في 3 يوليو (تموز) عام 2013، تحرك الجيش المصري لعزل الرئيس محمد مرسي، ووفقًا لميثاق الاتحاد الأفريقي، فإن الإقالة القسرية لرئيس دولة من جانب هيئة عسكرية تعد انقلابًا، لذا أعلنت أفريقيا لأول مرة في تاريخها تعليق عضوية مصر؛ لكنّ المفارقة أنّ القائد العسكري الفريق أول عبد الفتاح السيسي الذي حُشدت ضده 54 دولة أفريقية، تربع بعد أقل من ست سنوات على عرش رئاسة الاتحاد الأفريقي، في وقتٍ تبلدت فيه كثير من موازين القوى والتكتلات السياسية في المنطقة.

وبينما يواجه النظام المصري اتهامات بأنه لا يريد اتحادًا أفريقيًا قويًا، وأن مصر لن تنسى أبدًا تعليق عضويتها، تأتي المفارقة الثانية في الملفات التي أُسندت للسيسي خلال رئاسته الحالية والتي تتعلق بـ«الأمن وحفظ السلام»، في الوقت الذي ترتفع فيه أصوات من ليبيا والسودان بأنّ مصر تلعب دورًا ضد الديمقراطية في القارة.

هذا التقرير يوضح لك كيف نجحت مصر في إخضاع الاتحاد الأفريقي تطويعًا لمصالحها الإقليمية.

الثورة السودانية.. كيف يعرقل السيسي انتقال السُلطة للمدنيين؟

في الوقت الذي هدد فيه «مجلس السلم والأمن» الأفريقي، المجلس العسكري في السودان بتسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية خلال 15 يومًا، كان الفريق أول عبد الفتاح البرهان قد اتجه لقصر الرئاسة لمباشرة عمله، مُعلنًا رفض شروط «الاتحاد الأفريقي» في رسالةٍ حملت دلائل واضحة للجميع بأنّ الجيش لن يُسلم السُلطة قبل عامين.

تجاهل العسكر للمطالب الثورية بعد أربعة أيامٍ فقط من عزل البشير في ظل اعتصامات الثوار والتهديدات الدولية، حمل إشارات بأن ثمّة اتفاقاتٍ خارجية جرت في الغرف المُغلقة بعيدًا عن صخب الشارع، وهو ما بدا واضحًا في التناغم المصري الإثيوبي في الانحياز للمجلس العسكري رغم إعلانه استئثاره بالسُلطة.

فتزامنًا مع مهلة الـ15 يومًا، كان مدير المخابرات السوداني في إثيوبيا -بها مقر الاتحاد الأفريقي- التي أعلنت تأييدها لحراك الجيش، ثم تبعتها زيارة وفدٍ مصري رفيع المستوى، بقيادة رئيس المخابرات المصري اللواء عباس كامل لقيادات المجلس العسكري الذي حصل على اعتراف بشرعيته من الدولة التي ترأس الاتحاد الأفريقي، مصر.

الزيارة الأخطر لمدير المخابرات السوداني -أحد أعضاء المجلس العسكري-، تمثلت في زيارته لمصر قبل يومٍ واحدٍ من إعلان السيسي لقمة أفريقية مُصغرة في القاهرة، أعلن فيها انقلابه على القرار القديم لـ«مجلس السلم والأمن»، ومنح عسكر السودان مهلة ثلاثة أشهر لتسليم السُلطة للمدنيين.

وبالعودة للشارع المُشتعل؛ فإنّ إعلان القاهرة كان بمثابة الرصاصة التي أُطلقت على الثوار المعتصمين أمام القيادة العامة للجيش في الخرطوم؛ فبعدما قرر تحالف «قوى الحرية والتغيير» التصعيد وأعلن تعليق التفاوض مع المجلس العسكري واستمرار الاعتصام، ذهب مدير المخابرات السوداني للقاهرة للتشاور، ثم خرج السيسي بعدها بيوم وأعلن قراره، الذي منح العسكريين شرعية مُريحة للبقاء، وزاد من حدة الاستقطاب بين المجلس العسكري والثوار.

اللافت أنّ القمة الطارئة التي أعلنتها القاهرة؛ اشترطت لتسليم السُلطة توافق كافة القوى السياسية، وهو ما يفتح الباب مرة أخرى لاستئثار العسكر بالحُكم بدعوى الاستقرار، على جانب آخر فمصر حشدت ستة رؤساء أفارقة (تشاد وجيبوتي ورواندا والكونغو والصومال وجنوب أفريقيا)، إلى جانب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، وممثلين عن إثيوبيا وجنوب السودان وكينيا ونيجيريا وأوغندا، التي لوّحت باستعداداها منح البشير حق اللجوء السياسي.

تراجُع الاتحاد الأفريقي عن موقفه، تزامنًا مع الزيارات المتبادلة بين مصر والعسكريين في السودان؛ دفع قوى الحراك الشعبي للتوجه في مظاهرات حاشدة إلى مقر السفارة المصرية في الخرطوم لمطالبة الحكومة المصرية بوقف تدخلاتها في الشأن السوداني، وتجدر الإشارة إلى أنّ مواثيق الاتحاد الأفريقي نفسها ترفض تدخل دولة في الشؤون الداخلية لدولة أخرى.

اللافت أنّ الجيش السوداني الذي تدفعه مصر للبقاء في السُلطة، سبق أنّ اتهم السيسي بمحاولة صناعة الفوضى عبر تسليح معارضي دارفور بمعدات عسكرية وأجهزة رادار حديثة موصولة بالأقمار الاصطناعية، بالإضافة إلى صواريخ (سام7) المضادة للطيران.

وإلى وقتٍ قريب كان النظام الحاكم في السودان يتهم المخابرات المصرية بالتجسس عليه، وبتدبير مؤامرة لإسقاطه، خاصة أنّ القاهرة استضافت زعيم المعارضة الصادق المهدي في منفاه الاختياري، وكانت تعتبره البديل الأمثل للبشير.

وتزامنًا مع استعداد المعارضة السودانية لمليونية لتسليم السُلطة، حشدت قوات الدعم السريع عناصرها المسلحة وسط العاصمة السودانية، تزامنًا مع تقديم المجلس العسكري رؤيته السياسية التي تقوم على احتفاظه بالسلطة السيادية في البلاد، وأن يتولى المدنيون رئاسة مجلس الوزراء وكامل السلطات التنفيذية.

معركة طرابس.. كيف يمهد السيسي للانقلاب على حكومة الوفاق؟

قبل أن ترأس مصر الاتحاد الأفريقي، كانت تتبنى وجهة النظر الرسمية تجاه الموقف الليبي، وتدعم جهود التوصل لحل سياسي يجمع كافة الفرقاء على الأرض لتحقيق الاستقرار، وهو ما يسمح لها بتحقيق أجندتها في ليبيا بالسيطرة على حدودها الغربية التي كانت معبرًا مفتوحًا لتهريب نحو 21 مليون قطعة سلاح من المخازن الليبية.

لكنّ الواقع يتحدث عن تدخلات عسكرية بذريعة حماية الأمن القومي المصري، وتوجيه ضربات جوية لمعاقل ما توصف بالجماعات الإرهابية مثلما حدث في درنة وبنغازي في الشرق الليبي، ودعم لقوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، ضد حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، وفي بعض الأحيان وصلت التدخلات لتوجيه قادة الجيش المصري نصائح لحفتر، لرسم خطط سير المعارك شرقًا وغربًا وصولًا إلى طرابلس، بحسب تسريبات المبعوث الدولي لليبيا غسان سلامة.

بعد نحو 20 يومًا من إعلان الفريق المتقاعد خليفة حفتر النفير العام للهجوم على طرابلس، عقد السيسي قمة الترويكا بمشاركة لجنة ليبيا بالاتحاد الأفريقي، وطالبت القاهرة خلال المبادرة التي قدمتها بوقف إطلاق النار، وهو ما يجعل حفتر شريكًا في العملية السياسية المقبلة، بما يسيطر عليه ميدانيًا، حتى وإن فشل في معركته الأخيرة.

اللافت أنّ حفتر ترك معركة طرابلس بعد 10 أيامٍ من الهجوم الشامل الذي أطلقه على العاصمة، وطار في زيارة سريعة لمصر، قرئت على أنها شرحٌ للحلفاء بتطورات المعركة التي وعد بإنهائها في أسبوعين على خلاف الحقيقة، وحتى ذلك التوقيت لم تتدخل مصر لفض الاشتباك، بل إن السيسي دعم جهود حفتر فيما أسماه الحرب على الإرهاب، وهو ما استفز حكومة الوفاق التي دعت النظام المصري إلى احترام إرادة الليبيين في حقهم في اختيار من يحكمهم.

وليس الصمت السياسي لرئيس الاتحاد الأفريقي هو ما يُزعج الحكومة الليبية المُعترف بها دوليًا؛ فبخلاف استقبال حفتر لمساعدته –بحسب الاتهامات الرسمية- في تحقيق هدفه المتمثل في اجتياح طرابلس، مقاتلو قوات حكومة الوفاق عثروا على صناديق ذخيرة مصرية، خاصة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة كانت في حوزة قوات الجنرال الليبي قبل انسحابهم، وهو ما لم ترد عليه القاهرة حتى الآن.

وفي مقابلة مع قناة «فرانس 24»، اعترف السيسي بدعمه الصريح لحفتر، وسبق للجنرال الليبي أن طلب مساعدة مصرية في حروبه في الشرق لقصف أهدافٍ في درنة وبنغازي. فيما يكشف تقرير الأمم المتحدة منذ عام 2015، جزءًا آخر من القصة؛ فمصر والإمارات هرّبتا أسلحة إلى ليبيا شملت ذخائر وأسلحة خفيفة وثقيلة وحتى طائرات هدفها الصريح الانقلاب على حكومة الوفاق.

رغم الدعم الدولي الكبير.. لماذا لم ينتصر حفتر حتى الآن؟

بعيدًا عن ليبيا والسودان.. كيف استفادت مصر من رئاستها للاتحاد الأفريقي؟

عقب سفر السيسي لإثيوبيا لتسلم رئاسة الاتحاد الأفريقي، اعتبرت «منظمة العفو الدولية» مصر بأنها أصبحت أكثر خطورة من أي وقتٍ مضى، والتصعيد وصل إلى حدّ دعوة المنظمة الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي، الحصول على ضمانات من النظام المصري، بألا يستغل رئاسته للاتحاد في تقويض آليات حقوق الإنسان في القارة.

تصعيد المنظمات الحقوقية قوبل بتجاهل الدول الكبرى التي تلتزم الصمت تجاه حليفها القوي في القارة، والذي يحقق مصالحها المتمثلة في مكافحة الإرهاب ومنع عبور اللاجئين إلى أوروبا، والقضاء على تجارة الأعضاء والجريمة، تلك المشكلات التي تمثل عبئًا على القارة العجوز، والتي أعلن السيسي بعد تسلمه رئاسة الاتحاد أنّ تلك الملفات من أولويات دورته الرئاسية، وهو أمر يمكن الجزم بأنه ليس محض صدفة.

وإلى جانب تغافل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا عن ملف حقوق الإنسان في مصر، بحسب اتهامات، يجد السيسي فرصة قوية للعودة إلى أفريقيا، فعلى سبيل المثال، أقيمت في أكاديمية الشرطة المصرية دورة تعليمية أمنية، استقطبت نحو 83 قيادة أمنية من 34 دولة أفريقية، في محاولة من مصر لاكتشاف قيادات وصناعة أذرع موالية في قارة تعجّ بالانقلابات.

وبينما يلعب الجانب الاقتصادي دورًا كبيرًا في تجاهل الدول الأوروبية لملف حقوق الإنسان في مصر إلى جانب تنفيذ سياساتها في أفريقيا، تلعب مصر على حبال الطرفين، فهي من جهة أبرمت صفقات عسكرية واقتصادية مع بريطانيا وألمانيا وفرنسا، ومن جهة أخرى استحوذت على 50% من استثمارات البنك الأوروبي في أفريقيا.

وفي تصريحٍ نادر للرئيس المصري أعلن عن حجم الاستثمارات المصرية في أفريقيا، وأنها وصلت إلى 10 مليار دولار العام الماضي قبل رئاسة مصر للاتحاد، والميزة الأخيرة تمنحها صلاحيات استثنائية لعقد مشاريع تجارية ضخمة في القارة تصب في مصلحتها أولًا.

ويمكن القول بأن الوضع الجديد للنظام المصري الذي بات متصدرًا المشهد في أفريقيا؛ يجعله متحكمًا من خلال جلوسه على رأس أكبر مؤسسة أفريقية في سياسات المنطقة خارجيًا، بالإضافة إلى عدم اكتراث نظامه بالتقارير الحقوقية التي تنتقد حملات الاعتقالات والتصفية خارج إطار القانون.

«فورين بوليسي»: ليس أفضل من مبارك.. هكذا تغيَّرت مصر في عهد السيسي إلى الأسوأ

المصادر

عرض التعليقات
s