على كرسي متحرك، جلس الأب المصاب في رأسه، وذراعيه وسط حشد من الناس، الذين يحاولون مواساته في الفاجعة التي ألمت به، يحمل أحدهم زوجته وأبنائه الأربعة ويعطيه إياهم واحدًا تلو الآخر! أولئك الأطفال الصغار الذين كان ينتظر رؤيتهم في ثياب العيد، ها هو يتلقاهم في أكفان الموت البيضاء، ويضمهم إلى صدره باكيًا، ويدفن رأسه في أجسامهم الصغيرة منتحبًا، ثم يطبع قبلةً أخيرة على جباههم بعد أن سلبت الغارات الإسرائيلية أرواحهم ضمن عدد من أطفال غزة المغدورين.

هؤلاء الأطفال كانوا من بين 66 طفلًا قُتلوا خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، الذي أسفر عن سقوط 248 قتيلًا في المجمل، وفقًا لآخر تحديث نشرته وزارة الصحة الفلسطينية.

اعتداءات جيش الاحتلال لم تكن الأولى، فقد خلَّف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019، 34 قتيلًا من بينهم ثمانية أطفال، و109 جرحى منهم 51 طفلًا. وفي 30 مارس (آذار) عام 2018، أدت الاعتداءات الإسرائيلية على المتظاهرين الفلسطينيين خلال مسيرة العودة الكبرى إلى سقوط  316 قتيلًا، من بينهم 62 طفلًا.

قائمة الاعتداءات تطول، وأرواح الأطفال الأبرياء تذهب بلا رجعة. لكن ماذا عمن نجوا من الموت؟ كيف يعيش أطفال غزة في ظل تلك الأوضاع المتوترة؟ وما الآثار التي تخلفها تلك الاعتداءات في نفوسهم؟ وما موقف المجتمع الدولي منهم؟ وهل يهتم أحد بتأهيل أطفال غزة النفسي أو معاناتهم من اضطراب ما بعد الصدمة؟

بين قصف الطائرات والانفجارات.. هكذا يعيش أطفال غزة

على مدى السنوات السبعين الماضية، عانى الشعب الفلسطيني من مجموعة متنوعة من الأحداث الصادمة، التي تزايدت في السنوات الأخيرة. وفقد كثير من الفلسطينيين أرواحهم ومنازلهم خلال القصف الذي يشنه جيش الاحتلال، وتعرضت عديد من المباني للتدمير الكلي أو الجزئي خاصة في قطاع غزة المحاصر؛ تاركةً حشدًا كبيرًا من الشعب لاجئين في الداخل!

يعد قطاع غزة جزءًا مهمًّا من فلسطين التاريخية، ويشكل حوالي 1.33% من مساحتها الإجمالية. بلغ عدد سكانه نحو 2.2 مليون نسمة، حتى نهاية عام 2020، ويُشكل الأطفال دون سن 14 عامًا نسبة 40% من السكان.

يعاني القطاع المحاصر اقتصاديًّا منذ ما يزيد على 14 عامًا، من أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة، من أبرزها زيادة معدلات البطالة، التي بلغت بين الشباب نسبة 65%، بينما يعيش 85% من سكان القطاع تحت خط الفقر، حسبما أعلن جمال الخضري، رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار، في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي.

Embed from Getty Images

وإلى جانب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، يعد الوضع في غزة فريدًا من ناحية تواتر تعرض الأطفال للأحداث الصادمة المرتبطة بالحرب يوميًّا، بسبب طبيعة النزاع طويلة الأمد وتكرر عدوان الاحتلال الإسرائيلي. يقول جيس غنام، أستاذ الطب النفسي في كلية الطب بجامعة كاليفورنيا، والمتخصص في الآثار الصحية للحرب على النازحين، والآثار النفسية للنزاع المسلح على الأطفال: «ما يتعرض له أطفال غزة بانتظام يتجاوز أي شيء، أي شيء يختبره أي طفل في أي مكان آخر في العالم». 

ينشأ أطفال غزة في بيئة مرعبة، يشهدون فيها كثيرًا من الأحداث الصادمة المتعلقة بالحرب، مثل التعرض للإذلال (إما لأنفسهم وإما لأحد أفراد الأسرة)، وسماع صوت الانفجارات المفاجئة، والقصف بالدبابات أو المدفعية أو الطائرات العسكرية، إلى مشاهد جنازات الشهداء، التي تعد أكثر أنواع التعرض للصدمات انتشارًا بين الأطفال الفلسطينيين، وفقًا لدراسة تابعة لمركز الصدمات الفلسطيني.

لذلك؛ ليس من المستغرب أن يلاحظ علماء النفس الإكلينيكي وجود عدد متزايد من الأطفال في هذه المناطق، يعانون من مشكلات نفسية وسلوكية.

مخلفات العدوان الإسرائيلي.. آثار نفسية وعقلية جسيمة

«وصل الوضع إلى منعطف خطير. إن مستوى العنف وتأثيره في الأطفال مدمر. نحن على حافة حرب شاملة. وكما في أي حرب، يعاني الأطفال – كل الأطفال – أولًا ويعانون أكثر». هنرييتا فور، المديرة التنفيذية لليونيسف

في الأماكن التي لم تمسها الحروب، تُحدد الطفولة بمراحل نمو مميزة. أما بالنسبة للأطفال الذين ينشأون في مناطق النزاع، تتميز الطفولة بالصدمة، ويُحدد الخوف حياتهم. وفي فلسطين، يبدو أن التمتع بطفولة طبيعية أمر غير مرجح في ظل الظروف الحالية، وأن مستقبل الرفاه النفسي للأطفال الفلسطينيين معرض للخطر؛ بسبب التجارب المؤلمة المستمرة.

أظهرت دراسة نشرتها مجلة «فرونتيرز سايكاتري»، أن نحو 90% من أطفال غزة والمراهقين في القطاع تعرضوا لصدمات شخصية، في ظل الافتقار للوصول إلى سبل الدعم الخاصة بالصحة العقلية. كذلك، لا يقضي الأطفال الصغار وقتًا كافيًا في اللعب، الأمر الذي يعد أساسيًّا للنمو الصحي؛ وبالتالي لا يبنون مهارات عاطفية واجتماعية مع أقرانهم.

وكشفت عديد من الدراسات عن أن التعرض لتجارب وأحداث حرب صادمة سابقة يعد عامل خطر للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والحزن، والاكتئاب. بالإضافة إلى أعراض التجنب، والتغيرات السلبية في الإدراك والمزاج، والتغيرات في الإثارة والتفاعل، التي ظهرت على كثير من الأطفال الفلسطينيين.

وقد ظهرت على الأطفال أعراض معرفية تتعلق باضطراب ما بعد الصدمة، مثل صعوبات النطق، وصعوبة النوم، وعدم قدرة الطفل على التوقف عن التفكير في الصدمة التي تعرض لها، أو شعوره بأن كل شيء من حوله غير آمن، إلى جانب أعراض عاطفية، مثل شعور الطفل بالوحدة، والمعاناة من الكوابيس، والتوتر والعصبية بسهولة، والشعور بالحزن والخوف، والتبول اللاإرادي. 

ومن الاضطرابات السلوكية الاجتماعية التي عانى منها الأطفال الذين شهدوا أحداث حرب وقصف: السلوك العدواني، ورفض سلطة المعلم أو الوالدين، وصعوبة الاستمتاع بالألعاب والهوايات. وشملت الاضطرابات السلوكية الأكاديمية: صعوبة التركيز على الدراسة، والأداء الأكاديمي السيئ سوءًا متزايدًا، وصعوبة الانتباه في أثناء الدروس المدرسية، والسلوك التخريبي في المدرسة. فضلًا عن الأعراض الجسدية، مثل الصداع، وآلام المعدة.

بين الإعمار والإهمال.. مباني تُشيَّد ونفوس تُقوَّض

في أعقاب الغارات الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، والتي استهدفت البنية الأساسية، والمباني الحكومية، والسكانية ذات القيمة المرتفعة، وفاقمت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدنية بالفعل، والتي لم تكن بحاجة لمزيد من التداعيات السلبية في ظل الحصار وجائحة كورونا؛ ظهرت أصوات منادية بضرورة المشاركة في إعادة الإعمار، مثلما دعا المرشد الإيراني، علي خامنئي، الدول الإسلامية إلى المساعدة في إعادة إعمار قطاع غزة، وأعلنت مصر تقديم مبلغ 500 مليون دولار لإعادة الإعمار في القطاع.  

ولكن إن كان الإعمار يعمل على إصلاح البنية التحتية والمنشآت، فمن يرمم جراح النفس ويسكن أوجاعها؟ الإنسان بالطبع الأكثر أهمية، ويأتي الاعتناء به في المقام الأول؛ فمن أجل الإنسان تُعمَّر الأرض. مع ذلك، لا يبدو العالم مهتمًّا ببرامج الدعم النفسي وإعادة التأهيل لأولئك الذين شهدوا الموت أمام أعينهم، بقدر اهتمامه بمبادرات إعادة الإعمار وبرامج المصالحة. 

وقلما تناولت الصحف العالمية معاناة الأطفال الفلسطينيين ضحايا الاعتداءات الإسرائيلية؛ «بسبب وجود لوبي إعلامي إسرائيلي مكثف ومتضافر منذ القِدم، بالإضافة إلى لوبي سياسي كثيف يعمل على كل المستويات»، وفق ما قالت سارة هيلم، المراسلة السابقة لصحيفة «إندبندنت» البريطانية، في حوار مع «الجزيرة» الإنجليزية. هذا إلى جانب خوف الصحافيين من اتهامهم بمعادة السامية.

Embed from Getty Images

وفي الوقت الذي تملك فيه بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية متخصصين اجتماعيين لدعم الأطفال الذين يقعون ضحايا العنف المنزلي هناك، لا نراها تُحرك ساكنًا تجاه العنف غير المبرر الذي يتعرض له أطفال غزة وفلسطين، وغيرها من البلدان المنكوبة. 

علاوة على ذلك، نجد اختلافًا ملحوظًا في مستوى الخدمات في الأراضي التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي؛ إذ يتوفر للأطفال الإسرائيليين القدرة على الوصول إلى ملجأ من القنابل، والوصول إلى نظام رعاية صحية متكامل يشمل خدمات الصحة العقلية، وغيرها من عوامل الحماية التي توفرها إسرائيل لمواطنيها، والتي يفتقر إلى أبسطها أطفال غزة المحاصرة والداخل الفلسطيني المحتل.

الأطفال في قطاع غزة بحاجة ماسة إلى خدمات نفسية، واجتماعية، وطبية في مجالات الوقاية، والإرشاد، والتأهيل، والعلاج. ووفقًا لمنظمة «أطفال الحرب» الهولندية الخيرية، لا يزال العنف ضد الأطفال مصدر قلق بالغ، حيث تندر مناطق اللعب الآمنة، ويتعرض الأطفال الذين يلعبون في الشارع لمخاطر الإصابة أو العنف. وتحث منظمة «أنقذوا الأطفال» البريطانية المجتمع الدولي على استخدام نفوذه مع أطراف النزاع؛ للبحث عن مسار عاجل لوقف التصعيد مع استمرار ارتفاع عدد القتلى.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 6 شهور
مترجم: ليالي الصمود في حي الشيخ جراح.. ما يجب أن تعرفه عن تاريخ الحي وسكانه

و«لأنه حتى لو توفرت البنية التحتية، فمن غير المرجح أن تكون الرعاية الصحية النفسية فعالة للغاية في بيئة تستمر فيها الصدمات» حسبما تقول جينيفر لينينج، الباحثة في مركز فرانسوا كزافييه للصحة وحقوق الإنسان بجامعة هارفارد؛ يجب أن تتوفر البيئة المستقرة جنبًا إلى جنب مع الدعم المادي والنفسي حتى تُكلل جهود إعادة الإعمار بالنجاح.

المصادر

تحميل المزيد