منذ أن هبت رياح الربيع العربي على مصر في يناير من عام 2011، تطور المشهد السياسي باطراد، ويعتقد الكثير من المراقبين أن المشهد في مصر بات أشبه بمعركة بين الجيش والإخوان المسلمين وعدد متزايد من الناس الطامحين في نظام ديمقراطي، مع تفاقم للأزمة الاقتصادية.

تحتل مصر مكانة سياسية كبيرة في الشرق الأوسط وأفريقيا وعلى الصعيد الدولي. وقد زادت أهميتها بافتتاح قناة السويس، التي تربط بين البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط، وتربط عبر الأخير بين البحر الأسود شرقـًا والمحيط الأطلنطي غربًا.

الحرب على أنابيب نقل الغاز

بدأت في يناير عام 2011 – بالتزامن مع الثورة التي اندلعت ضد نظام حسني مبارك- عمليات تفجير غامضة تطال خط الغاز. وقد تكرر وقوع مثل تلك الحوادث في 2011 و2012 و2013 وفي الأشهر الأولى من 2014. حيث وقع حوالي 15 تفجيرًا في 2011 وحدها. وقد سبب تكرار تلك الهجمات إلى انقطاع إمدادات الغاز عن إسرائيل والأردن، والتي يتم تصديرها من خلال أنابيب تمر عبر شبه جزيرة سيناء ومن موقع العريش. وقد كان “للحرب على الأنابيب” هذه تبعات محلية وإقليمية، حيث يعتمد الأردن على الغاز المصري لإنتاج 80% من الكهرباء.

تعتبر مصر أحد أكبر منتجي ومصدري الغاز باحتياطات تبلغ 77 تريليون متر مكعب، حيث تحل خلف نيجيريا والجزائر. وقد كانت عملية التصدير تسير بانتظام قبل وقوع الهجمات وتزايد الطلب المحلي لاستهلاكه بصورة متسارعة، وذلك عبر خط الغاز العربي إلى الأردن وسوريا ولبنان.

تقود تلك الهجمات مجموعات من بدو سيناء ينتمون إلى جماعات إسلامية؛ بهدف الضغط على الحكومة لوقف تصدير الغاز إلى إسرائيل.

ومع ذلك، فإن الهجمات على خطوط أنابيب الغاز لها دور سياسي واستراتيجي لا يمكن لتفجيرات أخرى أكثر “تقليدية” القيام به. فهي تفاقم وتعزز الطلب المتزايد على الطاقة المصرية، حيث يجري دعم سعر الغاز محليًا بشكل كبير لأسباب اجتماعية، لدرجة أنه في عام 2013، أصبح البلد مستوردًا للغاز الطبيعي لأول مرة، وتبلغ نسبة الدعم الخاص بالطاقة 80٪ من إجمالي الدعم الحكومي وثلث الإنفاق الحكومي، وتمثل السبب الرئيسي للعجز العام.

مهاجمة ظروف الحياة الحضرية المصرية

إن استخدام الطاقة في مصر، وخصوصًا إنتاج الكهرباء، لديه وظيفة محددة للغاية لأنه يساعد (جزئيًا) في حماية الناس والأنشطة من حرارة الصحراء في الغلاف الجوي، من خلال استخدام الملايين من مكيفات الهواء والثلاجات المنزلية.

يعتمد تشغيل تكييف الهواء والتبريد على الكهرباء، والتي يُنتج ثلثها باستخدام الطاقة المائية، والثلثان الآخران ينتجان عبر محطات الغاز الطبيعي. وبالتالي، هناك زيادة مطردة في إنتاج الطاقة بسبب النمو الديمغرافي الوطني، مع وجود زيادات قياسية للاستهلاك، وخاصة في الفترة من مايو إلى سبتمبر، عندما تبلغ درجة الحرارة اليومية ما يفوق الـ 31 درجة مئوية.

إن تكرار انقطاع التيار الكهربائي ليس له عواقب اقتصادية خطيرة فحسب، ولكنه يحول أيضًا البيئة الحضرية إلى فخ عملاق، مما يؤدي إلى تفاقم الزيادة السكانية مع تدهور الظروف المعيشية.

كما أنه يشكل خطورة من الناحية السياسية لشرعية أي حكومة، فهذه اللحظات تجعل الناس يشعرون بأنهم وحدهم، وأن الحكومة غير قادرة على حماية الأوضاع المعيشية الأساسية، مع الأخذ في الاعتبار أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانقطاع الكهرباء منذ عام 2008، يمثل خطرًا مباشرًا على الصحة والأمن الغذائي للملايين من المصريين.

بعبارة أخرى، إن الهجمات التي تستهدف أنابيب الغاز لا تشكل خطرًا فقط على أحد مصادر الدخل للحكومة والقطاع الخاص. فقد يعرض ذلك إمدادات الغاز الطبيعي اللازم لتشغيل المصانع التي تعتمد عليها الحياة في مصر للخطر، وبالتالي قد يحد ذلك من قدرة الناس على العمل والعيش بشكل متحضر. يجب على المرء أن يتذكر أن نظام مبارك أطاح به المصريون لأنهم كانوا يحتجون ضد القمع وفساد النظام، وأيضًا ضد تدهور ظروف معيشتهم.

ولذلك، يجب تحليل الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المصري من خلال الجمع بين حالته المعاصرة مع العواقب الحالية والمقبلة لتغير المناخ و”الضغوطات العالمية”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد