اختفاء الآلاف من معارضي الحكومة يثير المخاوف بشأن ظهور جيل جديد من الإرهابيين

ظلّ في عداد المفقودين لأكثر من ثلاثة أسابيع، حتى تلقّت عائلته مكالمة هامة من شخص أخبرهم بأن أحمد عبد السميع (31 عاما، وأب لثلاثة أطفال) محتجز في سجن يسمى “العزولي”، ثم أنهى المكالمة. كخليةِ نحلٍ عملت الأسرة ومحاميها ليل نهار، متنقلين من سجن لآخر، متوسلين لمسئولي وزارتي العدل والداخلية أن يخبروهم فقط أين هو.. لكن أحدًا لم يعرف شيئًا قط عن “العزولي”.

لم تكتحل عينا سعيدة أحمد عوض برؤية ابنها “أحمد” طيلة شهر كامل، منذ اعتقاله يوم 14 يناير في غرب القاهرة، ولم تتوصل الأم إلى معلومةٍ عن مكان احتجازه، لكن الحقوقيين المصريين يقولون إنه يقبع في غياهب شبكة واسعة من مراكز الاعتقال والمعسكرات السرية، التي هي في الواقع ثقوب سوداء تنكر الحكومة وجودها، رغم تضخمها عددًا وحجما منذ بدأت قوات الأمن تعتقل المعارضين بعد انقلاب 3 يوليو العسكري الذي أطاح برئيس البلاد الإسلامي محمد مرسي.

رجعُ الصدى دوما هو ردّ الوزارة على طلبات الحصول على معلومات بشأن “العزولي”، ورغم إنكارها رسميًا وجوده، يُعتقد أنه واحد من عشرات المعتقلات غير المعلنة التي تستخدمها قوات الأمن لاحتجاز واستجواب وتعذيب آلاف المعارضين السياسيين الذي اعتقلوا في مظاهرات مناهضة للعسكر أو من منازلهم ومكاتبهم، ومعظمهم من أنصار مرسي أو مشتبه في انتمائهم لجماعة الإخوان المسلمين، التي أضحت محظورة الآن، وحلفائها، لكن منهم أيضًا يساريين معارضين لحكومة ما بعد الانقلاب التي نصَّبها عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع السابق المرشح الآن للرئاسة.

ويكمن الخطر الأكبر في أن هذه السجون تصنع بين جدرانها الآن الجيل القادم من الجهاديين، على غرار تجربة أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، قبل 30 عامًا، وربما نماذج أسوأ، كما تحذر بسمة زهران، المحامية بمركز النديم لتأهيل ضحايا العنف.

صحيحٌ أن السجون المصرية الرسمية الـ 42، ومن بينها طرة القاهريّ سيء السمعة، وبرج العرب السكندريّ الذي يُحتجز فيه السيد “مرسي”، كانت دوما محور مزاعم تعذيب وغيره من أشكال سوء المعاملة، لكن النقاد يقولون إن السجون السرية، التي تُدشَّن غالبا بموجب قرار وزاري أو رئاسي، تذهب في سوء المعاملة وانعدام الرقابة إلى مستويات أبعد؛ حيث غرف الاحتجاز شديدة الازدحام، ونقص الرعاية الصحية، وحظر دخول الأسرة أو المحامين، والمعاملة الوحشية شبه الدائمة التي تشمل الضرب المبرح والصعق بالكهرباء والاعتداء الجنسي. أما المرحاض؛ فحفرةٌ في الأرض تحيط بها ستارة حمَّام.

يبدأ اليوم داخل الثقب الأسود في التاسعة صباحا، حيث تفتح الزنازين ويُسمَح للمساجين، الذين كانوا ينامون فوق بعضهم كالسردين، بالخروج لاستخدام الحمام، حسب شهادة كريم البحيري، الصحفي الذي اعتقل مع أكثر من ألف آخرين في احتجاج مناهض للعسكر، عن الحياة داخل معسكر قوات الأمن المركزي شرق القاهرة، مضيفًا: “وينتهي اليوم بضابطٍ كبير يأتي للقيام بروتين إحصاء عدد المساجين، الذي يتبعه عادة مزيدًا من الشتائم والإهانات والضرب”.

لكن إفلات قوات الأمن من العقاب قد يؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار في بلدٍ عصفت بها ثورة ثم انقلاب منذ العام 2011، هكذا يحذر النشطاء الحقوقيون المصريون، وكما يقول محمد عبد العزيز، المحامي في مركز الحقانية الذي يراقب أوضاع السجون: “هذه لحظة استثنائية للغاية في مجال حقوق الإنسان بمصر.. أطلقوا لقوات الأمن العنان وهذا لا يعني سوى العودة إلى التعذيب والقتل. وكلما أدارت الأجهزة الأمنية البلاد، كلما أدى ذلك إلى القمع وأثار الغضب وأنذر بانتفاضة أخرى”.

تاريخٌ قذر

لطالما كانت السجون المصرية سلاحًا في أيدي الحكام المستبدين ضد المعارضين الإسلاميين واليساريين. ففي عام 1956 سمح قانون السجون بإنشاء عدد غير محدود “السجون الخاصة” بموجب مرسوم من الرئيس ووزير الداخلية، استخدمها الرئيس جمال عبد الناصر لحبس عشرات الآلاف من المعارضين بعد الانقلاب الذي أوصله للسلطة. وفي التسعينيات تضخم عدد مراكز الاعتقال المنعزلة بموازاة تكثيف الحكومة جهودها لسحق التمرد الإسلامي، وهو ما أثار إدانة الأمم المتحدة.

توجد هذه السجون البديلة داخل أكثر من 30 معسكرًا لقوات الأمن المركزي أو بالقرب منها، إلى جانب قرابة دستة من القواعد العسكرية، بحسب تقديرات الخبراء، كما تُستَخدم أقبية مراكز الشرطة لاستجواب السجناء قبل الإفراج عنهم أو نقلهم إلى مراكز اعتقال أكبر. صحيحٌ أن هذه السجون آوَت معارضي مبارك خلال ثورة 2011، وكذلك معارضي مرسي خلال عام حكمه، لكن الخبراء يقولون إنها تضخمت كثيرًا منذ الانقلاب، ويحذر رضا مرعي، المحامي في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، من “تدهور الأمور بشكل استثنائي منذ فض رابعة؛ حيث قتل العديد من ضباط الشرطة وكثير من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، واكتظت السجون بأكثر من ألفي معتقل جديد”. وفي غياب أي سجلات معلنة للسجون الخاصة، يعتبر كل من يُرسَل إليها في عداد المفقودين، وتذهب كافة طلبات الاستفسار عنها أدراج الرياح، وغالبًا ما يلتزم الأهالي الصمت خوفًا من أن يعامل ذويهم بطريقة أسوأ إذا ما جهروا بالشكوى. يقول محمود بلال، المحامي في المركز المصري للحقوق الاقتصادية الاجتماعية: “المعلومات قليلة جدًا، وعادة ما تطفوا على السطح مصادفةً”. “ولا يشتكي الناس حتى يحدث تعذيب؛ أملًا في الإفراج عنهم”، بحسب الناشطة الحقوقية باهو عبد الله.

جدار الصمت

نعود إلى أحمد عبد السميع، الذي درس الحقوق لكنه عمل في تجارة الأجبان العائلية، ويصفه والده “صبحي” بأنه متعاطف مع الإخوان لكنه ليس عضوًا في الجماعة. لم يكن شغوفا بالسياسة ونادرًا ما حضر المظاهرات الكثيرة المؤيدة لمرسي، لكنه اعتقل يوم 14 يناير في ظروف غامضة بينما كان يشتري مستلزمات صناعة الأجبان، ولم يُعثر منذ ذلك الحين على سيارته ولا الخمسمائة دولار التي كانت بحوزته.

إنها قصة اختفاء نموذجية متكررة في نظر جماعات حقوق الإنسان، يقول عنها جورجيو كاراتشيولو، الباحث في المعهد الدنماركي لمناهضة التعذيب (ديجنيتي): “يفتقر هذا الاحتجاز إلى أدنى درجات الشفافية؛ حيث لا يعرف الناس أماكن احتجازهم وهذا يعتبر نوعا من الاختفاء المؤقت”. “كما توجد حالات قريبة من الاختطاف أو الاختفاء القسري” على حد وصف محامي مركز “الحقانية” محمد عبد العزيز. ومما يزيد ستار العتمة المُسدَل على هذه السجون، غياب الثقة بين أهالي المعتقلين الإسلاميين والنشطاء الليبراليين، الذين يشرفون على معظم المنظمات الحقوقية الرئيسية في مصر.

صحيحٌ أن عائلة أحمد عبد السميع- بعد إلحاحٍ من المحامين والحقوقيين- علمت أن “العزولي” هو معسكر اعتقال معزول يخضع لإشراف الجيش الثاني الميداني بالقرب من الإسماعيلية، على بعد ساعتين بالسيارة من العاصمة، بيدَ أنّ كافة محاولاتهم المتكررة لاستقاء معلومات عنه من الحراس، خلال زياراتهم المنتظمة للموقع، لم يحالفها التوفيق. وبمزيد من البحث، اكشفت الأسرة المزيد عن “العزولي”: الذي بُنِي في الأصل لإيواء الجنود الخاضعين لإجراءات تأديبية، ولا يحظى بأي إشراف قضائي، بل إن أحدا لا يعرف من يديره، بحسب المحامي محمود بلال. لكن أحمد جمعة، محامي أحمد عبد السميع، قال إنهم أخبروه بأن الأمن الوطني (الذي خَلَف جهاز أمن الدولة سيء السمعة) سيطر على قسم من السجن بموافقة قائد الجيش الثاني، مضيفًا: “أمن الدولة قادر على اعتقال الناس بحرية تامة واستجوابهم بعيدًا عن أعين الرقابة”.

وبعكس السجون العادية، لا يُسمَح في السجون الخاصة بإدخال المؤن الغذائية أو البطاطين، لكن الحراس أشفقوا على أم أحمد عبد السميع وسمحوا لها بإرسال بعض البطاطين والملابس.. بعدها بأيام أُرسِلَت الملابس التي كان يرتديها يوم اعتقاله إلى البوابة، في أول دليلٍ على أنه داخل “العزولي”.. هذا هو الخبر الجيد، أما الخبر السيء فهو أن أي شخص يمكن أن تُنزَع عنه ملابسه، أو أن يموت بالداخل”، ما يجعل الدليل مهترئًا.

صناعة التطرف

تقول العائلة، إن كافة الطلبات للسماح بإخراج ابنها لمقابلة محاميه رُفِضت. ويعود أحد أسباب ذلك، بحسب الخبراء، إلى مشكلات لوجستية، لأن السجون الخاصة لا تخدمها وحدات الشرطة المخولة بنقل السجون من السجون العادية إلى المحاكم.

والمحامي لم ينخرط من قبل في قضية مشابهة؛ لكنه وافق على توليها فقط لأن أحمد عبد السميع كان صديقه المقرب، وذهبا سويا إلى الحج. وبعد التواصل مع زملائه المحامين وسجناء مفرج عنهم بدأ المحامي يتوصل إلى ملامح قصة صديقه: اعتقله الأمن الوطني واستجوبوه قرابة عشرة أيام قبل ترحيله إلى “العزولي”، حيث تعرض للتعذيب. وهو السيناريو الذي يُنذِر بخلق جيل جديد من المتطرفين داخل مراكز الاعتقال، مثلما حدث مع أيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي وغيرهما من خريجي سجون الأنظمة العربية، الذين يخرجون أشرس مما دخلوا؛ بفعل خلطة: الاستبداد وغياب العدالة والتعذيب، على حد قول المحامي رضا مرعي.

وبعد مرور عشرة أسابيع على اعتقاله، لم يتم إحالة أحمد عبد السميع إلى المحكمة، أو تُوجَه إليه رسميًا أي تهمة، أو حتى يُدرَج في سجلات المعتقلين. أما والدته المحبطة من طول الانتظار، والعاجزة حتى عن التثبت مما إذا كان حيًا أو ميتًا، فلم تجد سوى إعداد قائمة من الأسئلة لا يستطيع غيره الإجابة عنها، من بينها سؤال عن مكان إخفاء مبلغ من المال ومقداره، توسلت للحارس أن ينقله لابنها.. بعدها بأيام جاءها الجواب الصحيح، ليصبح بحوزتها أول دليل قاطع على أن ابنها بالداخل وعلى قيد الحياة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد