يعيش الإعلام المصري واقعًا صعبًا، بعد حجم القيود المُباشرة، وغير المُباشرة، على المواد المنشورة في الصحف المصرية الخاصة، وتقليص مساحة الهامش التي كان يتركها الرئيس المخلوع محمد حُسني مُبارك، لهذه الصحف، للتعبير عن المعارضة، والنقد، والاشتباك مع نظامه السياسي في قضايا إشكالية.

هذه القيود يترجمها النظام الحالي، في مصادرة الصحف المصرية الخاصة، قبل عملية الطباعة، وهو الأمر الذي تكرر في أكثر من واقعة، وبعدة طُرق، بينها ما يصفه البعض بالتنبيهات أو التعليمات السرية، والتي يبدو أن آخرها، ما دفع جريدة المصري اليوم، إلى استبدال مانشيت رئيسي بآخر.

الوطن ومجدي الجلاد وانتقام السلطات

في عدد جريدة الوطن المصرية، الصادر بتاريخ 14 يناير (كانون الثاني) 2015، صودرت أعداد الجريدة، لتناول المانشيت الرئيسي لها، واقعة امتناع 13 جهةً سياديةً، عن دفع الضرائب خلال السنوات الماضية، ثم استبدل به مانشيتًا آخر حول المؤتمر الاقتصادي وقائمة المشروعات المشاركة فيه.

الصحف المصرية

كان المناشيت الذي يتصدر الأعداد الرئيسية لجريدة الوطن المصرية، عنوانًا لتحقيق مُوسّع عن الجهات الأمنية، التي لا تدفع الضرائب، ما يتسبب في إهدار أموال طائلة.

جرى استعراض هذا المانشيت في صفحتين داخل عدد الجريدة المًصادر، إذ ذكر أن 13 جهةً سياديةً، بينها الرئاسة والداخلية والمخابرات، لا تدفع الضرائب، ما تسبب في إهدار 7.9 مليار جنيه على الدولة. كما يُشير المانشيت، إلى أن جريدة الوطن استطلعت رأي وزارة المالية، التي ردت عليها: «ما تدخلوش عش الدبابير».

استبدل بتحقيق المانشيت تقريرًا مُطوّلًا عن المؤتمر الاقتصادي، الذي انعقد في مارس (آذار) العام الماضي، في شرم الشيخ. كان الحس العام للتقرير، الإشادة بالمؤتمر الاقتصادي، الذي وصفته بـ«الحلم»، والحديث عن «نتائجه الإيجابية»، في إشارة إلى قوائم المشروعات النهائية التي جرى الاتفاق مبدئيًّا عليها في المؤتمر.

الصحف المصرية

مجدي الجلاد، والذي كان رئيس تحرير الصحيفة آنذاك، والمشرف بطبيعة الحال على التحقيق المحذوف، كان التحقيق ومانشته، أحد أسباب التعجيل بقرار رئيس مجلس إدارة الجريدة، محمد الأمين، بإقالته «الجلاد» عن منصبه، بالإضافة إلى تقليص عدد حلقات برنامجه «لازم نفهم» على قنوات «سي بي سي – CBC»، التي يمتلكها أيضًا الأمين، المعروف بقربه من الأجهزة الأمنية، وذلك حسبما كشف مصدر مقرب من الجلاد، لـ«ساسة بوست».

لم تكتفِ السلطات المصرية بهذا الأمر، بل تعنتت في إصدار ترخيص جريدة يومية لمصراوي، الموقع الإخباري الشهير. وكان رجل الأعمال المصري، نجيب ساويرس، يستهدف إطلاق جريدة مصراوي اليومية، العام الماضي، برئاسة تحرير الجلاد أيضًا، إلا أن السلطات المصرية وقفت في طريق الأمر، لأسباب من بينها اسم الجلاد.

المصري اليوم ترجع إلى الخلف

في عددها الصادر صباح أمس الثلاثاء 13 أبريل (نيسان) 2016، تراجعت صحيفة المصري اليوم الخاصة واسعة الانتشار، عن مانشيت صفحتها الرئيسية: «جزيرتان ودكتوراه لسلمان.. والمليارات لمصر»، لتضع مكانه: «حصاد زيارة سلمان: اتفاقيات بـ25 مليار جنيه».

الصحف المصرية

كذلك تغيّر العنوان الفرعي للصفحة الأولى، ليصبح: «الملك يتسلم الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة.. ونصار: أنت حامي الحمى».

الكاتب السعودي المقرب من دوائر صنع القرار، جمال خاشقجي، أعرب عن استيائه الشديد من المانشيت المحذوف، لدرجة وصفه إياه بـ«قلة أدب»، في تغريدة له على موقع التدوينات القصيرة «تويتر».

الصحف المصرية

وجدير بالذكر، أن عدد أول أمس الإثنين، من جريدة المصري اليوم، حُذف منه خبرٌ يفيد وجود طلب إحاطة موجه لوزير الدفاع المصري، صدقي صبحي، من قبل أحد نواب البرلمان، بخصوص موقف القوات المسلحة من الجزيرتين. إلا أنّ تفاصيل العنوان لم يعثر عليها القارئ داخل الصحيفة، ما يعني حذف الخبر من الداخل، وعدم تدارك الأمر في الصفحة الأولى.

وفيما تحايل رئيس تحرير الجريدة، محمد السيد صالح، على قضية حذف المانشيت واستبدال آخر به، بدعوى أن الأول كان «تجريبيًّا، وتم تداوله بين الزملاء داخل الجريدة فقط»، أكّدت مصادر لـ«ساسة بوست»، أن الاستبدال حدث بناءً على تعليمات من إحدى الأجهزة الأمنية، لرئيس مجلس إدارة الجريدة مُباشرةً، وبدوره وجّه تعليماته بضرورة استبدال المانشيت.

صوت الأمة

صادرت السلطات المصرية، العدد الأسبوعي من جريدة صوت الأمة، نهاية العام الماضي، لتضمنه تقريرًا خبريًّا بعنوان «أحزان الرئيس»، وهو موضوع متعلق بقصة خبرية من مستشفى الجلاء العسكري، عن زيارات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لوالدته، قبيل وفاتها، وبعض المعلومات المتعلقة بخط السير اليومي في المستشفى.

الصباح

كذلك منعت مطابع مؤسسة الأهرام، طباعة العدد الأسبوعي من جريدة الصباح، لتضمنه مقالًا عن محمد بدران، رئيس حزب مستقبل وطن، وأحد الوجوه كثيرة الظهور برفقة السيسي.

المقال للكاتب أحمد رفعت، وحمل عنوان: «كيف تصبح طفلًا للرئيس في تسع خطوات»، ونُشر في الصفحة 14. على إثر منع مُؤسسة الأهرام، غيّرت الجريدة المقال، ووضعت آخر مكانه، حتى يُسمح بطباعة العدد.

وكان رفعت، قد توجه بالنقد في مقاله الممنوع، إلى الندوة التي عقدها بدران، في جريدة الصباح، وكان مضمونها أن حزب مستقبل وطن، ليس حزب رئيس الجمهورية، وأنّ بدران أخبر السيسي بأنّه قد يُعارضه إن حاد عن تنفيذ خارطة الطريق! ليرد عليه رفعت بالمقال، الذي وصفه بالفتى المدلل للسيسي، وأن حزبه إنما خرج من بطن النظام.

كيف تُصادر السلطات المصرية الأعداد/ المانشيتات قبل صدورها؟

تتولى مطابع الأهرام الحكومية، مسؤولية طباعة كافة الصحف المصرية، بعد الانتهاء من إعداد المادة الصحافية الكاملة لهذه الصُحف، باستثناء جريدة المصري اليوم، التي تمتلك مطابعها الخاصة، منذ عام 2009.

وبحسب مصدر داخل مطابع الأهرام الحكومية، تحدث إليه «ساسة بوست»، فإن عملية مصادرة الصحف أو مانشيتات أو أخبار بعينها، لا يأتي من داخل المطبعة الحكومية، وربما حادثة المصري اليوم الأخيرة، دليلٌ على ذلك.

يُوضح المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، أن المنع الرئيسي يأتي من إدارة الجريدة، بعد وصول تحذيرات، أو تنبيهات، أو تعليمات أمنية مُعينة، وما يعنيه هذا، أن الأجهزة الأمنية تكون على علم بمحتوى الصحيفة.

ولكن كيف تعلم الأجهزة الأمنية بمحتوى الصحف؟ يُجيب على ذلك مصدر من داخل إحدى الصحف الخاصة، إذ يقول: «داخل الجريدة، يتواجد دائمًا صحافيون تابعون لأجهزة أمنية. هذا الأمر يعلمه كافة الصحافيين في الجريدة. وهؤلاء الصحافيون الأمنيون، يتطوعون بإرسال أي مادة قد يجدونها شديدة في الخصام مع الدولة، إلى الأجهزة الأمنية، لتتولى الأخيرة إرسال التعليمات إلى إدارة الجريدة».

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد