أن تتضمن القواعد المكتوبة ما يلي: «العودة للبيت بحد أقصى الثامنة مساءً وعند التأخر لظرف ما يجب الاتصال هاتفيًا قبل الثامنة»، و«عدم الخروج حتى انتهاء الواجب المنزلي». ويمكن أن تكون العواقب مكتوبة أيضًا، مثل أن التأخر ليلًا دون الاتصال الهاتفي سيجعلك ممنوعًا من الخروج لمُدّة ثلاثة أيام، ويجب أيضًا أن تكون على استعداد لمناقشة ابنك بالقواعد، وتعديلها عندما يُظهر طفلك المسؤولية أو يكبر، ومن المهم الثناء عليه إذا التزمَ بها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد