إذا كان هناك موضوع الآن يعتبر “حديث الساعة” بالنسبة للقنوات والمؤسسات الإعلامية فهو موضوع العلاقات بين الخليج ومصر والتي تعتبر “ملتبسة” وغامضة وخاضعة للتغيرات بصورة خاصة جدًا. في هذا التقرير نفتح نافذة على تاريخ هذه العلاقات ونعرج على الحالة “الجيدة” من العلاقات الحالية بين مصر والخليج.

جدير بالذكر أنه وبالحديث عن العلاقات الخليجية المصرية، فإن التقرير يقصد بـ “الخليج” الدول ذات التأثير في الخليج والتي كانت تتمثل دائمًا في السعودية مضافًا إليها الإمارات حاليًا ثمَّ قطر بصورة أقلّ والتي تتخذ موقفًا مقابلًا لموقف الدولتين السابقتين.

 

علاقات حرجة

مرت العلاقات بين الخليج ومصر بفترة “حرجة” وذلك أثناء حكم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر. اعتبر عبد الناصر أنظمة الخليج جميعًا أنظمة رجعية “متخلفة” وليس هذا حديثًا عن تقارير صحفية أو معلومات ذكرها أحد الكتاب وإنما كان عبد الناصر يصرِّح بذلك في خطاباته، ما أدخلهُ في حالة عداء شاملة مع أنظمة الخليج. وبما أنَّ السعودية هي الدولة الأكبر والأكثر ديناميكية في المنطقة – لأسباب عديدة – فإن العلاقات معها كانت تتوتر بشكلٍ أكبر من غيرها.

دعم عبد الناصر ثورة اليمن في الستينيات والتي كانت السعودية تحاربها بشكل علني ومباشر، ولم يقتصر عبد الناصر على دعمه للثورة دعمًا معنويًا بل إنه قام بإرسال 70,000 جندي مصري إلى اليمن دعمًا للثورة، كانت هذه الفترة أكبر فترة شهدت فيها العلاقات أزمة بين البلدين خاصةً، وبين مصر والخليج عامة.

جمال عبد الناصر أثناء ثورة اليمن: ” جزمة” كل شهيد أشرف من تاج آل سعود.

 

بالطبع لم تظلّ العلاقة على منوال واحد خلال هذه السنوات فمن اتفاق بين دول السعودية ومصر في الخمسينيات ثم عداء في الستينيات ثمّ رجوع للعلاقات بعد النكسة 1967، بالطبع يتحدث التقرير عن العلاقات مع السعودية لأن دول الخليج لم تكن قد نالت استقلالها بعد.

الرئيس عبد الناصر في القمة العربية في السودان 1967 إلى جانب الملك فيصل

 

المقاطعة!

بعد حرب أكتوبر 1971 اتسمت العلاقات بنوع جديد، في لقاء مع الرئيس السابق حسني مبارك أعلن أن الشيخ زايد حاكم الإمارات قد اشترى طائرات للجيش المصري والسوري أثناء حرب أكتوبر، كما قطعت المملكة السعودية إمدادات النفط عن الولايات المتحدة وأوروبا ما كان حاسمًا في المعركة مع إسرائيل.

الرئيس السادات مع الرئيس الامريكي كارتر

 

لكنَّ العلاقة لم تستمر أيضًا على هذا النمط إذ بعد اتفاقية كامب ديفيد التي أبرمها السادات بشكل منفرد مع إسرائيل أدت إلى مقاطعة الدول العربية – والخليج خصوصًا – لمصر، باعتبار أنَّ السادات قام بهذه الخطوة دون استشارة أحد ودون حلّ للمشكلة الفلسطينية، كما كان سلفه عبد الناصر يريد.

 

عودة العلاقات

مع انتهاء حقبة السادات، وبدء حقبة الرئيس الأسبق حسني مبارك ظلت العلاقات مهمَّشة كثيرًا حتى جاء غزو العراق للكويت بداية التسعينيات. شاركت مصر بجزء من قواتها في حرب الكويت ما أدخل العلاقات المصرية الخليجية مسارًا جديدًا.

 

الجيش المصري والاقتصاد الخليجي!

بعد التدخل المصري أثناء حرب الكويت دخلت العلاقات منعطفًا قد يكونُ خطيرًا، فالأمن الاستراتيجي والقومي للخليج يعتبر من أمن مصر القومي، كما كان يتحدث الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وهو الخط الذي سار عليه طيلة حكمه.

القوات المصرية في حرب الكويت

على الجانب الاقتصادي فإن الجانبين الخليجي والمصري يستفيدان أيما استفادة ربما بشكلٍ متساوٍ، على الصعيد السعودي كانت قيمة الصادرات السلعية المصرية إلى السعودية عام 2013 1 مليار و971 مليون دولار بينما بلغت قيمة الواردات السعودية لمصر 3 مليار و37 مليون دولار. بينما حسب تقارير فإن أكبر المستثمرين الأجانب في مصر خليجيون.

في تقريرها الرسمي أعلنت الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر أن المستثمرين السعوديين يتصدرون قائمة الاستثمارات الأجنبية في مصر بواقع 2971 شركة سعودية بلغت رؤوس أموالها أكثر من 23.1 مليار دولار، تأتي الإمارات في المرتبة الثالثة بـ 616 شركة برأس مال بلغ 11.5 مليار دولار ثم الكويت في المرحلة الرابعة برأس مال بلغ 8.5 مليار دولار و885 شركة. بينما جاءت قطر في المرحلة الـ 18 فقط.

من السابق يتبين أنًّ معادلة أمن الخليج القومي والذي يضمنه الجيش المصري يقابله ما يمكن تسميته “الأمن الاقتصادي المصري” بعدد المستثمرين المهول والكبير في مصر، يضاف إلى هذه القضية قضية العمالة المصرية الكبيرة جدًا في دول الخليج والتي قد تمثل في بعض الفترات عوامل ضغط كبيرة بالنسبة لأحد الجانبين.

 

الخليج ومصر: مصالح أم سيادة؟

فيما يتبنى بعض المحللين جانبًا هجوميًا على مصر – في الآونة الأخيرة وبعد تحرك الجيش ضد الرئيس السابق مرسي بدعم خليجي كبير – يتخذ البعض الآخر منحىً تصالحيًا مع العلاقات في الداخل المصري. حيث يرى البعض أنَّ العلاقات المصرية الخليجية قائمة على مبدأ “المصلحة”، وأنَّ الدعم العسكري الكبير والمهول للرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي والذي يتعهد في كلّ مناسبة بتقديمه للخليج يقابله على الناحية الأخرى مساعدات اقتصادية كبرى من الخليج.

الرئيس السابق محمد مرسي والملك عبد الله

بعد سقوط الرئيس السابق محمد مرسي أعلنت بعض دول الخليج دعمًا اقتصاديًا كبيرًا لمصر وصل 12 مليار دولار من السعودية والإمارات والكويت. من الجدير بالذكر أنَّ العلاقات مع قطر لم تتخذ خطوات أكبر إلا بصعود الإخوان المسلمين والذين لم يدم حكمهم سوى سنة واحدة فقط وصلت بعدها العلاقات المصرية القطرية إلى طريق مسدود.

المصادر

تحميل المزيد