شهدَ العقد الماضي طفرةً خاصة في العلاقات المصرية الفرنسية، توِّجت في الفترة الأخيرة بصفقة مقاتلات «رافال» الفرنسية الحديثة، والتي ستحصل مصر فيها على 30 مقاتلة، ليكون لدى مصر أسطولٌ من 54 مقاتلة.

هذا التقارب في العلاقات بين البلدين لم يقتصر على الشؤون الحربية والتسليح؛ إذ ظهر التوافق الكبير بين الجانبيْن في إدارة الملف الليبي، ودعم حملة الجنرال الليبي خليفة حفتر في الغرب الليبي وحصاره على طرابلس، وتبادل الدعم الرمزي، المتمثِّل في زيارة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لفرنسا أثناء اشتداد أزمة الرسوم المسيئة للنبي محمَّد، بالتوازي مع حملة الدولة الفرنسية للتضييق على الجاليات المسلمة في فرنسا، وما أعقب ذلك من دعواتٍ حثيثة في العالميْن العربي والإسلامي لمقاطعة البضائع الفرنسية.

وفي السطور التالية نعودُ قرونًا للوراء، إلى بعض المحطات التاريخية الفاصلة، لنشرح تقلبات العلاقات المصرية الفرنسية منذ العصور الوسطى، ونرى التفاوت الكبير بين العداوة الشاملة في بدايات تلك العلاقة، ثم التأثر لاحقًا بالنموذج الفرنسي في مرحلة بناء أسس الدولة المصرية الحديثة وأهم مؤسساتها، الجيش المصري، بالتفاعل المباشر وغير المباشر مع فرنسا وميراثها السياسي والعسكري الذي غيَّر وجه أوروبا وجوارها.

ثم ننظر في عودة العداء الجذري والصداميِّ في منتصف القرن العشرين مع المد القومي بزعامة جمال عبد الناصر في مصر، ودعمه للثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، ثم عودة المياه إلى مجاريها بين الجانبيْن مرةً أخرى بخروج مصر من الصراع العربي الإسرائيلي في أعقاب اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، وتخلص مصر تدريجيًّا من إرث الناصرية، وتحوُّلها من المعسكر الشرقي والتوجه بالكامل نحو الغرب في العقديْن الأخيريْن من الحرب الباردة وحتى اليوم.

حريق مصر.. قبل نابليون بـ6 قرون

إذا سألت أيَّ مصري عن اسم أول قائد فرنسي حاول احتلال مصر، فسيردُّ الغالبية باسم نابليون، وسيستذكر عدد أقل اسمَ لويس التاسع، الذي قادَ الحملة الصليبية السابعة مستهدفًا مصر عام 1249م (647هـ)، ولكن في حقيقة الأمر، فقبلَ حملة لويس التاسع على مصر بأكثر من 80 عامًا، كان ملكٌ فرنسيُّ الأصل قابَ قوسيْن أو أدنى من احتلال مصر على رأس جيشٍ من الصليبيين.

قائد هذا الجيش الصليبي الراغب باحتلال مصر هو ملك القدس الطموح، عموري الأول، ويُعرف أيضًا بأمالريك الأول، والذي كان فرنسيَّ الأصل ومن أقوى مَن حملوا تاج مملكة بيت المقدس الصليبية، وأشرسهم في محاربة المسلمين.

دولي

منذ شهرين
كل ما تحتاج معرفته عن مقاتلات «رافال».. ما نقاط قوتها وأي الجيوش تستخدمها الآن؟

لسوء حظ عموري الأول، تزامنَ وصوله إلى عرش القُدس المحتلَّة مع صعود دولة ملك الشام، نور الدين محمود زنكي، والذي استكمل مشروع أبيه عماد الدين زنكي في محاربةِ الصليبيين والتضييق عليهم. واستغلَّ نور الدين حالة الاضطراب السياسي الكبير في مصر الفاطمية والمتداعية آنذاك، وتدخَّل في 1264م (559هـ) لدعم وزير مصر شاور، الذي استنجدَ بنور الدين ضد خصمه ضرغام، وانتصرت الحملة الشامية التي أرسلها نور الدين زنكي بقيادة أسد الدين شيركوه، وابن أخيه صلاح الدين، وأُعيد شاور إلى الوزارة، ولكنه أخلَّ بالتزاماته السياسية والمالية مع الشاميين، وطلب منهم مغادرة مصر دون قيدٍ أو شرط، فاندلعت الحرب بين الجانبيْن.

لم يكن أمالريك الطموح بعيدًا عما يحصل في مصر، ولم يغفل عن خطر ذلك على مملكته في فلسطين، خاصةً لو وحِّدت مصر والشام تحت حكم نور الدين، وسرعان ما تحرك أمالريك بجيش توغَّل في مصر لمحاربة أسد الدين شيركوه، بعد أن تواصل معه شاور، متقلِّب الولاء، ليطلب منه دعمه ضد الشاميين الذين أعادوه إلى سُدَّة الوزارة.

وحاصر أمالريك جيش شيركوه المتحصن في بلبيس شرق القاهرة لثمانية أشهر، ليستغلَّ نور الدين غياب أمالريك ويوجِّه ضربات موجعة للصليبيين في الشام، كان أشدها في موقعة حارم في العام نفسه.

وأمام تلك التطورات، اضطر أمالريك للاتفاق مع شيركوه على خروج الجانبيْن من مصر مقابل فك الحصار عن بلبيس، فانتهت تلك الجولة بالتعادل.

وبعد أقل من ثلاثة أعوام، غزا شيركوه مصر مرة أخرى بأمر نور الدين للانتقام من خيانة شاور، ليستنجد مرةً أخرى بأمالريك الذي زحف بجيشه نحو مصر، لتدور بينه وبين شيركوه معركة حامية غرب النيل، تسمى موقعة البابيْن، انتصر فيها الشاميُّون بدايةً، ولكن بسبب طول خطوط الإمداد تحصَّنوا في الإسكندرية، فحاصرهم فيها الصليبيُّون والمصريُّون لأشهر طويلة، حتى عُقد اتفاق جديد بين الطرفيْن على الانسحاب المتزامن من مصر، لتنتهي تلك الجولة أيضًا بالتعادل.

وفي عام 1169م (564 هـ) وقعت الجولة الحاسمة في مصر، عندما بادر أمالريك بغزو مصر وخان اتفاقه مع شاور على السلام بين الجانبين مقابل جزية سنوية، وأحرق في طريقه بلبيس التي صمد فيها الشاميون ضده قبل خمسة أعوام، وقتل جلَّ سكانها، فما كان من شاور المذعور إلا الاستنجاد بنور الدين ضد أمالريك، وأمرَ الوزير بإحراق العاصمة الشعبية المعروفة باسم «مصر» حتى لا يستولي عليها أمالريك، وهجَّر عشرات الآلاف من سكانها، وظلت أكثر من 50 يومًا تلتهمها النيران، وتحصَّن في العاصمة الملكية آنذاك، القاهرة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
بين هدايا الأقدار وحد السيف.. هكذا اعتلى صلاح الدين الأيوبي عرش مصر

وصلَ الجيش الشامي سريعًا، واضطر أمالريك للانسحاب بعد عجزه عن السيطرة على مصر، واضطر الخليفة الفاطمي العاضد أن يعين شيركوه وزيرًا لمصر، بعد أن أصبح الرجل الأقوى فيها بعد قتله شاور انتقامًا من خيانته، ثم ما لبثت الوزارة أن انتقلت إلى صلاح الدين الأيوبي، ابن أخي شيركوه، بعد وفاة عمه المفاجئة بعد أسابيع قليلة.

وفي 1170م (565هـ)، وهو العام الأول لوزارة صلاح الدين الأيوبي، نفَّذ أمالريك آخر محاولاته للسيطرة على مصر، فأنشأ تحالفًا عسكريًّا بين الصليبيين في الشام وصقلية وفرنسا من جانب، والدولة البيزنطية من جانبٍ آخر، قافزًا على الخلافات المذهبية العميقة، وتضارب المصالح بين الطرفين. ووصلت القوات المشتركة إلى دمياط على متن أسطولٍ ضخمٍ من ألف سفينة وقارب، وفرضت حصارًا بريًّا وبحريًّا على المدينة. أرسل صلاح الدين من القاهرة إمدادات كبيرة لتعزيز صمود المدينة المحاصرة، وأنفقَ مليونَ دينار لدعم الجهود الحربية، واستمرَّت الإمدادات إلى المدينة عبر النيل.

استمرَّ القتال 50 يومًا، عجز خلالها الصليبيون عن اختراق أسوار المدينة، رغم استخدامهم آلات الحصار والمجانيق، وفي الوقت نفسه جاءت الأنباء بأن نور الدين بدأ بتعبئة جيوشه، وشنَّ هجماتٍ عديدة ضد الصليبيين في الشام، لفتح جبهة جديدة ضد الصليبيين ولتخفيف الضغط عن قوات صلاح الدين في مصر.

تصاعدت خلافات قادة الهجوم، وبدأت الأمراض تنتشر في معسكراتهم، كما تسبَّبت تقلبات الجو في غرق الكثير من قطع الأسطول؛ مما صعَّب وصول الإمدادات إلى قواتهم، فاضطروا للانسحاب وفشلت آخر محاولات أمالريك للاستيلاء على مصر.

تعزز الحكم الأيوبي في مصر والشام، لا سيَّما مع هزيمة الصليبيين في حطين عامَ 1187م (583هـ)، واستعادة القدس، وأخذ الأمراء الأيوبيون يتوسعون في تجنيد الفرسان المماليك وتدريبهم على الولاء والقتال، حتى أصبحوا القوة العسكرية الضاربة في مصر، وكتبوا تاريخها لاحقًا.

البابا وملك فرنسا معًا لغزو مصر

«فَنحْن أَرْبَابُ السيوف، مَا قُتِل منا قِرنٌ إِلَّا جددناه، وَلَا بغى علينا بَاغ إِلَّا دمرناه. فَلَو رَأَتْ عَيْنَاك – أَيهَا الْمَغْرُور – حد سُيُوفنَا، وَعظم حروبنا، لَكَانَ لَك أَن تعض على أناملك بالندم، ولا بد أَن تزل بك الْقدَم، فِي يَوْم أَوله لنا وَآخره عَلَيْك»

* جزء من رد ملك مصر، الصالح أيوب، على رسالة لويس التاسع ملك فرنسا مهددًا باجتياح مصر

في 1244م (642هـ) تعرَّض الصليبيون وحلفاؤهم في الشام لهزيمةٍ ساحقة على يد جيش مصر، بقيادة الملك الصالح نجم الدين أيوب، فيما سمِّيت بموقعة غزة، والتي عدها بعض المؤرخين أقسى من هزيمة حطين الشهيرة، لا سيَّما وقد استعاد المسلمون بيتَ المقدس في تلك الأثناء بعد 15 عامًا من حُكمٍ صليبيٍّ مؤقت جاء في سياق اتفاقٍ سياسي بين ملك مصر الكامل الأيوبي، والإمبراطور الألماني فريدريك الثاني.

في أعقاب تلك الهزيمة المذلة التي جعلت وضع الوجود الصليبي في الساحل الشامي حرِجًا بعد فقدان الآلاف من خيرة الفرسان الصليبيين، تجدَّدت الدعوات في أوروبا لشنِّ حملةٍ صليبيةٍ كبرى تستهدف احتلال مصر، مركز ثقل الشرق الإسلامي آنذاك، ومن ثمَّ إعادة احتلال بيت المقدس.

أيَّد بابا روما إينوسنت الرابع دعوةَ ملك فرنسا لويس التاسع، الذي اشتُهر بتعصبه الديني الكاثوليكي، ونيته بقيادة حملة عسكرية كبرى عُرِفَت بالحملة الصليبية السابعة، وذلك لغزو مصر، وإن تأخرت الحملة ثلاثة أعوام، نظرًا إلى انشغال الأوروبيين بالخطر المغولي الذي كان يستهدف شرقي أوروبا في تلك الأثناء، وببعض الصراعات الداخلية بين ملوك أوروبا، كالصراع بين فرنسا وإنجلترا.

لوحةٌ تصوِّر لقاء البابا روما إينوسنت الرابع مع ملك فرنسا لويس التاسع. مصدر الصورة: ويكيبيديا

وفي 1249م (647هـ) تركَّز هجوم معظم القوات الصليبية الفرنسية على مصر، عبر دمياط، أهم موانئ مصر على البحر الأبيض المتوسط في ذلك الحين، ونجح جيشُ لويس التاسع في احتلالها سريعًا رغم أنَّ سلطان مصر الصالح أيوب بن الكامل، عزَّز حاميتها بالمقاتلين والإمدادات الكافية للدفاع ضد الهجوم الصليبي لشهور، وعسكرَ السلطان بالقوة الرئيسة من جيشه، وخاصة فرسانه المماليك، في المنصورة إلى الجنوب من دمياط، ليقطع الطريق أمام الصليبيين وهدفهم القاهرة.

ووصلت الصليبيين أنباءٌ عن مرض الصالح، فتقدموا بالقوة الضاربة لجيشهم جنوبًا قرب المنصورة، وتبادل الجيشان القصف بالمجانيق، واشتدَّت أعمال المقاومة الشعبية ضد الصليبيين، واستمرَّت الاشتباكات لأسابيع، حتى دلَّ بعضُ العملاء الصليبيينَ على معبرٍ مائي يمكن أن يمرُّوا منه بخيولهم، وبقيادة الكونت دارتوا شقيق الملك لويس التاسع، باغت 1400 مقاتل معسكر المسلمين، وتمكنوا من قتل أمير الجيش فخر الدين والعديد من فرسان المسلمين، ووصلوا إلى قصر السلطان.

ودارت في المنصورة حرب شوارع شرسة، وأظهر مماليك الصالح بسالة نادرة وقتلوا المئات من فرسان الصليبيين وفي مقدمتهم الكونت دارتوا نفسه، وكانت معركة المنصورة تلك بدايةَ هزيمة الحملة الصليبية على مصر.

وصل توران شاه بن الصالح إلى مصر وأعلنت وفاة أبيه، وتقدَّم لقيادة الجيش في المعركة القائمة، ونفَّذ الأسطول المصري هجومًا جريئًا، قتل فيه أكثر من ألف صليبي، وقطع الإمدادات عن القوات الصليبية في المنصورة، فحاول لويس التاسع أن يفاوض توران شاه على تسليم دمياط مقابل القدس فرُفض طلبه.

ومطلع العام التالي، هُزم لويس التاسع على يد المماليك في موقعة فارسكور جنوب دمياط، وقُتِلَ 10 آلاف من الفرنسيين، وأسر الآلاف، ومنهم لويس التاسع نفسه، وأُجبر على تسليم دمياط دون قيدٍ أو شرط، ودفع فديةً باهظة لإطلاق سراحه مع باقي الأسرى، قيمتها 400 ألف دينار.

وفي العقود التالية، ومع إكمال المماليك حملاتهم العسكرية الشرسة لسحق بقايا الوجود الصليبي في الساحل الشامي وفلسطين، والتي تُوِّجَت بتحرير آخر المعاقل الصليبية الحصينة، مدينة عكا، انقطعَ حبل الصدام المباشر بين فرنسا ومصر إلى حين، وانشغلت فرنسا بصدامات داخل أوروبا، مثل الحرب الطويلة ضد إنجلترا، والمعروفة بحرب المائة عام بين عامي 1337- 1453.

تعززت تلك الهدنة غير المكتوبة بين فرنسا ومصر، مع ضمِّ العثمانيين لمصر عام 1517م؛ إذ شهد عصر السلطان العثماني سليمان القانوني تحالفًا سياسيًّا وعسكريًّا بين الدولة العثمانية وفرنسا، ضد خصمهما المشترك، الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، وقائدها شارل الخامس الذي هيمنَ على معظم أوروبا الغربية والوُسطى، واحتلَّت قواته أجزاءً من ساحل البحر المتوسط الجنوبي كان أبرزها تونس، وظلت العلاقات العثمانية-الفرنسية في العقود التالية بعيدة عن العداوة والصدام حتى حين.

صاري عسكر بونابرطة!

«هي أول سنيِّ الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة، والوقائع النازلة، والنوازل الهائلة، وتوالي المحن، واختلال الزمن، وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع، وتتابع الأهوال واختلاف الأحوال… وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون»

* مؤرخ مصر عبد الرحمن الجبرتي، متحدثًا عن عام 1798م (1213هـ)، أول أعوام الحملة الفرنسية على مصر

خرج الآلاف من أهل القاهرة طوعًا وكرهًا في موكب كبير عند باب النصر، تصحبهم الطبول والمزامير، ورقصات الدراويش، لاستقبال الجيش العائد من الشام، وكان مشهد الجنود والضباط العائدين، للمفارقة، مختلفًا بشكل مثير للشفقة، فقد ارتسمت على وجوههم أمارات الهزيمة والمرض والإحباط.

كان هذا الجيش هو جيش نابليون بونابرت، إثرَ انكساره في حملته العسكرية لغزو الشام عام 1799م (1214هـ)، بعد فشله في فتح مدينة عكا الساحلية رغم حصارٍ شديد وقصفٍ مدفعيٍّ مركز على مدار 64 يومًا؛ إذ كانت أساطيل أعداء فرنسا، لا سيَّما الإنجليز والعثمانيون، تمدُّ عكا من البحر بالعتاد والإمدادات لتعزيز صمود المدينة في وجه جيش نابليون.

/
لوحةٌ تُظهر نابليون بونابرت أمام أبو الهول، أثناء الغزو الفرنسي لمصر. مصدر الصورة: ويكيبيديا

قبل أشهرٍ من هذا الصدام في الشام، وقعت واحدةٌ من أهم الأحداث في تاريخ مصر الحديث، ولعله الحدث الأخطر في مسيرة العلاقات الفرنسية المصرية، وهو الحملة العسكرية لنابليون على مصر، هزمَ فيها المماليك والعثمانيين واحتلَّ مصر، وهدفه الأساسي أن يقطع طريق التجارة والاتصالات بين خصمه الأكبر آنذاك، إنجلترا، وأهم مستعمراتها، الهند، وليمنع توسُّع النفوذ البريطاني داخل مصر.

ويذكر الجبرتي، المؤرخ المعاصر لتلك الأحداث، أنَّ المصريين لم يتوقعوا أن يجرؤ الفرنسيون على غزو مصر بعد أكثر من خمسة قرونٍ من هزيمتهم النكراء في المنصورة، ولذا لم يهتم المصريون بالتحذير الذي وصلهم من الأسطول الإنجليزي المعادي لنابليون: بأن الأسطول الفرنسي على وشك مهاجمة الإسكندرية عام 1798م (1213هـ).

وحقق نابليون انتصارات عاصفة ضد المماليك في معركة الأهرام وسواها، واحتلَّ القاهرة، وتظاهر في البداية باحترام الإسلام لكسب ود الجماهير، وادعى أنه ما جاء مصر إلا «لتحرير» المصريين من ظلم المماليك والعثمانيين، وتأديبهم لفرضهم رسومًا باهظة على التجار الفرنسيين، ولكن ما لبثت القاهرة أن ثارت ضده ثورةً عاصفة بعد أسابيع، أخمدتها قواته بقسوة، وانتشرت الثورة إلى الصعيد والمدن البحرية.

وبعد رحيله إلى فرنسا بسبب اشتعال الوضع الداخلي فيها من جديد، ثارت القاهرة مرةً أخرى ضد خليفته الجنرال جان بابتيست كليبر، في ثورة القاهرة الثانية التي كانت أشد ضراوة، وردَّ عليها كليبر بعنف مفرط، على عادة الاستعمار الفرنسي، ثم كانت نهاية كليبر بالقتل على يد طالب أزهري هو سليمان الحلبي، واضطر مينو، خليفةُ كليبر، إلى الانسحاب من مصر عام 1801م (1216هـ) مع ضغط الأسطول الإنجليزي في البحر المتوسط، وتتابع إرسال الحملات العثمانية لمحاولة تحرير مصر.

/
رسمة تُظهر إصابة الجنرال الفرنسي جان بابتيست كليبر في معركة الإسكندرية. مصدر الصورة: ويكيبيديا

ورغم قصر مدة الحملة الفرنسية على مصر فإنها أحدثت زلزالًا سياسيًّا وثقافيًّا، لا سيَّما مع ما رآه المصريُّون من التفوق العسكري الفرنسي في التخطيط والتدريب والتسليح، مقارنة بجيوش المماليك البالية والقوات العثمانية التي تجاوزها العصر منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي. ومهَّدت تلك الصدمة الفرنسية للتحوُّل الكبير الذي سيمضي به محمد علي باشا، عندما ينقض بدهاء على عرش مصر عام 1805، ثم يذبح المماليك الذين هيمنوا على مصر أكثر من خمسة قرونٍ، في مذبحة القلعة الشهيرة عام 1811، بعد أن أنهكتهم معنويًّا الهزائم القاسية على يد نابليون، وأفقدتهم شرعيتهم القديمة المؤسسة على الانتصار لمصر على أعدائها.

تركَ التنظيم العسكري للجنود الفرنسيين أثرًا كبيرًا في مصر على المدى البعيد، فبعد رحيل الحملة الفرنسية بأشهر، اتَّخذ الوالي العثماني على مصر، خسرو باشا، حرسًا محليًّا من السودانيين عامَ 1802، وفرضَ عليهم أزياء وأنظمة تدريب تشبه الفرنسيين، وأصبح النموذج العسكري الفرنسي هو المُحتذى في الذهنية المصرية في العقود التالية.

فرنسا وجيش مصر.. عصر الباشا

الجيش المصري بلا نظير هو المؤسسة الأهم في حكم وتشكيل هوية الدولة المصرية الحديثة، التي تعود جذور تأسيسها إلى عصر محمد علي باشا (1805- 1848).

في كتاب «كل رجال الباشا»، للمؤرخ المصري المعاصر خالد فهمي، يرى أنَّ بناء جيش محمد علي عبر التجنيد الإلزامي كان بشكلٍ أو بآخر مُستوحىً من بناء جيش نابليون الذي خاض به حروبه النابليونية الشهيرة، ويقول إن محمد علي كان مُعجبًا للغاية بنابليون، وأثَّر هذا الإعجاب عميقًا في رؤاه السياسية والعسكرية، حتى إن البعض كانوا يتقربون لمحمد علي بوصفه بأنه نابليون الثاني.

ويقول فهمي إن محمد علي اعتمد في تأسيس جيشه الجديد الذي جنَّد فيه الآلاف من الفلاحين، على خبرات المستشارين العسكريين الفرنسيين، وعلى رأسهم الكولونيل سيف، الذي أسلم وتسمى سليمان باشا الفرنساوي، وأصبح منذ عام 1820 القائد الأبرز في الجيش بعد إبراهيم باشا ابن محمد علي، والتحق بتدريب الجيش المصري الجنرال بوابييه، الذي شارك قبل عقود في حملة نابليون على مصر.

محمد علي

رسمٌ لمحمد علي باشا في عام 1841. مصدر الصورة: ويكيبيديا

ومع بزوغ نجم محمد علي، وانتصاراته تحت لواء الدولة العثمانية في الحجاز ونجد ضد الحركة الوهابية (1811- 1819)، وفي القتال ضدَّ التمرد اليوناني (1824-1827)، لعبت فرنسا دورًا مزدوجًا إزاء هذا الصعود المصري الكبير؛ إذ اشتركت الأساطيل الفرنسية مع الإنجليزية في تدمير الأسطوليْن العثماني والمصري المتحالفيْن آنذاك، في معركة نفارين البحرية، في البحر الأيوني قبالة السواحل اليونانية.

وارتأت إنجلترا وفرنسا، بوصفهما القوتيْن الأوربيَّتيْن الأبرز، والأكثر فاعلية على الساحة الدولية، أن نجاح الدولة العثمانية بمعونة محمد علي باشا في قمع الثورة اليونانية، قد يمثل خطرًا إستراتيجيًّا بعيد المدى على مصالحها؛ إذ قد يكون فاتحة عودةٍ عثمانية أقوى إلى أوروبا، ونهاية للانكفاء العثماني بعد الهزيمة الشهيرة أمام أسوار فيينا عام 1684. وحقَّق تدمير الأسطوليْن العثماني والمصري بضربةٍ خاطفة أمام سواحل اليونان غرضيْن رئيسيين للقوتين الاستعماريتين، الأول: قطعُ أي أمل عثماني بالانتصار في اليونان، مع خسارة الأسطول والإمداد البحري الحربي واللوجستي، والثاني: كسرُ تحالف المصالح المتين بين السلطان العثماني ومحمد علي، رجله القوي ذي المطامح الشخصية الظاهرة، والذي سيرى أنه يُحاسَب على فواتير غيره.

سياسة

منذ سنتين
الوجه «القاسي» لمحمد علي باشا.. ما قد لا تعرفه عن مؤسس مصر الحديثة

ورغم تلك الضربة المؤلمة التي أسهمت فيها فرنسا، ينقل فهمي في كتابه «كل رجال الباشا»، أنه بعد أشهرٍ من كارثة نفارين البحرية، استعان محمد علي بالمهندس الفرنسي «دس سيريزي»، لإعادة بناء الأسطول المصري، وأنشأ لهذا الغرض ترسانة ضخمة في مدينة الإسكندرية عام 1829، ووصل تطور العلاقات بين الجانبين في الشهور التالية إلى حد أن تَعرِض فرنسا على محمد علي أن يشاركها في شنِّ حملة عسكرية كبرى لاحتلال الجزائر، التي كانت أبرز الولايات العثمانية في ساحل البحر المتوسط، وذلك بعد أن استقرأ الفرنسيون وجودَ صدعٍ كبيرٍ في العلاقات بين محمد علي والسلطان العثماني منذ الهزيمة في اليونان؛ إذ حمَّل محمد علي العثمانيين تبعات الهزيمة لما عده سوءًا في إدارة الحرب اليونانية والتخطيط لها، والإصرار عليها رغم الدعم الغربي الكبير لليونانيين.

هاجم جيش محمد علي الشام عام 1832، وانتزعه من العثمانيين، وتوغل إلى وسط الأناضول بعد أن ألحق هزائم ثقيلة بالجيوش العثمانية، وفي عام 1833، انعقد صُلح «كوتاهية»، بين الدولة العثمانية ومحمد علي، الذي اضطر خلاله السلطان العثماني، محمود الثاني، أن يعترف بنتائج انتصارات جيوش محمد علي في الشام والأناضول، ويعيِّن إبراهيم باشا ابن محمد علي واليًا على الشام، وكانت فرنسا من أهم رعاة هذا الاتفاق الذي عزَّز من مكانة حليفها محمد علي.

وفي لعبة الشطرنج الدولية تتنافر مصالح القوى الكبرى وتتقاطع بين منطقةٍ وأخرى، ففي هذا الصدام المصري-العثماني إن صحَّ التعبير، مالَت المصلحة الفرنسية نحو دعم محمد علي، ثم أسهمت في السنوات القليلة التالية في احتوائه، ومساعدته على إعادة بناء جيشه عبر جنرالاتها وخبراتها التقنية، وبالتالي فانتصاراته على الرجل العثماني «المريض» في المخيال الأوروبي، هي بشكل أو بآخر انتصارٌ لفرنسا في صراع النفوذ الدولي.

أما روسيا القيصرية، فرغم عدائها التاريخي مع العثمانيين، فقد نظرت بريبةٍ إلى مغامرات محمد علي العسكرية ضد العثمانيين، خشية أن ينجح في نهاية المطاف في ابتلاع الدولة العثمانية، وأن يصبح منافسًا خطِرًا للطموحات الروسية في الشرق وبحاره الدافئة، إلى جانب حالة العداء بين روسيا وفرنسا منذ الغزوة النابوليونية الشهيرة لروسيا في العقد الثاني من القرن التاسع عشر.

مع تجدُّد الحرب بين محمد علي باشا والعثمانيين في نهاية ثلاثينيات القرن 19، أوشكَ الباشا على ابتلاع الدولة العثمانية لا سيَّما في أعقاب موقعة نزيب عام 1839، والتي حقَّق فيها جيش محمد علي انتصارًا مزلزلًا على العثمانيين، وتدخلت القوى الكبرى لا سيَّما بريطانيا وروسيا، لوقف توسعات محمد علي، وإعادة التوازن بينه وبين العثمانيين.

ومع التدخل العسكري الإنجليزي والروسي في الشام، بجانب انتفاض المدن الشامية ضد حكم ابنه الصارم، إبراهيم باشا، اضطر محمد علي لتوقيع معاهدة لندن عام 1840، التي انتزعت منه الشام والحجاز للعثمانيين، وثبَّتت حكمه في مصر فقط، وقلَّصت قوة جيشه، حاولت فرنسا في البداية أن تدعم موقف حليفها محمد علي، ولكنها سارت في النهاية مع التيار العام للقوى الكبرى الساعية لتقليص قوته الصاعدة في الشرق، وذلك لحساباتٍ أخرى تخصُّ مصالحها الداخلية في أوروبا، ورغبة فرنسا في تجنب الصدام مع بريطانيا آنذاك لأن علاقة باريس بألمانيا (بروسيا آنذاك) كانت متوتِّرة.

ما بعد الباشا

في عصور أبناء محمد علي، استمرَّ التأثير الفرنسي حاضرًا وبقوة، وتجسَّدت العلاقات الحميمة بين فرنسا ومصر الخديوية آنذاك في محطتيْن بارزتيْن. الأولى هي الغزو الفرنسي للمكسيك عام 1862، في عهد الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، نتيجةَ مماطلة الحكومة المكسيكية في دفع أقساط ديونها لفرنسا، وتحوُّل الغزو إلى حرب عصابات واستنزافٍ شرسة للقوات الفرنسية العالقة في التضاريس المكسيكية القاسية، مع انتشار الأمراض خلال سنوات الغزو الخمس.

ويذكر الأمير عمر طوسون، في كتابه المُعَنْوَنْ: «بطولة الأورطة المصرية السودانية في حرب المكسيك»، أنَّ نابليون الثالث طلب من صديقه خديوي مصر، سعيد الأول ابن محمد علي، أن يساهم في حرب المكسيك بفرقةٍ من الجنود السودانيين الأشداء الأكثر تحملًا للظروف القاسية، فأرسل الخديوي سعيد قوة رمزية مصرية سودانية مؤلَّفة من 453 جنديًّا، أقلَّتهم سفينة حربية فرنسية من الإسكندرية إلى ميناء فيراكيوز المكسيكي في يناير (كانون الثاني) 1863، واستُخدم مترجمون من الجزائر المُستعمرة فرنسيًّا، لتسهِّل تواصل جنود الباشا مع الضباط والعساكر الفرنسيين.

وفي ثنايا صفحات الكتاب يذكر الأمير عمر أن مهمة الفرقة المصرية السودانية الأساسية كانت حماية طرق الإمدادات في المناطق شديدة الحرارة، وأنها أدت مهماتها بكفاءةٍ بالغة، وكافأ الفرنسيون رجالها في عدَّة مناسبات، وحصل الكثيرون على أوسمةٍ عسكرية فرنسية رفيعة، ونال العائدون منهم إلى مصر ترقياتٍ سخية، وفي أربعة أعوام في المكسيك شاركت تلك القوة في 48 معركة مختلفة، تكلَّلت كلها تقريبًا بالنصر، وفقدت 140 من أفرادها.

تاريخ

منذ شهرين
«سينكو دي مايو».. قصة الحرب الفرنسية المكسيكية التي شاركت فيها كتيبة مصرية!

أما المحطة الثانية فكانت حفر قناة السويس وإنشاءها؛ إذ أشرف عليه المهندس الفرنسي الشهير ديليسيبس، وأنشأ الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، وحصلت شركته على امتياز إدارة وتشغيل القناة والانتفاع بمعظم مكاسبها لقرابة قرن، 99 عامًا، وافتتحت في عهد الخديوي إسماعيل عام 1869، وحضرَ حفلها الباذخ العديد من قادة العالم، وفي مقدمتهم الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث.

وتأثرت الخزانة المصرية سلبًا بسبب السياسات المالية غير الرشيدة للخديوي إسماعيل وبسبب إنشاءاته الباهظة التي نفَّذها، وستهوي الخزانة إلى قاع الإفلاس بفعل الديون المتراكمة، خاصةً لصالح إنجلترا وفرنسا، اللتيْن ستضغطان على الخليفة العثماني لعزل إسماعيل عام 1879، ليحل محلَّه ابنه توفيق، والذي ستُراقب الدولتان مالية مصر في عهده، لضمان استيفاء ديونهما.

عام 1882، ومع تصاعد الحركة العرابية الوطنية المناوئة للنفوذ الأجنبي في مصر، ستغزو إنجلترا مصر، وسيكون للفرنسي ديليسيبس دور مهم في إنجاح مهمة الاحتلال الإنجليزي لمصر عندما يقنع أحمد عرابي بعدم ردم قناة السويس لغلقها في وجه أسطول الغزو الإنجليزي، بحجة أن القناة محايدة، ولكن سيعبر الإنجليز عبر القناة ثم يغزون القاهرة من جهة الشرق، بعد هزيمة جيش أحمد عرابي في موقعة التل الكبير.

Embed from Getty Images

من احتفالية افتتاح قناة السويس، عام 1869

وطوال فترة الاحتلال الإنجليزي لمصر، لم يكن هناك حدثٌ جلل يتعلق بالعلاقات المصرية الفرنسية، سوى اتجاه المئات من النخب المصرية إلى الدراسة في الجامعات الفرنسية، وعاد أكثر هؤلاء منبهرين بالنمط الثقافي الأوروبي لا سيَّما الفرنسي، وروَّجوا لإحداث تحولاتٍ اجتماعية وثقافية عديدة في المجتمع المصري. أما فرنسا، فقد تقاسمت واستعمرت المغرب الإسلامي كاملًا، تونس والمغرب والجزائر، واحتلت سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الأولى وفق تقسيمة اتفاقية سايكس-بيكو الشهيرة، ولكن لن تمر عقودٌ قليلة، حتى تعود مصر وفرنسا للمواجهة مرة أخرى.

حرب التحرير وحرب السويس.. عودة إلى الصدام

في منتصف القرن الماضي، وبعد أكثر من 120 عامًا من الاحتلال الفرنسي للجزائر، اندلعت حرب التحرير التي دارت رحاها لثمانية أعوام بين 1954 و1962، ولعبَت مصر، بقيادة عبد الناصر، دورًا مهمًّا في مناهضة الاستعمار الغربي في عموم العالم العربي، ودورًا خاصًّا في دعم الثورة الجزائرية ضد الفرنسيين.

Embed from Getty Images

أحمد بن بلَّة، أحد زعماء الثورة الجزائرية وأوَّل رئيس للجزائر بعد تحريرها، يظهر في الصورة مع جمال عبد الناصر، عامَ 1960 

ولم يقتصر الدعم المصري على الجانب الإعلامي، عبر الصحف والإذاعة المصرية واسعة الانتشار في العالم العربي، ولا السياسي، باستضافة العديد من القيادات السياسية الجزائرية بالقاهرة، بل امتد إمداد ثوار الجزائر بالسلاح وتهريبه لهم؛ ما أثار حفيظةَ فرنسا ضد مصر، فلم تتردد في الانضمام إلى التحالف الثلاثي مع بريطانيا وإسرائيل للعدوان على مصر عام 1956، فيما عُرِفَ بحرب السويس 1956 أو العدوان الثلاثي، مستغلين تأميم عبد الناصر لقناة السويس وانتزاعها من الاستعمار البريطاني. كانت هذه الجولة الاستعراضية الأخيرة للقوتين الاستعماريتين في المشرق العربي.

وبدأت الحرب يوم 29 أكتوبر (تشرين الأول) 1956، بهجوم إسرائيلي خاطف على شبه جزيرة سيناء سبقته ضربة جوية عاصفة، شنتها القاذفات البريطانية والفرنسية ضد المواقع الحيوية المصرية، لا سيما المطارات، وأسفرت عن تدمير القوة الجوية المصرية الوليدة آنذاك. ثم بعد يومين، هاجمت القوات الفرنسية والبريطانية مدينة بورسعيد شمال قناة السويس بشراسة، بعد قصفٍ وحشي أوقع دمارًا واسعًا بالمدينة، ونجحت بعد حرب شوارع دامت لأيامٍ في إتمام احتلالها ثم التوغل جنوبًا صوب الإسماعيلية.

ولكن جوبهت الدول الثلاث بعائقٍ سياسي خطير، تمثَّل برفض القوتيْن العظمييْن آنذاك، ووريثتيْ النفوذ الاستعماري القديم، الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة الأمريكية، لهجومهما على مصر، الذي لم يأخذ موافقة مسبقةً من القطبيْن. وهدَّد السوفيت باستخدام الأسلحة النووية ضد بريطانيا وفرنسا، ولوَّح الأمريكيون بفرض عقوباتٍ اقتصادية قاسية على الدول الثلاث، فاضطرت الدولتان إلى الانسحاب من بورسعيد في ديسمبر (كانون الأول) 1956، وانسحبت إسرائيل من سيناء بعد أشهرٍ قليلة.

وفي إطار حالة العداء بين فرنسا والنظام المصري، كانت فرنسا من أبرز مصدِّري الأسلحة الإسرائيلية في حربي 1967 و1973، لا سيَّما طائراتها المقاتلة الشهيرة «ميراج»، وقبلها الطائرات الأقدم من طراز «سوبر مستير»، ولكن بعد انتهاء الحقبة الناصرية، وعقد معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، تحسَّنت العلاقات المصرية الفرنسية كثيرًا، وشرعت مصر في الحصول على الأسلحة الفرنسية شأنها شأن إسرائيل.

ويتضح من الاستعراض السابق أن العلاقات المصرية الفرنسية مالت أكثر للعداوة في العصور الوسطى، نتيجة الزخم الديني والسياسي والعسكري الذي أحدثته الحملات الصليبية ضد مصر والشام، ثم بمرور الوقت أخذت تلك العلاقة أشكالًا أكثر براجماتية، خاصة بعد خروج الحملة الفرنسية من مصر عسكريًّا، وبقائها حضاريًّا وثقافيًّا ونفسيًّا، وتأثيرها البالغ في ذهنية محمد علي باشا وأسرته الذين أنشأوا قواعد الدولة المصرية القائمة حاليًا، وبذروا أهم مؤسساتها؛ الجيش المصري الحديث، الذي تأثر وما يزال بالعسكرية الفرنسية.

عربي

منذ سنة واحدة
السويس.. قصة مدينة منعت إسرائيل من تحقيق الانتصار في حرب أكتوبر

المصادر

تحميل المزيد