806

عقب اللقاء الأخير الذي جمع الرئيسين: السيسي وعمر البشير في «أديس أبابا»، أثناء اجتماعات القمة العادية للاتحاد الأفريقي، اتفق الطرفان على تشكيل لجنة رباعية بين وزيري الخارجية والمخابرات لكلا البلدين بهدف إعادة العلاقات، وقد عُقدت اللجنة في القاهرة اليوم، وضمت أربع شخصيات معروفٌ عنهم مُسبقًا آراءهم الشخصية والسياسية من كافة قضايا النزاع؛ فوزير الخارجية السوداني سبق له أن اتهم الجارة الشمالية بسرقة ماء النيل، كما أنه يضع  أزمة مثلث حلايب في مقدمة الملفات، بينما مدير المخابرات السوداني، اللواء محمد عطا، يعتقد أنّ مصر تستهدف إضرار بلاده، كما أنّه قدم مؤخرًا معلومات استخباراتية تسببت في إغلاق الحدود مع إريتريا على خلفية ما وُصف رسميًا بأنه تهديدات محتملة من قِبل مصر.

الثنائي المصري في اللجنة هما، وزير الخارجية سامح شكري، ويمثل وجهة النظر الرسمية بأنه لا تفاوض على المثلث الحدودي، وأنّ السودان خدعت مصر عندما علمتْ مُسبقًا بتفاصيل سد النهضة، ولم تُعلنها لأشقائها، في رأيه، كما أنها قد توّقع في أية لحظة على اتفاقية «عنتيبي» التي تحرم مصر من حصتها في ماء النيل؛ أما الرجل الرابع فهو مدير مكتب الرئس السيسي، اللواء عباس كامل، المُكلّف حاليًا بإدارة المخابرات العامة، ويوصف بأنه مهندس النظام الذي يفتقد للحلول السياسية عند احتدام الأزمات، لذا فوضع خارطة طريق عبر تلك اللجنة ربما تُعتبر في نظر البعض مهمة مستحيلة، وهو ما يظهر من بيان اليوم، فالبيان المشترك الذي أصدرته اللجنة يكاد يكون خاليًا من نقاط الاشتباك الرئيسة التي سببت الخلاف، وللاطلاع على البيان المشترك اضغط هنا.

(اجتماع اللجنة الرباعية في القاهرة) المصدر: المصري اليوم

وفي هذا التقرير نشرح لك خمسة شواهد توضح لك لماذا لن تلتقي مصالح الخرطوم مع القاهرة مستقبلًا، رغم محاولات التقارب الأخيرة.

1- المخابرات.. السودان ما زال يتهم القاهرة بالتجسس عليه

بعد يومين فقط من انتهاء القمة الأفريقية، وتأكيد الرئيس السيسي على تجاوز كل الخلافات بين القاهرة والخرطوم، ضبطت قوات حرس الحدود السودانية وثائق سرية وُصفت «بالخطيرة»، وعملة سودانية مزيفة بقيمة 315 ألف جنيه، ورغم التكتم على الخبر، إلا أن السُلطة السودانية سربت عبر وسائل الإعلام أن  المضبوطات دخلت عن طريق مصر بعدما عبر المقبوض عليهم الجمارك المصرية في المعبر الحدودي، أي أنه من المفترض أنهم تعرضوا للتفتيش من الجانب المصري، والمثير أن المتهمين اعترفوا أنهم سبق أن أدخلوا إلى البلاد ملايين الجنيهات المزورة، وهو ما يحمل شبهة الشك في أنّ المخابرات المصرية هي التي تقف خلف تلك العملية.

ولا تقتصر خطورة التوقيت على أنه يأتي بعد اتفاق الجانبين: المصري، والسوداني، على فتح قناة اتصال دبلوماسية بعد أزمة سحب السفير السوداني، لكنّ الأخطر أنّ الخرطوم يمر بأزمة تضخم وصلت نحو 25% في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والهدف الأساسي من إغراق السوق بالعملات المزيفة التي تحدثت عنها الوثائق المسربة، هو أن يخلق حركة تداول وهمية أكبر من حجم السوق؛ فيؤدي إلى زيادة الطلب، وارتفاع القوة الشرائية للناس؛ التي تقود في النهاية إلى نقص السلع، وارتفاع الأسعار، أي التضخم، وحاليًا يشهد السودان تخفيضًا لعملته أمام الدولار للمرة الثانية، بعد تعويمه العام الماضي، في ظل ارتفاعه مقابل الدولار في السوق السوداء.

بعد تلك الحادثة بيومٍ واحد، قام الجيش السوداني بحشد مزيد من قواته على الحدود الإريترية التي أغلقها سابقًا استعدادًا للتهديدات المصرية، ويجب التوضيح أنّ البُعد الآخر للخطر هو وجود قوات من متمردي دارفور في معسكرات إريتريا، وهو ما دفع مدير المخابرات السوداني – أحد أطراف اللجنة الرباعية – لتقديم معلومات استخباراتية للجيش بضرورة تعزيز قواته على الحدود الإريترية بعد قمة السيسي والبشير، ورغم أن البشير أعلن قبل أيام عن حوار سلام شامل من متمردي الحركة الشعبية من أجل وقف الأعمال العدائية، إلا أنّ الوساطة الأفريقية سرعان ما فشلت، ولطالما اتُهمت المخابرات المصرية على لسان النظام السوداني بأنها لا ترغب في استقرار النظام السياسي في السودان، وفي مايو (أيار) من العام الماضي، أعلن الجيش السوداني تصديه لهجومين منفصلين من جماعتين مسلحتين عبر حدود بلاده مع دولتي ليبيا وجنوب السودان في منطقة دارفور، لكنّ المفاجأة التي فجرها الجيش هي أنّهم عثروا على أسلحة مصرية بحوزة المتمردين، وكانت عبارة عن خمس مدرعات مصرية مجهزة بكامل عتادها العسكري، وأجهزة رادار حديثة موصولة بالأقمار الاصطناعية، بالإضافة إلى صواريخ (سام7) المضادة للطيران، ولم تُعلق القاهرة.

والنظام الحاكم في السودان لا زال يعتقد أنّ المخابرات المصرية تدبر مؤامرة ضده، وسبق للرئيس السوداني أن اتهم القاهرة بالتجسس عليه لصالح المعارضة المسلحة التي تعقد اجتماعاتها في القاهرة، إضافة إلى دعم مصر دولة «جنوب السودان» المنفصلة بالسلاح والذخيرة، على جانب آخر، فالأذرع الإعلامية في مصر تُتهم بمحاولة تلميع الصادق المهدي زعيم حزب الأمة السوداني أكبر أحزاب المعارضة، والوجه الذي ترضى به القاهرة للإطاحة بالبشير في الانتخابات الرئاسية التي ستُعقد عام 2020.

اقرأ أيضًا: المخابرات المصرية.. أذرع السيسي الناجحة في 5 دول عربية

2- المياه.. السودان لن يترك حصته من النيل لمصر

في الزيارة الأخيرة للسيسي في أديس أبابا عقد قمة ثلاثية مع رئيسي السودان وإثيوبيا على هامش قمة الاتحاد الإثيوبي، وبعد أكثر من ساعتين من النقاش في الغرف المغلقة خرج الرئيس المصري ليُعلن بأنّه لا توجد أزمة بشأن سد النهضة، قائلًا: «كونوا مطمئنين.. لن يقع ضرر على أحد».

(انخفاض منسوب النيل في أسوان – جنوب مصر -) المصدر : رويترز

اللافت للنظر أنّ وزير الري المصري كان قد أعلن قبل يومين من تصريحات السيسي أنه قرر تخفيض المساحة المزروعة بمحصول الأرز الموسم المقبل من مليون و100 ألف فدان إلى 724 ألفا و200 فدان فقط، كما قرر منع زراعته في 18 محافظة لعدم توفر مياه كافية، ومن المتوقع أن ترتفع أسعار الأزر الموسم القادم.

وقبل أزمة سد النهضة، كانت مصر تستنفد حصتها كاملة من مياه النيل البالغة 55 مليار كيلو متر مكعب، وكانت تعتمد سابقًا على حصة السودان؛ نظرًا لأنّ الخرطوم يمتلك أكثر من 11 نهرًا، إضافة إلى الأمطار الغزيرة والمياه الجوفية، إضافة إلى أنّ إثيوبيا وعدت الخروطوم بشق بحيرة السد إلى ولاية النيل الأزرق، وهذا من شأنه أن يحافظ على انسيابية النيل طوال العام، وبينما يعتمد السودان على 15% فقط من نهر النيل، بينما تعتمد مصر على أكثر من 95%، إلا أنّ وزير الخارجية السوداني أعلن صراحة بأن «الوقت قد حان لأن تدفع مصر ما عليها من استحقاق، وتحصل السودان على حصتها كاملة دون نقص»، وأن القرار له بُعد اقتصادي أكبر من كونه عقابًا دبلوماسيًا.

على جانب آخر، وفي الوقت الذي بدأت تتكرر فيه حوادث «شحوط» السفن بمصر، وهو ما تم توثيقه حين قامت وكالة «رويترز» بنشر صورة لانخفاض منسوب مياه النيل مستشهدة بصور من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 وأخرى من شهر نوفمبر 2017، تقوم السودان من جهة أخرى ببناء سبعة سدود على النيل، قامت السعودية بتمويل أربعة منها بتكفلة مليار وربع المليار دولار، إضافة إلى أنّها تكفلت بزراعة نحو مليون فدان من الأراضي شرق السودان بميزانية 500 مليون دولار، وهو ما أزعج القاهرة التي رأت في تلك المشروعات التنموية خطرًا على أمنها المائي، وفي حال تمسكت السودان بحصتها كاملة في ظلّ أزمة سد إثيوبيا؛ فإن هذا من شأنه أن تتوقف المشروعات القومية التي يروج لها النظام المصري، وأبرزها مشروع استصلاح المليون ونصف فدان.

اقرأ القصة كاملة من هنا: كيف ستتضرر مصر من نهضة السودان؟ 5 أسباب تشرح لك

3- سد النهضة.. السودان انحاز لإثيوبيا ضد مصر

أحد أكبر الطعنات التي تلقاها النظام المصري مؤخرًا، هو ما كشفه مسؤول سوداني عن أن أديس أبابا أخطرت الخرطوم بنيتها بناء سد النهضة قبل أشهر من الإعلان عنه رسميا في مارس (آذار) عام  2011، كما كشف أن تصميمه الحالي يتوافق مع المواصفات التي طالب بها الجانب السوداني، ويجب التوضيح أنّ الأمر ظهر للجانب المصري على نحو أن السودان قام بخداع مصر عندما أعلن رفضه للمشروع في البداية، قبل أن يُعلن الرئيس عمر البشير أنّ سد النهضة الأثيوبي يخدم مصالح بلاده.

طعنات أخرى وجهها النظام السوداني تجاه البلد التي يعتقد بأنها تجسس عليه، فاتفاقية «عنتيبي» التي تسعى دول حوض النيل لتفعيلها بضغوطٍ إثيوبية تنص في أحد بنودها على الاستخدام المنصف لجميع الدول، وهو ما فسره الجانب المصري بأنه يعني إلغاء حصته الأكبر من النيل، وفي الذكرى السادسة لبدء تنفيذ مشروع سد النهضة، زار عمر البشير أديس أبابا، وأعلن من هناك التكامل الشامل مع حليفته، ونتيجة لعدم الثقة، قامت مصر وفق ما نشرته صحيفة «أديس فورشن» الإثيوبية، بإبعاد السودان من مفاوضات سد النهضة، وإشراك البنك الدولي في التحكيم، ورغم أنّ الخارجية المصرية نفت تلك التصريحات، إلا أنّ الرئيس السيسي أعاد النصف الثاني من الاقتراح بشأن مشاركة البنك الدولي كطرف فني محايد في المفاوضات الثلاثية التي تجمع مصر مع السودان وإثيوبيا حول مشروع سد النهضة، إلا أنّ طلبه قوبل بالرفض.

وبالرغم من أن الموقف السوداني تجاه الاتفاقية محسوم منذ أكثر من سبع سنوات، إلا أن هناك أصوات سودانية ظهرت مؤخرًا دعت البشير للتوقيع على الاتفاقية، وأبرزها حزب «الأمة» أكبر الأحزاب المعارضة، كما نقلت صحيفة «البيان» الإماراتية عن مصادر سودانية قولها: إن «السودان تسعى للانضمام لعنتيبي»، كما نقلت أيضًا قناة «الجزيرة» القطرية تصريحات خبراء سودانيين في ملف النيل، كشفوا أن بلادهم تدرس الانضمام للاتفاقية، نظرًا لأن تحفظات الخرطوم عليها ليست كثيرة ويمكن تجاوزها؛ وعلى جانب آخر فإن «ساسة بوست» قد تواصل في تقرير سابق مع وزير الري الأسبق الدكتور محمود أبو زيد، الذي صرح بأنّ «مصر تعلم جيدًا أن السودان غير متمسكة بالرفض بنفس درجة القاهرة».

ويجب التوضيح أنّ القاهرة لم تستسلم حتى الآن أمام أزمتها المائية، فقامت بإعادة إحياء مشروع حفر قناة « جوجنلي» في جنوب السودان، وهو عبارة عن قناة ري تمتد بطول 360 كم، وتربط المياه القادمة من المنبع لتغذية المصب، بدلًا عن إهدارها في الأحراش والمستنقعات وتبخرها، وتأمل القاهرة أن توفر 30 مليار متر مكعب من المياه المهدرة، والمشروع متوقف حاليًا بسبب الحرب الأهلية، ومؤخرًا وقعت حكومة جنوب السودان مع الفصائل المُسلحة وثيقة «إعلان القاهرة» داخل مقر المخابرات العامة من أجل إنهاء الحرب، لكنها فشلت.

اقرأ أيضًا: إثيوبيا بدأت تخزين المياه.. 5 مخاطر ستواجه المصريين في «أيّام العطش»

4- المواقف السياسية.. السودان مازال يُهدد مصر

عقب حركة الجيش المصري في الثالث من يوليو (تموز) عام 2013، التي عُزل فيها الرئيس السابق محمد مرسي، أعلن السودان أنّ ما يحدث في مصر شأنّ داخلي، وأنه سيتعامل مع الرئيس القادم سواء جاء بانقلاب أو عبر صناديق الاقتراع، وبعد شهر واحد وصل وزير الخارجية المصري إلى الخرطوم في محاولة لإنهاء الخلافات التي بدأت بين البلدين قبل عزل مرسي، وبدا أنّ العلاقة استعادت بريقها، خاصة أنّ الرئيسين: المصري والسوداني، يتشابهان في أنهما جاءا للسلطة بعد تحرك عسكري.

لكنّ أحلام الصداقة ذابت سريعًا بين السيسي المحسوب على المؤسسة العسكرية، وبين البشير المحسوب على التيارات الإسلامية، وبرغم أنّ الخرطوم أيدت النظام السياسي الجديد في القاهرة بالصمت، إلا أنّها سمحت لأعداد كبير من الفارين بالاستقرار فيها بحسب اتفاقية الحقوق الأربعة التي تم توقيعها عام 2004 في عهد الرئيس مبارك، وتنص على حق «العمل والتمليك والإقامة والتنقل»، وبعدما طالبت مصر بتسليمهم بزعم أنهم متورطون في عمليات إرهابية؛ رفض السودان تسليمهم.

اقرأ أيضًا: رحلة الجحيم: شباب الإخوان الهاربون من مصر للسودان.. قصص من هناك

ولطالما تحالف السودان مع أعداء النظام المصري بقصدٍ أو بدون؛ ففي عهد مبارك تحالف البشير مع إيران، فشاركت مصر في جزء من الحصار العربي المفروض عليه، وحين طرد البشير السفير الإيراني وكامل البعثة الإيرانية عام 2016، استغل موقف مصر حينها الذي أغضب السعودية والإمارات بشأن عدم التحمس للمشاركة في حرب اليمن عقب تصريح السيسي بأن «الجيش للوطن فقط»،فقام البشير بإرسال نحو 8 آلاف جندي من قواته في الحرب، وبينما كانت القاهرة تصوت لصالح القرار الروسي في سوريا ضد الموقف العربي، وفي الوقت الذي أعلنت فيه السعودية قطع الإمدادات البترولية عن مصر، كان البشير قد حصل على نصف مليار دولار وديعة من الإمارات، واتفاقية سعودية تقضي بزراعة نحو مليون فدان من الأراضي شرق السودان بميزانية 500 مليون دولار.

اقرأ أيضًا:القصة الكاملة لجزيرة سواكن.. هل تهدد الأمن القومي المصري والسعودي والإماراتي؟

تهديد السودان لمصر تكرر كثيرًا، ربما أقلها خطرًا التقارب السوداني القطري المُعلن، وسبق للبشير أنّ وقّع اتفاقية دفاع مشترك مع إثيوبيا على خلفية تهديدات مصر لسد النهضة، وهو ما يعني أن مصر لن تستطيع أن تتخذ السودانَ قاعدةً عسكرية، أو حتى تقوم بإدخال جيش بري، أو حتى أفراد؛ للقيام بعمليات نوعية في عمق الأراضي الإثيوبية في حال احتدم الصراع؛ الأمر الأكثر خطورة هو المشروع التركي في جزيرة «سواكن»، والذي منح تركيا نفوذًا جغرافيًا هامًا على البحر الأحمر، واعتبرته القاهرة تهديدًا لأمنها القومي، في ظل التواجد القطري الأخير الذي أعلن عن إنشائه ميناءً أيضًا بالسودان، وتخشى القاهرة أن تتحول سواكن لقاعدة عسكري، وهو ما جعل الجيش المصري يخطط لبناء قواعد عسكرية بحرية جديدة أبرزها قاعدة حلايب وشلاتين.

5- حلايب وشلاتين.. الأزمة العالقة للأبد

حين يتحدث وزير الخارجية السوداني عن العلاقات بين مصر والسودان فإنه يصفها بالأزلية، لكنّ تصريحاته الدبلوماسية سُرعان ما تتبدّل حين يأتي الحديث عن أزمة المثلث الحدودي حلايب وشلاتين، والذي يصفه الغندور بأنه سيظل الشوكة في خاصرة النظام المصري، وأن محاولات تمصيره لن يجعله مصريًا.

ترفض مصر طلب الجانب السوداني بعرض القضية على محكمة العدل الدولية، وطبقًا للمادة 36 من ميثاق الأمم المتحدة، فإنه «لا يجوز لأية دولة أن تلجأ إلى المحكمة الدولية للأمم المتحدة لعرض أي نزاع ينشأ بينها وبين أية دولة أخرى إلا بموافقة الدولة الخصم»، لذلك فلن يستطيع السودان رفع القضية على مجلس الأمن إلا بموافقة مصر، وتخشى مصر ألا يتم اعتماد خرائطها وأدلة ثبوتها للأرض؛ فتخسر القضية. وهو ما فسره الجانب السوداني بأن «مصر تدرك جيدًا أنها إن ذهبت إلى محكمة العدل الدولية، فستُطالب بتقديم وثائق وخرائط جدية».

اللافت للانتباه أنّ ذلك الملف ظلّ في مناوشات بين النظامين المصري والسوداني طيلة عقود، لكنّ العلاقات ظلت قائمة بين البلدين حتى مع اجتياح الجيش المصري المثلث عام 1995 عقب محاولة اغتيال مبارك في إثيوبيا، والذي اتهم فيها السودان، وقبل أن تنفجر الأزمات الحالية كان البشير يؤكد في كل مرة  أنه كان يؤجل الأزمة الحدودية مع مصر لفترات طويلة؛ نظرًا للعلاقات الثنائية التي تجمع الطرفين، معتبرًا أن هموم الوطن العربي جعلته يؤمن أن «كل الخلافات تصبح صغيرة أمام تحديات الأمة»، لكنّ المشكلة القائمة أنّ الخلاف أصبح مطلبًا جماهيريًا ضاغطًا على النظام السوداني الذي لن يستطيع تجاهل القضية بعد الآن، كما أنّ النظام المصري لن يغامر بتسليم المثلث الذي تبلغ مساحته ضعف مساحة «لبنان» خوفًا من استفزاز الغضب الشعبي الذي لا زال يحمل حنقًا من بقية تسليم جزيرتي «تيران وصنافير» للسعودية.

أقرأ أيضًا: «ساسة بوست» يستقصي 4 أسباب قد تخسر مصر حلايب وشلاتين نتيجتها