مزاعم الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظامه ومؤسسات الدولة، غير كافية للإقرار بأن العهد الذي تعيشه مصر منذ الثالث من يوليو (تموز) 2013 وإلى الآن، عهد حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير والتمثيل السياسي. ولا يتوقف الأمر عند ما يصفه البعض بالانتكاس عن مسار ثورة 25 يناير، حيث الإطاحة بأول رئيس مدني مُنتخب، وهو الرئيس المعزول محمد مُرسي، وبمؤسسات الدولة المنتخبة، بالإضافة إلى تشديد القبضة الأمنية، والتوسع في حملات الاعتقال السياسي حتى وصلت أعداد المعتقلين إلى أكثر من 50 ألفًا، وفقًا لإحصائيات منظماتٍ حقوقية محلية ودولية.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، الذي يبدو وحده مُناقضًا لمزاعم السلطة، لكنه ربما يكون مُتجاوزًا إلى رسم سلطة ما بعد بيان عزل مرسي، لملامح ومحدداتٍ تقليدية ومكررة للطريق نحو «الفاشية» كخطاب سائد ونموذج كلاسيكي للحكم، سبق وأن تداعى في مجتمعاتٍ ودولٍ أُخرى؛ بتناقضاته الداخلية من جهة، وبالمؤثرات الخارجية من أخرى.

«التاريخ يُعيد نفسه مرتين…»

في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1922، وقف بينيتو أندريا موسوليني أمام البرلمان الإيطالي، الذي لم يشمل ضمن نوابه سوى 32 عضوًا فقط ممثلين للحزب الوطني الفاشي. كان موسوليني -الذي عُيّن أخيرًا رئيسًا للوزراء- يُقدّم أعضاء حكومته المشكلة حديثًا، حينما أكّد على احترامه الدستور وسيادة مُؤسسات الدولة. لم يحمل حديثه آنذاك أي إشارات لما ستؤول إليه الأمور على يديه لاحقًا، سوى تلويحه بورقة «الثوار الفاشيين» إذا لم يمنحه البرلمان بعض السلطات التشريعية.

بعد أكثر من 90 عامًا، في 24 يوليو (تموز) 2013، وقف وزير الدفاع المصري آنذاك، عبدالفتاح السيسي، أمام جموع المواطنين من أهالي خريجي الكلية الحربية. خطب السيسي فيهم خطبة عصماء، تضمنت طلبًا توجه به إلى «الشعب المصري» أن يفوضه لمواجهة «الإرهاب المُحتمل» بالتظاهر في الشوارع والميادين الجمعة التالية للخطاب.

ثُمّ في فبراير (شباط) 2015، خرج السيسي في خطابٍ أمام قادة الشرطة والقوات المسلحة، عقب هجمات مُسلحة في سيناء، أودت بحياة عشرات الجنود. خلال الخطاب دعا السيسي المواطنين والعسكريين والشرطيين للثأر لضحايا ما أسماها بـ«العمليات الإرهابية»، وذلك حين قال: «لن أكبل أياديكم للثأر لشهداء مصر».

بصيغة أُخرى تكررت الحالة، في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، خلال ندوة تثقيفية بالقوات المُسلحة، حيث خرج السيسي وقد بدا مُنفعلًا من انتقاد بعض الإعلاميين له ولأداء نظامه مع أزمة غرق مُدنٍ مصرية في مزيج من مياه الأمطار والصرف الصحي. بلهجة تهديد واضحة، قال السيسي لمنتقديه إنّه سيشتكيهم للشعب إذا ما استمروا في «تعذيبه»، على حد تعبيره.

أما سبب وصول موسوليني لرئاسة الوزراء رغم ضعف التمثيل النيابي لحركته في البرلمان، أنّه في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 1922، وخلال احتفالات كانت تجري في مدينة نابولي الإيطالية، صرخ موسوليني في أنصار حزبه: «إما أن تُعطى لنا الحكومة أو أن نأخذ حقّنا بمسيرة إلى روما»، أجابته الحشود: «إلى روما.. إلى روما». وعلى إثر ذلك زحف عشرات الآلاف ممن أطلق عليهم «أصحاب القمصان السوداء» إلى العاصمة روما. كان حدثًا مُرعبًا بما يكفي ليصدر الملك مرسومًا بتعيين موسوليني رئيسًا للوزراء.

يقول هيجل، إن التاريخ يُكرر نفسه، ويُعيد ماركس صياغة العبارة، في كتابه «الثامن عشر من برومير»، قائلًا، إنّه «يُكرر نفسه مرتين، الأولى كمأساة، والثانية كمهزلة»!

هل يُعيد السيسي (يسار) تاريخ موسوليني (يمين) للمرة الثانية؟

الشيء ونقيضه

يُعرف الفيلسوف الإسباني، خوسيه أورتيجا جاسيت، الفاشية بأنّها «الشيء ونقيضه»، ويُفصلها كيفين باسمور، أستاذ التاريخ بجامعة كارديف البريطانية، بوصفها «أيديولوجيا تدعو للعنف باسم النظام، تجذب المتطرفين والمثقفين، وتتبنى نمطًا ذكوريًّا ومع ذلك تروق لكثيرٍ من النساء».

ومع أن الفاشية مفهومٌ خاضع للتأويل بدرجةٍ كبيرة، إلا أنّ هناك ملامح مُحددة تتكرر في التاريخ مع أنظمة حُكم وُصفت بالفاشية أو وَصفت نفسها بالفاشية، واحدة من تلك الملامح تصدير خطابٍ يبدو مُنحازًا للشيء من جهة، ومنحازًا لضده في نفس الوقت من جهة أُخرى، أو بالأحرى: خطابًا يحمل تناقضاته الداخلية، التي يراها البعض كفيلة بتداعيه مع التراكم.

  • يُحارب الفساد بتقليم أظافر الرقابة!

على سبيل المثال، شدد السيسي غير مرة، في لقاءات صحافية وعبر خطابات مُتلفزة، على ضرورة مُواجهة الفساد في مُؤسسات الدولة وفي المُجتمع، على النقيض من ذلك، جرى مُؤخرًا توجيه الاتهامات لهشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، بالتضليل وفقدان المصداقية والتضخيم لحجم الفساد في الدولة. هذه الاتهامات جاءت في تقرير اللجنة التي شكّلها السيسي للتحقيق في صحة ما أعلنه جنينة عن أن حجم الفساد في الدولة وصل في عام 2015 إلى 600 مليار جنيه.

وكان جنينة قد أشار إلى تضخم الفساد في مُؤسسات الشرطة والقضاء التي قال إنّها أصبحت «فوق حكم القانون لترتكب المُخالفات في وضح النهار بدون رقابة أو محاسبة»، قبل أن يُعلن في ديسمبر (كانون الأول) 2015، عن أنّ جهازه لم يستطع القيام بعمله الرقابي على مُؤسسة الرئاسة مُنذ الإطاحة بُمرسي، وذلك بسبب تأخر صدور التصريحات الأمنية اللازمة. بيد أن البعض يرى أن السبب الحقيقي محكوم بانتهاء السيسي من صياغة قانونٍ جديدٍ لتشكيل ديوان الرئاسة، وهو ما حدث بالفعل في نهاية نوفمبر 2015، بحيث منع القانون عرض تقارير «المركزي للمحاسبات» الخاصة بالرئاسة للرأي العام، وهو أمر على العكس تمامًا مما حدث في عهد مرسي.

سابقًا على ذلك، وتحديدًا في يوليو (تموز) العام الماضي، أصدر السيسي قرارًا بقانون رقم 89 لعام 2015، يُجيز له بصفته رئيسًا للجمهورية، إعفاء رؤساء وأعضاء الهيئات والأجهزة الرقابية من مناصبهم، بناءً على أربع حالات، ثلاثة منها مُرتبطة بما يُسمى بهيبة الدولة ومصالحها العُليا، وكلاهما من المفاهيم الأساسية في الأدبيات المُؤسسة للفاشية، حيث التعظيم المُبالغ فيه للدولة باعتبارها كيانًا مُنفصلًا في ذاته عن مواطنيها، بمعنى أن للدولة هيبةً في ذاتها غير مُرتبطة بأي حال بالمواطن وحقوقه السياسية، والفرد وحقوقه الاجتماعية، والإنسان وحقوقه الأساسية.

هذا القانون أثار جدلًا واسعًا، بعد أن اعتبره الكثيرون قد أُعد خصيصًا لإقالة هشام جنينة. لكن ما حدث في الواقع أن السيسي شكّل لجنة تقصي الحقائق التي أنجزت مهامها سريعًا مُقارنة بالمعتاد، وفضلًا عن ذلك، فإن اللجنة التي قدمت تقريرها أخيرًا إلى رئيس مجلس الشعب، مُشكلة من أعضاءٍ في وزارات تُعد في خصومةٍ مع جنينة، كوزارتي الداخلية والعدل، بالإضافة إلى التخطيط.

المثير للاهتمام مع ذلك، هو أن هشام بدوي، نائب جنينة المُعين من قبل السيسي، هو أحد أعضاء لجنة تقصي الحقائق. وفضلًا عن أن بدوي بذلك يتقصى الحقائق عن الجهاز الذي يعمل فيه! فهو يُعد أحد القضاة المحسوبين على تيار وزير العدل المصري ورئيس نادي القضاة السابق، أحمد الزند.

اقرأ أيضًا: هل صار التناقض مشروعًا للدبلوماسية المصرية في عهد السيسي؟

  • ذكورية تروق للنساء

من جهة أُخرى، يكشف لنا نظام السيسي وخطابه، عن ملمحٍ مثير للاهتمام من الملامح التي حددها كيفن باسمور للفاشية، وهو «النمط الذكوري الذي يروق لكثيرٍ من النساء». هذا التناقض الذي يُمكن رُؤيته في  هتاف فنانات مصريات للسيسي: «إنت الأب، إنت الأخ، اخترناك، واحنا وراك»، يُمكن كذلك رُؤيته تحديدًا في شخصية السيسي، الذي قاد عملية الكشوف العذرية وبرر لها، حين كان مُديرًا للمخابرات الحربية، وهو نفسه الذي صرّح قائلًا: «كل بنات مصر إن شاء الله هيبقوا بناتي»!

عقب إدلائها بصوتها في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، صاحت الممثلة المصرية، لبنى عبدالعزيز، بحماس شديد: «كلنا وراك يا سيسي.. كل ستات مصر وراك». قبل ذلك، في سبتمبر (أيلول) 2013، كتبتْ مقالًا لصحيفة الأهرام ويكلي الصادرة بالإنجليزية، تمتدح فيه جسد السيسي وشاراته العسكرية. قالت لبنى: «مظهره الجسدي –والمظهر مهم- لا تشوبه شائبة. يضع شارات رتبته على كتفه كأسلافه العريقين بوافر الفخر». هذا التعبير من لبنى، والمقال بأكمله، يبدو كاشفًا بما يكفي لهذا الملمح المثير للفاشية التقليدية، فالسيسي الذي ينظر للمرأة باعتبارها وسيلة تعبوية، حين قال في تسريب مصور له، إن المتحدث الرسمي السابق للقوات المسلحة، «عُنصر جذب للنساء»، نفسه السيسي المُستبطن لخطابٍ تقليدي وقديم يُفضل تخيّل مصر كامرأة أو «أم الدنيا».

«بصوته المُنخفض، وعبر نظاراته الداكنة، يلعب السيسي عدّة أدوار في الوقت ذاته، فهو مُفسّر الأحلام، والنبي المُنتظر، وكذا المُخلّص. إنّه اليد الغالبة التي تقود، وهو الرجل الذي يمتلك عاطفةً غير محدودة تجاه شعب مصر. إنّه الأب والزوج والابن، وهو جمال عبدالناصر، وأنور السادات. هو رجل الماضي والمستقبل في نفس الوقت. هو شعبيّ لكنه رقيق ومتدين. إنّه أرجل الرجال»، شيرين صيقلي، أستاذ التاريخ ودراسات الشرق الأوسط بالجامعة الأمريكية في القاهرة، تصف هذه الحالة التي يُمثلها السيسي باعتباره «رجل النساء».

لقاء عابر للزمان بين «ألمانيا فوق الجميع» و«مصر أم الدنيا»

للفاشية روح شمولية لا تقبل بالتعددية على أي مُستوى، سواءً كان ثقافيًّا أو اجتماعيًّا أو عبر تمثيل سياسي، ويُمكن رؤية نموذج لذلك متمثل في محاولات «أجهزة سيادية» مصرية تشكيل تكتل برلماني واسع يضم أعضاءً ممثلين لأحزاب مُختلفة، على أن يوقعوا تعهدًا يلزمهم التجرد من انتماءاتهم الحزبية أو الفكرية لصالح «دعم الدولة المصرية»، فضلًا عن ذلك، تُعد «عبادة الزعيم» و«عسكرة المُجتمع» بعض الملامح التقليدية للفاشية، كما يراها روجر غريفين، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة أكسفورد البريطانية.

وسواء عبادة الزعيم أو عسكرة المُجتمع، فالأمثلة عليهما أوضح وأكثر من التعرض لها، لكنّ المحدد الجدير بالاهتمام على ما يبدو، هو الهوس الوطني أو الشوفونية القومية، التي يُمكن استحضارها في الحديث عن مصر تحت سيطرة النظام الحالي، بالإشارة إلى الحس التآمري الذي بات يجمع المثقف والعامي، وكثرة الأحاديث عن المُحاك ضد البلاد من كل العالم، ومن منظمات سرية تستهدف مصر تحديدًا دون غيرها، بعضها قد يكون بالجملة من محض خيال المُتكلم، مثل «المجلس الأعلى للعالم»!

اقرأ أيضًا: «الكيمتريل يقتلنا»: هكذا تُسيطر قوى الشر على المناخ!

الهوس الوطني أو المُغالاة الوطنية، أو «المجتمع الوطني المُستنفر» بتعبير باسمور، هو الحشد باتجاه إظهار الحب للنظام، والشعور بالإنجاز الوطني عبر خدمة النظام وما يُمثّله، أو عبر إنتاج أُغنيات مثل «تسلم الأيادي» وغيرها من الأغاني التي تُمجد النظام الذي تمثله البزة العسكرية في الحالة المصرية، أو «بشرة خير» وغيرها من الأغاني التي تحض على التماهي مع مشاريع النظام.

في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، نشرت صفحة سويدية ناطقة بالعربية على موقع التواصل الاجتماعي، فيس بوك، تدوينةً تضمنت ما اعتبرته من «مميزات الحياة في السويد»، حيث لا أحد هُناك يفتخر بأنّه من أحفاد الفايكنج، كما لا توجد أُغنيات أو أوبريتات تُمجّد في البلاد!

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/SwedenInArabic/posts/774473199324255″ width=”” ]

في 23 مارس (آذار) 1933، اجتمع نواب البرلمان الألماني (الرايخ) في دار أوبرا كرول بالعاصمة برلين، بعد أن التهمت النيران المُسَبَّبَة مبنى البرلمان. هُناك وقف الفوهرر الألماني أدولف هتلر مُطالبًا النواب المحافظين أن يوافقوا على تمرير قانون يمنحه سلطةً تشريعية تُمكنه من إصدار القوانين دون العودة إلى البرلمان، مُطمئنًا إياهم على مناصبهم وامتيازاتهم ومنصب الرئيس وامتيازاته. أنهى هتلر خطابه، قبل أن يصيح والنازيون يرددون من خلفه: «ألمانيا فوق الجميع».

في 14 يوليو (تموز) 2013، اجتمع قادة القوات المُسلحة المصرية في إحدى القاعات التابعة للجيش، بالقاهرة. هُناك وقف الجنرال المصري عبدالفتاح السيسي مُقسمًا على أنه لا يطمع في أي شيء، وعلى أنّه لا يغدر ولا يخون ولا يتآمر، قبل أن يُشدد على أنّ «مصر أم الدنيا، وهتبقى قد الدنيا».

عرض التعليقات
s