يكاد ينفصل الواقع الاقتصادي الذي يعيشه المواطن المصري تمامًا عن تلك البيانات الاقتصادية التي تخرج عن الحكومة المصرية، والتي من المفترض أنها تعبر عن الواقع، إلا أنه في بعض الأحيان تكون الأرقام الرسمية متناقضة تمامًا مع ما يحدث في الاقتصاد الحقيقي، فهل المشكلة هنا في الأرقام وطريقة حساب تلك الأرقام، أم أنه ليس بالضرورة أن يتحسن المستوى المعيشي مع تحسن الأرقام التي تعلن عنها الحكومة بشكل مستمر؟

مؤخرًا، قالت وزيرة التخطيط المصرية، هالة السعيد، إن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد لن يقل عن 4% في السنة المالية 2016-2017 التي انتهت في 30 يونيو (حزيران) الماضي، وذلك مقارنةً مع 4.3% في السنة السابقة، كما أكدت أن معدل النمو الأولي في الربع الأخير من السنة المالية 2016-2017 يتراوح بين 4.5 و4.8% مقارنةً مع 4.5% في الربع المقابل من السنة السابقة.

وذلك في الوقت الذي تشير فيه تقديرات صندوق النقد الدولي إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي المصري بنسبة 3.5% في 2016-2017، بالإضافة إلى أن توقعات الحكومة لم تكن تقترب من الـ 4%، إلا أن ما تتحدث عنه وزيرة التخطيط يبدو أمرًا إيجابيًا، بل إن وصول معدل النمو إلى 4.8% في الربع الأخير، يشير إلى تحسن كبير بالاقتصاد المصري، ولكن يبقى السؤال، لماذا لا يشعر المواطن المصري بهذا التحسن؟

هل أرقام النمو في مصر مزيفة؟

يعتقد ممدوح الولي، الكاتب الصحفي، ونقيب الصحفيين الأسبق، والمتخصص بالشأن الاقتصادي، إنه منذ تولي الدكتور عثمان محمد عثمان وزارة التخطيط، لا توجد ثقة لدى المتابعين للشأن الاقتصادي المصري في بيانات النمو التي تعلنها وزارة التخطيط، والتي كان يعلن بياناتها خلال فترة زمنية تقل عن الفترة الزمنية التي تعلن فيها دول الاتحاد الأوروبي بياناتها عن النمو رغم الفارق في الإحصاء، وبينما الولايات المتحدة وغيرها من الدول تعدل بيانات النمو أحيانًا بعد فترة، لم يحدث مرة أن عدلت وزارة التخطيط المصرية بياناتها عن النمو.

وتابع الولي، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن «وزارة التخطيط هي نفسها التي تقول منذ عام أن معدلات البطالة تتناقص، وتعلن نسبًا للتضخم لا تلقى قبولاً لدى عموم المصريين في فترة ما بعد تعويم الجنيه، ومن غير المعقول مع حالة الركود المهيمنة على السوق وتراجع حركة البيع والشراء، والقيود على المستوردين لتقليل الاستيراد، أن تتحدث وزارة التخطيط عن نسبة 4% للنمو، والطريف أنها تقول إن النمو يرجع إلى نمو الاستهلاك وليس إلى نمو الصادرات».

«بيانات مؤشر مديري المشتريات الذي يعده أحد البنوك الخليجية عن الاقتصاد المصري شهريًا، تشير إلى استمرار الوقوع في حالة الركود منذ شهور طويلة، وكذلك تصريح رئيس اتحاد البنوك بتراجع معدلات اقتراض الشركات من البنوك، وهو ما يخالف بيانات وزارة التخطيط، بما يشير إلى الصبغة السياسية التي تغلف بيانات النمو، لإظهار تحسن بالاقتصاد لا يشعر به عموم المصريين الذين تزداد متاعبهم»، كما يقول الولي.

ويضيف المتخصص بالشأن الاقتصادي: «تعودت وزارة المالية أن تتحدث كل عام مالي عند إعداد الموازنة الجديدة، عن استهداف معدل نمو 5% وتحدد رقم الناتج المستهدف خلال العام المالي حسب تلك النسبة ثم تقسم عليه الدين العام لتخرج بنسبة ملطفة للدين العام، ورغم عدم تحقيق نسبة الـ5% للنمو يظل رقم الناتج كما هو في بيانات الوزارة، وتظل نسبة الدين العام للناتج كما هي».

رغم النمو المعلن.. الركود مستمر

قال بنك الإمارات دبي الوطني، في أحدث تقرير شهري له، إن مؤشر مديري المشتريات الرئيسي (PMI) للقطاع غير النفطي في مصر سجل 47.3 نقطة في مايو (أيار) 2017، ولم يتغير بشكل عام عن المستوى الأعلى في تسعة أشهر المسجل في الشهر السابق عليه وهو 47.4 نقطة، فيما أشار البنك إلى تباطؤ معدل انكماش القطاع الخاص غير المنتج للنفط في مصر.

البنك أكد على تدهور الأوضاع التجارية في القطاع الخاص غير المنتج للنفط في مايو (أيار) الماضي، كما هو الحال طوال العشرين شهرًا الماضية، بسبب الانخفاض الملحوظ في الإنتاج والطلبات الجديدة، فيما قال تيم فوكس، رئيس قسم الأبحاث وكبير الاقتصاديين في مجموعة بنك الإمارات دبي الوطني: أن الشركات قللت من أعداد موظفيها مرة أخرى في الشهر الماضي، «لتمتد بذلك فترة الانكماش الحالية إلى عامين، كما تسارع معدل فقدان الوظائف بوتيرة قوية»، وهو ما يكشف صعوبة تسجيل معدلات نمو مرتفعة في ظل هذه الأوضاع التي تكشف عن ركود كبير بالسوق المصري.

يشار إلى أن مؤشر مديري المشتريات الرئيسي (PMI) لبنك الإمارات دبي الوطني الخاص في مصر، هو مؤشر يعطي مقياسًا لظروف التشغيل لدى شركات القطاع الخاص غير المنتج للنفط، إذ تشير قراءة المؤشر فوق 50 نقطة، إلى حدوث تحسن في ظروف العمل، في حين أن القراءة دون هذا الرقم، تشير إلى التدهور في القطاع.

لهذه الأسباب لا يشعر المواطن بالتحسن

في حال الافتراض بصحة الأرقام الحكومية الخاصة بالنمو، فيجب أن نسأل ما هي الأسباب التي تجعل المصريين لا يشعرون بهذا التحسن؟، وفي الواقع ربما لا تكون إجابة هذا السؤال صعبة كثيرًا، ففي ظل القرارات التقشفية الكثيرة التي تمت في مصر مؤخرًا، ومع ثبات الأجور، يكاد يكون من المستحيل أن يشعر أحد بمعدل النمو المذكور، إذ أنه اعتبارًا من يوليو (تموز) الجاري، قررت الحكومة حزمة من القرارات ستجعل من الصعوبة بمكان تحسن الأوضاع المعيشية للمصرين سواء على المدى القصير أو المتوسط.

فبعد أن قررت الحكومة المصرية، رفع سعر سلعتي السكر والزيت بنسبة 25% و17% على التوالي، ببطاقات التموين، ليرتفع بذلك سعر كيلو السكر ببطاقة التموين إلى عشرة جنيهات، وسعر زجاجة الزيت إلى 14 جنيها، جاء الدور على أسعار الوقود إذ أعلن مجلس الوزراء المصري، رفع أسعار المواد البترولية للمرة الثانية منذ التعويم بنسب تصل إلى 100%، ولم تمر أيام حتى أعلنت وزارة الكهرباء رفع أسعار الكهرباء المنزلي بنسب متفاوتة وفق شرائح الاستهلاك، تراوح بين 18 – 42.1% خلال العام المالي الجاري 2017 /2018.

وتعد زيادة أسعار الكهرباء هي الزيادة الثانية من نوعها خلال نحو عام؛ حيث رفعت مصر أسعار الكهرباء بداية من يوليو (تموز) 2016 بنسب تتراوح بين 17 – 46%، فيما يتوقع أن يستقبل المواطن المصري مطلع أغسطس (آب) المقبل، قرارًا بزيادة هي الثالثة على أسعار الأدوية خلال خمسة عشر شهرًا، بعدما رفعت مصر أسعار الدواء، مطلع العام الجاري، بنسبة تراوحت ما بين 30 إلى 50% للأدوية المحلية، و40 إلى 50% بالنسبة للمستوردة، بعد زيادة الأدوية الأقل من 30 جنيهًا (7 آلاف صنف)، بنسبة 20% في مايو (أيار) 2016.

ومع هذه القرارات التي توصف بالقاسية تظل تدابير الحماية الاجتماعية ضعيفة في نظر المراقبين ولا يمكن أن تعوض خسائر المواطن من هذه الزيادات المتعاقبة، إذ قررت مصر في 29 مايو (أيار) 2017، اعتماد سلسلة من تدابير الحماية الاجتماعية لمساعدة المواطنين على مواجهة الظروف التضخمية وتخفيف الأعباء عنهم، بإجمالي 2.5 مليار دولار من الموازنة العامة للدولة، حيث وافقت الحكومة، على مقترح بزيادة المعاشات التأمينية بنسبة 15%، اعتبارًا من مطلع العام المالي الجاري.

وشملت إجراءات الحماية الاجتماعية، زيادة قاعدة الموظفين والعاملين غير الخاضعين لضريبة الدخل، ومنح خصم من الضريبة الواجب على الأفراد سدادها، ويزداد الخصم كلما قل الدخل، ولكن لا تزال هذه الإجراءات غير كافية بحسب العديد من الخبراء.

متى يشعر المواطن بالتحسن؟

يرى محمد عبدالحكيم، الخبير الاقتصادي، والرئيس التنفيذي لبرودنت للاستشارات الاقتصادية، أن «المواطن سيشعر بالتحسن حينما يكون معدل النمو أعلى من معدل التضخم مع عدالة نسبية في التوزيع، ففي ظل معدلات التضخم المرتفعة جدًا بالنسبة لمعدلات النمو فمن الطبيعي أن يتأثر المواطن سلبًا لا إيجابًا، ناهيك عن سوء توزيع الثروة التي هي إحدى المعضلات في هيكل الاقتصاد المصري».

ويفترض عبدالحكيم صحة معدلات النمو التي تعلن عنها الحكومة، موضحًا أن التضارب في الأرقام واختلاف وجهات النظر يرجع إلى بعض الاختلافات في طريقة حساب معدل النمو سواء في المنتجات المكونة للمؤشر أو فترات المقارنة، وهى قد تكون وسيلة للتلاعب بالأرقام في بعض الأحيان بلا شك، على حد تعبيره.

وختامًا، ففي ظل نسب التضخم المرتفعة، من الصعب أن يشعر المواطن المصري بأي تحسن حقيقي -إن وجد-، إذ قال الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر (حكومي)، إن معدلات التضخم السنوي في مصر، استقرت عند 30.9% على أساس سنوي، في يونيو (حزيران) الماضي، مقارنة مع الشهر السابق له، موضحًا أن الرقـم القياسي العام لأسعار المستهلك لإجمالي الجمهوريـة، بلغ 248.4 نقطة في يونيو (حزيران) الماضي، مسجلًا ارتفاعًا طفيفًا بـ0.8 بالمائة مقارنة بالشهر السابق له.

وبحسب التصريحات الرسمية للحكومة المصرية، فإنه من المتوقع ارتفاع معدل التضخم بنحو 5% بعد رفع أسعار الوقود والكهرباء، ما سينعكس على معدل التضخم، لدخولها في إنتاج غالبية السلع الأساسية، إذ يتوقع أن تقترب معدلات التضخم من الـ40% خلال الأشهر القليلة القادمة.

المصادر

تحميل المزيد