مع بداية ديسمبر (كانون الأول) الجاري، أصدرت  وزارة المالية المصرية قرارًا مفاجئًا ومثيرًا للجدل في الوقت ذاته، خاص بالدولار الجمركي الذي مر بالكثير من التقلبات منذ تحرير سعر صرف الجنيه المصري في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، مضمون القرار جاء بحسب ما أعلن وزير المالية، محمد معيط، بإلغاء سعر «الدولار الجمركي» للسلع غير الضرورية والترفيهية، مع استمرار تثبيت معدلاته الحالية – 16 جنيهًا – بالنسبة للسلع الاستراتيجية والضرورية وذلك لمدة شهر.

وبحسب معيط فإن آلية تطبيق القرار جاءت من خلال احتساب متوسط سعر الدولار المعلن من البنك المركزي الشهر السابق؛ ليكون بذلك سعر الدولار الجمركي محددًا ومستقرًا، وبعد هذا القرار أصبح لدينا ثلاثة أسعار للدولار في مصر الأول هو المتداول في الجهاز المصرفي سواء البنك المركزي أو البنوك العاملة في القطاع، والثاني هو الدولار الجمركي للسلع الضرورية الثابت منذ شهور عند 16 جنيهًا للدولار، والثالث هو الدولار الجمركي الخاص بالسلع الاستفزازية والترفيهية.

Embed from Getty Images

وزير المالية المصري، محمد معيط

 

خلال هذا التقرير سنناقش الآثار المترتبة على هذا القرار وكيف ستتأثر أسعار السلع الأخرى بهذا القرار، وهل سنشهد ارتفاعًا في سعر الدولار بعد هذا القرار؟

ما هو الدولار الجمركي وما معنى تحرير سعره والهدف منه؟

لم يكن مصطلح الدولار الجمركي مشهور في مصر قبل تحرير سعر صرف الجنيه المصري قبل عامين، لكن هذا المصطلح أصبح متداولًا بشكل ملحوظ بعد التعويم، خاصة وأن وزارة المالية تعلن عن سعره بصورة شهرية.

والدولار الجمركي هو سعر الدولار مقابل الجنيه المصري المستخدم في الجهات الجمركية؛ إذ يتم تحديد قيمة البضائع المستوردة لحساب الرسوم الجمركية بناءً عليه، ليدفع المستوردون قيمة الضريبة الجمركية التي تحددها الدولة، على بضائعهم بالعملة الأجنبية، بالسعر المعلن للدولار في الجمارك.

ومن الواضح من تعريف الدولار الجمركي أنه مختص بتحصيل الرسوم والضرائب، إذ تعمل مصلحة الجمارك المصرية، على تحصيل الضرائب والرسوم الجمركية وغيرها من الضرائب والرسوم التي يدفعها المستوردون والمصدرون للجمارك، فلا يجوز الإفراج عن أي بضاعة قبل إتمام الإجراءات الجمركية وأداء الضرائب والرسوم المستحقة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.

لماذا لا تريد الحكومة المصرية خفض الدولار الجمركي؟

لكن فيما يخص معنى تحرير سعر الدولار الجمركي فلكي نفهم المعنى بشكل أوضح يجب أن نرجع عدة أشهر إلى الوراء، فقبل تعويم الجنيه كان الدولار الجمركي ثابت، ويمثل سعر الدولار المعلن من البنك المركزي آنذاك، ولكن بعد قرار التعويم مر الدولار الجمركي بعدة مراحل مختلفة، ففي التاسع من نوفمبر 2016، وبعد نحو أسبوع من تعويم الجنيه، أصدرت مصلحة الجمارك، تعليمات بربط سعر صرف الدولار الجمركي بالأسعار التي ترد في نشرة البنك المركزي اليومية للمصلحة؛ إذ ذكرت المصلحة أن سعر الدولار المقبول لديها هو سعر الصرف المعلن من البنك المركزي في تاريخ تسجيل البيان الجمركي، وأصبح سعر الدولار الجمركي متغيرًا بشكل يومي.

Embed from Getty Images

لكن سرعان ما انتهت هذه الفترة لكثرة مشاكلها وتأثيرها الكبير على أسعار السلع، إذ استجابت وزارة المالية لمطالب المستوردين والشركات بتثبيت الدولار الجمركي لمعالجة أزمة تذبذب الأسعار على الواردات، وبالفعل تم تثبيت سعر صرف الدولار الجمركي عند مستوى 18.5 جنيهًا في 16 يناير (كانون الثاني) 2017، ومنذ ذلك الحين بات سعر الدولار الجمركي يحدد شهريًا، وفي الغالب يكون أقل بنسبة كبيرة من السعر المتداول في البنوك.

ومع القرار الذي تم العمل به منذ بداية الشهر الجاري، أصبح هناك سعرين للدولار الجمركي، الأول هو الذي تحدثنا عنه، والذي يكون أقل من السعر المتداول، والثاني سيكون أعلى من السعر الأول بقيمة تصل إلى نحو جنيهين. وبالحديث عن هدف القرار فالحكومة المصرية كشفت منذ البداية أن الهدف هو زيادة حصيلة الضريبة على القيمة المضافة للسلع الاستفزازية والترفيهية، والتي تعد من أهم إيرادات البلاد في الوقت الحالي.

Embed from Getty Images

هدفٌ آخر ذكره وزير المالية مؤخرًا وهو تشجيع الصناعة المحلية والحفاظ على العمالة، ومنحها ميزة تنافسية، ولكن في الواقع هذا الهدف تستخدمه كل الحكومات لتبرير مثل هذه القرارات؛ إذ إن كثيرًا من المنتجات التي حددتها الحكومة ضمن السلع غير الضرورية ليس لها بديل محلي، وهو ما يضعف من تحقيق مثل هذا الهدف.

هل يرفع القرار أسعار السلع الترفيهية فقط؟

في مارس (آذار) 2017، تحدث رئيس شعبة المستوردين بالغرفة التجارية المصرية السابق، أحمد شيحة،  لـ«ساسة بوست» وقال: إن المواطن في النهاية هو الذي يتحمل تكلفة زيادة الدولار الجمركي؛ إذ أوضح أن الدولار الجمركي مرتبط بالأسعار بصورة مباشرة، وذلك لارتفاع أسعار الجمارك في مصر، فأي تكلفة زائدة تفرض على المستورد يتحملها المواطن ربما بقيمة تصل إلى الضعف في كثير من الأحيان، لكن هل اتخذت الحكومة احتياطاتها هذه المرة؟

لم ندرس الأثر المالي لقرار تحرير سعر الدولار الجمركي على الواردات غير الأساسية. *مصلحة الجمارك المصرية

هذا ما صرح به رئيس مصلحة الجمارك، السيد كمال نجم، لصحيفة «البورصة» المصرية، لكنه عاد وأكد أن القرار خضع لمناقشات وزراء المجموعة الاقتصادية، واستغرق فترة مطولة لمناقشة القرار ودراسة جميع جوانبه والآثار المترتبة عليه، لكن السؤال الآن هل سيرفع القرار أسعار السلع المحددة فقط؟ أم أن جميع أسعار السلع ستتأثر؟

Embed from Getty Images

القرار شمل سلعًا رأت الحكومة أنها غير ضرورية وترفيهية، مثل السيارات وأدوات التجميل والتليفونات المحمولة وأجهزة الحاسب الآلي بأنواعها، وبعض أنواع الأحذية والأثاث، والموتوسيكلات والتكاتك، بالإضافة إلى الملابس وغيرها، هذه القائمة تم تحديدها من قبل المجموعة الوزارية الاقتصادية وبالتنسيق التام مع وزارة التجارة والصناعة، لكن هل الارتفاع قاصر على هذه السلع فقط؟

كل ما تريد معرفته عن التعويم الكلي للجنيه المصري

ويمكن القول إن الزيادة في الأسعار بالسوق المصري ليست بهذه الدقة، وذلك لضعف الرقابة وعدم قدرة الدولة على السيطرة على السوق وإجبار التجار على عدم رفع الأسعار، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار قد يطول كل السلع في السوق تقريبًا سواء المستوردة أو المحلية، وهو ما يجعل البلاد معرضة لموجة تضخم خلال الفترة القادمة بسبب هذا القرار.

ويرى تجار ومستوردون أن أسعار السلع التي طبق عليها قرار وزارة المالية سترتفع أسعارها بنسبة تتراوح ما بين 10 إلى 15%، إلا أن البعض يؤكد أن النسبة قد ترتفع أكثر، في حال لم تراقب الدول الأسواق، وبحسب رئيس غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات، محمد المهندس، فإن الأجهزة الإلكترونية تعد ركيزة أساسية في الشركات والمصانع والأفراد، ويتوقع أن ترتفع أسعار هذه الأجهزة بنسبة تصل إلى 15%.

لكي لا تخدعك الأرقام.. لماذا ينخفض التضخم وترتفع الأسعار في نفس الوقت؟

جدير بالذكر أن مصر رابع أكبر دولة في الإنفاق على صناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في الشرق الأوسط؛ إذ يباع في السوق المصري أكثر من 20 علامة تجارية للهواتف المحمولة، يتم استيرادها جميعًا، كما أن نسبة الملابس المستوردة في مصر تقدر بأكثر من 50% من حجم السوق المحلي؛ وهو ما يعني تأثر السوق المحلي بالقرار.

لماذا يعد سوق السيارات المتضرر الأكبر؟

على الجانب الآخر: ساد خلال الأشهر الماضية تفاؤل بسوق السيارات المصري، بسبب قرب رفع الجمارك بشكل كامل عن أسعار السيارات الأوروبية اعتبارًا من يناير 2019، إلا أن قرار تحرير الدولار الجمركي للسيارات أصبح بمثابة صدمة للسوق، الذي بات يتوقع أن ترتفع الأسعار فيه بعد أن كانت جميع التوقعات تشير إلى تراجعها مع بداية يناير.

وتراوحت التوقعات في سوق السيارات بين الارتفاع بنسبة 2% إلى 10%، إذ قالت شركة «جي.بي أوتو» – أكبر شركة لتجميع وتوزيع السيارات في مصر- أن أسعار السيارات المستوردة كاملة الصنع سترتفع بنسبة تصل إلى 2%، بينما يرى رئيس رابطة تجار السيارات المصرية، أسامة أبوالمجد، أن الأسعار سترتفع بنسبة تصل إلى 10%.

ويرى البعض أن السيارات المستوردة من دول الاتحاد الأوروبي قد تكون الأقل تأثرًا نتيجة إلغاء الجمارك عليها بدءًا من العام المقبل، بخلاف السيارات المستوردة من الصين واليابان وكوريا، إلا أنها ستتأثر بالطبع؛ لأن ضريبة القيمة المضافة 14%، وضريبة الجدول 1%، ورسم التنمية 3%، وكل هذه الرسوم سيتم حسابها على أساس سعر الدولار الجمركي الجديد وهو ما يجعلها عرضة للارتفاع أيضًا.

هل لصندوق النقد الدولي علاقة بقرار تحرير الدولار الجمركي؟

باتت القرارات الاقتصادية في مصر منذ حصول البلاد على قرض صندوق النقد الدولي مرتبطة بشكل كبير بتوجيهات أو ملاحظات الصندوق، إذ يرى محللين أن هذا القرار ليس بعيدًا عن ضغوط صندوق النقد الدولي للحصول على باقي شرائح القرض المتفق عليه، خاصة أن الصندوق قد أنهى مراجعته الرابعة في وقت قريب وتحديدًا في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

Embed from Getty Images

يشار إلى أن مصر قد اتفقت مع صندوق النقد على قرض بقيمة 12 مليار دولار نوفمبر 2016، حصلت منها على أربع شرائح بقيمة 8 مليار دولار، بعد تنفيذ عدة شروط منها تعويم الجنيه وتقليص الدعم ورفع أسعار الوقود، ومن المقرر أن يجتمع المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، أواخر شهر ديسمبر الجاري، لبحث صرف الدفعة الخامسة لمصر من قرض الصندوق.

ومن المعلوم أن الصندوق يميل دائما إلى تحرير أسعار الصرف على كل المستويات، وكثيرًا ما يطلب عدم تدخل الحكومة لتحديد السعر، وهو ما يرجح وجود علاقة بين قرار الحكومة وتوجيهات الصندوق.

هل سيتأثر سعر صرف الدولار بهذا القرار؟

يرى محللون أن قرار الحكومة برفع سعر الدولار الجمركي، بمثابة اعترافًا ضمنيًا من الحكومة بأن سعر الجنيه المصري سيتجه نحو الانخفاض خلال الفترة القادمة، وهو ما يتماشى مع توقعات الكثير من المؤسسات المالية وبنوك الاستثمار العالمية والمحلية، فبحسب إدارة البحوث بشركة «إتش سي» للأوراق المالية والاستثمار سيشهد الجنيه المصري انخفاضًا بنسبة 5 % إلى 10% على مدار عام 2019، وهي النسبة ذاتها التي تحدثت عنها كثير من المؤسسات خلال الأشهر الماضية.

إلى أين يتجه الدولار في مصر؟

ويصنع قرار الحكومة بتحرير سعر الدولار الجمركي على السلع غير الضرورية حالة من النشاط في سوق الصرف خاصة أن بعض المعطيات التي ظهرت مؤخرًا قد تساهم أيضًا في مزيد من الحركة في السوق، والتي ستؤدي الغالب إلى ارتفاع الدولار في مصر، إذ أشارت وكالة «رويترز» المنشور مؤخرًا  إلى استعانة البنك المركزي المصري بالبنوك التجارية المملوكة للدولة للحيلولة دون تراجع الجنيه مقابل الدولار عن طريق قيامها بتوفير أي كميات إضافية من العملة الصعبة قد تحتاجها السوق؛  مما قد يساعد في هذه الحركة.

Embed from Getty Images

ويعزز قرار محافظ البنك المركزي، طارق عامر، بإلغاء آلية تحويل أموال المستثمرين الأجانب؛ ليكون غدًا الرابع من ديسمبر الجاري آخر أيام التعامل من خلال خلال الآلية، خوفًا من فكرة صعود الدولار الفترة القادمة.

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!