شرعت أكثر من وسيلة إعلامية مصرية الفترة الماضية، في إطلاق اتهامات على عدد من كُبرى وسائل الإعلام الأجنبية: تتهمها بالتواطؤ على مصر، والسعي لزعزعة استقرارها؛ على خلفية تقارير وثقت فيها هذه الوسائل انتهاكات تمارسها السلطات المصرية بحق معارضيها السياسيين، أو وقائع فساد حكومي.

تزامنت هذه الاتهامات التي أطلقتها أغلب وسائل الإعلام المصرية، مع حملة تضييق على عدد من الأصوات الإعلامية داخل مصر، التي انتقلت بعضها لمحطات أجنبية تبث خارج مصر؛ ما كان دافعًا للإعلام المصري لتصعيد حملة التشويه تجاه هذه الوسائل، وإطلاق دعوات لإغلاق مكاتبها داخل مصر.

الأهرام و«مصطفى بكري» يُعلنان الحرب على الإعلام الأجنبي

داخل الصفحة الأولى لجريدة الأهرام المصرية الحكومية، تَصدّر خبر في عددها الصادر بتاريخ 21 أُغسطس (آب)، تحت عنوان «بي بي سي تشارك في حملة ضرب السياحة المصرية»، اتهمت فيه «هيئة الإذاعة البريطانية» بنشر تقارير تضر بسمعة مصر خارجيًا، وأنها تهدف إلى افتعال أزمات، وتضخيم أحداث قد تكون صغيرة؛ للوصول إلى الهدف الذي تريده، بحسب ما جاء.

وتضمنت اتهامات الصحيفة أكثر من وسيلة إعلام، مثل«سي إن إن» و«رويترز» و«أسوشيتيدبرس»، حيث زعمت الجريدة الحكومية، أن هذه الوسائل الإعلامية الأجنبية، تسعى إلى «حشر اسم مصر في أية كارثة، سواء داخل مصر أو خارجها».

الاتهامات التي تناقلتها صحيفة الأهرام، نقلتها أكثر من وسيلة إعلامية مصرية حكومية وخاصة، بمضامين متنوعة، منها صحيفة «اليوم السابع» المصرية الخاصة، المملوكة لرجل الأعمال المصري «أحمد أبو هشيمة»، والمُقرّب من السلطات المصرية؛ إذ ذكرت في تقريرعنونته بـ«لماذا تحولت (دويتش فيلله) إلى منصة إعلامية لمهاجمة مصر؟ ولماذا خصصت 250 مليون يورو للاستثمار في الإعلام المصري؟ القناة الألمانية تتبنى خط المعارضة الكاملة، وتفتح أبوابها للمعارضين المصريين».

ذكرت الجريدة المؤيدة للنظام الحاكم، أنه «في الخروج ببرامج وتقارير إخبارية واقتصادية بها رسالة إعلامية محددة وواحدة، وهي الإيحاء بأن الدولة المصرية فاشلة، أو أنها غير قادرة على البقاء اقتصاديًا، والهدف واضح، بكل تأكيد، وهو نزع الأمل من نفوس المصريين».

كما زعمت الصحيفة أنّ القناة خصصت 250 مليون يورو للاستثمار في الإعلام المصري، «عبر دورات تدريبية أقل ما توصف بأنها مشبوهة، وبروتوكولات تعاون ـ للأسف الشديد ـ انساقت إليها وسائل إعلام مصرية، خدعتها شعارات الحيادية التي ترفعها القناة الألمانية، دون أن يدري الإعلام المصري أنه يقع في فخ استهداف الدولة المصرية»، بحسب ما جاء تغطية الصحيفة المصرية.

البرلماني والصحافي المصري، «مُصطفى بكري»، وممن يميلون إلى تخوين وسائل الإعلام الأجنبية، قال في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست»، إن لديه أدلة دامغة على تآمر أغلب وسائل الإعلام الأجنبية، مؤكدًا أن من يحركها الحكومات الغربية، التي قال إنّها «لاتزال تسعى لاستكمال مخطط «كونداليزا رايس»، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة؛ لنشر الفوضى في مصر، بعد إفشال مخطط الولايات المتحدة الامريكية، في تقويض استقرار مصر، عبر تسهيل وصول جماعة الإخوان المسلمين للسلطة»، على حد تعبيره.

يقود مصطفى بكري حملة ضد القنوات الأجنبية

وأضاف بكري – الذي سبق له تقديم بيان عاجل ضد وكالة أنباء رويترز عقب نشرها تقريرًا يتهم الحكومة المصرية بقتل الباحث الإيطالي «جوليو ريجيني» – أنه«من حق مصر أن تدافع عن كرامتها، وتحاسب كافة المسؤولين عن مكاتب هذه الوكالات الأجنبية داخل مصر، وتقديمهم للمحاكمة، خصوصًا مع استمرارهم في نشر أكاذيب ضد الجيش المصري، والشرطة»، زاعمًا أن أغلب هذه الوكالات «مُخترقة من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، في أغلب مكاتبها داخل مصر»!

بين متهمٍ ومدافع عن مهنيته

من جانبه، اعتبر الكاتب الصحافي المصري، «عبد الله السناوي»، في تصريحات لـ«ساسة بوست»، أنّ الخطاب الإعلامي «جزء من المُشكلة التي تعيشها البلاد، والتعويل على إسناد الفشل السياسي والاقتصادي للمجهول، أو وسائل إعلام أجنبية، مسألة خطيرة»، بحسب تعبيره.

وأضاف السناوي أن «اعتبار كُل نقد مؤامرة، وأي تجاوز من المعارضين يستدعي إدراجهم في الطابور الخامس، هو أمر غير معقول، خاصة أن من بين هؤلاء المعارضين من كان داعمًا للرئيس عبد الفتاح السيسي، وجزء من صناعة مشهد 30 يونيو (حزيران)».

ويرى السنّاوي، المعروف بصلته النافذة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، أنه «لا يمكن نفي احتمال وجود نية مُسبقة من عدد من وسائل الإعلام الأجنبية للإضرار بمصر، لكنه في الوقت ذاته لا نستطيع أن نتعامل معها، على أن ذلك هو الأساس وراء المشاكل التي تواجه البلد، سواء كانت سياسية أو اقتصادية»، مؤكدًا على أن استهداف السيسي لن يكون بهذه التقارير، في حال تحركت السلطات الأمنية، نحو فتح المجال العام، وتأسيس جلسات للنقاش العام عن الأزمات الاقتصادية التي تعيشها البلاد، مع مجموعة من الخبراء الاقتصاديين المصريين، وتحقيق حد أدنى للاستقرار.

وكانت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية، الرائدة في مجال الاقتصاد، قد نشرت في عددها الصادر في السادس من أغسطس (آب) الجاري، ملفًا خاصًا عن الوضع الاقتصادي المصري، وقد عنونت الملف بـ«تخريب مصر»، وهو ما دفع كافة وسائل الإعلام المصرية، إلى شن حملات هجوم على المجلية، وتشكيك في مهنيتها ومصداقيتها، تلا ذلك تقرير منشور في جريدة اليوم السابع، يصف ملف الإيكونوميست بـ«التحليل الركيك، والقراءة السطحية للاقتصاد المصري، وطبيعة التحديات التي تواجهه».

غلاف مجلة الإيكونوميست

يعلق السناوي على ملف الإيكونوميست، فيقول: إنه «جزء من الإشارات لبعض الأطراف الغربية؛ للضغط على الرئيس «عبد الفتاح السيسي»؛ لعدم استكمال فترته الرئاسية الأولى، منذ فترة طويلة، والتي كانت إرهاصاتها قد بدأت في شهر مارس (أذار) العام الماضي»، مُضيفًا، أنّ «مواجهة ذلك بالصراخ الإعلامي لا يُغير شيئًا من المعادلات الرئيسة، وأنه نموذج لاستمرار تجربة الفشل المزمنة، سواء في الاقتصاد أو السياسية، التي ستنعكس سلبًا على القائمين على إدارة البلاد».

في المقابل، تواصل«ساسة بوست» مع «ستيفين كليمنز»، رئيس تحرير مجلة «ذي أتلانتيك» الأمريكية، ومدير برنامج الاستراتيجية الأمريكية في معهد أمريكا الجديد، والذي قال: إن توصيف التقارير الصحافية التي تتعامل مع الوضع السياسي والاقتصادي في مصر، بأنها مؤامرة على الاستقرار «أمر غير معقول»، مُعتبرًا أنه يأتي في سياق استثنائي تعيشه البلاد؛ ما يدفع بنخبتها الحاكمة، إلى توصيف أي خارجٍ عن صوت النظام، بأنه خائن للوطن، وممول من الخارج، ويستحق العقوبة، حسب ما قال.

وأضاف كليمنز أن «التقارير التي تخرج من وسائل الإعلام الأجنبية، تسعى للتدقيق في الأرقام، وتحاكي واقعًا، وتبرز كافة الآراء، سواءً كانت مُعبرة عن السلطة، أو مناهضة للنظام الحاكم، دون الإخلال بالقيم الصحافية المعمول بها بكافة دول العالم».

كما أكّد على أن اندفاع وسائل الإعلام المصرية، نحو الهجوم والتشكيك الدائم في وسائل الإعلام هذه، «قد تكون عواقبه وخيمة»، يقصد على مستوى سمعة مصر خارجيًا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد