5,443

توسعت مصر والإمارات في تطوير علاقتيهما مع كوريا الشمالية على مستوى البعد العسكري والاقتصادي ساعيين عبر صلاتٍ سرية لتشكيل تحالف من المصالح المشتركة بينهم، وتطوير منظومة الأسلحة لكلا البلدين عبر الاستفادة من قدرات الدولة الأسيوية في مجال التسليح.

أخذت العلاقات بين الثلاث بلاد طابع السرية في كثيرٍ من مجالات التعاون، خصوصًا فيما يتعلق بصفقات الأسلحة بين الدولة الخليجية وكوريا الشمالية، للحيلولة دون إثارة غضب الإدارة الأمريكية، وكذلك لتجنب عقوبات من جانب الأمم المتحدة.

مصر وكوريا الشمالية.. التعاون ليس وليد اليوم

في الخامس من يوليو (تموز) الماضي، وبينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في طريقه للمشاركة فى قمة دول العشرين بألمانيا، أجري مكالمة هاتفية بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي، وتحدَّث معه عن مخاطر كوريا الشمالية، وهو الأمر الذي لم تغطِّه وسائل الإعلام المصرية في نصّ المكالمة التي تباهت بشقّها الأول فقط، والذي تحدّث فيه كلاهما عن الأزمة الخليجية، وتجاهلت الشق الثاني من الاتصال الهاتفي، كأنه والعدم سواء.

وذكر بيان البيت الأبيض أن ترامب ناقش أيضًا التهديد النووي الذي تشكله كوريا الشمالية. وطالب ترامب «بعمل جميع دول العالم على تنفيذ قرارات المقاطعة المفروضة من مجلس الأمن الدولي ووقف استضافة عاملين من كوريا الشمالية أو إمدادها بحوافز اقتصادية أو عسكرية».
Embed from Getty Images
الحديث المباشر من جانب الرئيس الأمريكي لنظيره المصري عن «كوريا الشمالية»، يرتبط بسياقٍ أوسع يتعلّق بالتماهي في العلاقة بين الجانبين المصري والكوري، وتطور العلاقات بينهما على مستوى عسكري واقتصادي، وهي المسألة التي ترقبها الإدارة الأمريكية بعين الاعتبار فيما يبدو. وأشارت لها  صحيفة «واشنطن إكسامنر» القريبة من إدارة ترامب قائلة إنّ ترامب «طلب من نظيره المصرى الالتزام بمقاطعة كوريا الشمالية».

وحسب مقالٍ منشور لمحمد المنشاوي – المحلل المتابع للشأن الأمريكي – بجريدة الشروق، فوزارة الدفاع الأمريكية كانت تجد قلقًا واسعًا حيال التعاون العسكري بين البلدين، وكانت تلاحق  الرئيس الأسبق حسنى مبارك خلال زياراته العديدة لواشنطن بأسئلة واستفسارات متكررة حول حدود التعاون العسكرى بين مصر وكوريا الشمالية. وكان من أهم هذه المواجهات تلك التي حدثت خلال زيارته عام 2002، حيث واجهته المخابرات الأمريكية بدلائل وافية ومقنعة على وجود تعاون عسكرى على تطوير صواريخ (نوــ دونج)، وهو الأمر الذى نفاه مبارك ووعد بوقف أى تعاون بين بلاده وكوريا الشمالية.

يدعم هذا النموّ اللافت في العلاقات بين البلدين التصريحات الاحتفائية من جانب سفير كوريا الشمالية لدى مصر، الذي ذكر في إحدى اجتماعاته مع وفد من الدبلوماسية الشعبية: «أن العلاقات مع مصر قديمة وتاريخية وهناك تمثيل دبلوماسي كامل وملحقيّة عسكرية، موضحًا أن العلاقات بين مصر وكوريا ستشهد تطورًا في ظل قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يعتبره يعيد مصر إلى عصر الزعامة حسب وصفه، كما أعلن دعم بلاده مصر في مكافحة الإرهاب». قبل أن يعود الملحق الكوري الشمالي بمصر ليؤكد ذلك في احتفالية بالقاهرة بمناسبة الذكرى السنوية الـ85 لتأسيس الجيش الكوري الشمالى «العلاقات مع مصر ستشهد تطورًا».

ومصر واحد من 3 دول عربية (سوريا – فلسطين) لاتزال تبقي على سفارتها مفتوحة لها داخل بيونج يانج عاصمة كوريا الشمالية.

خروج هذا التحالف إلى العلن بدأ ينكشف مع توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي، دعوة إلى الزعيم الكوري كيم يونج أون، زعيم كوريا الشمالية، لحضور حفل افتتاح قناة السويس الجديدة، ولاقت الدعوة ترحيبًا من قبل نظيره الكوري، الذي أوفد رئيس هيئة رئاسة الجمعية الشعبية العليا للبلاد (رئيس الدولة)، كيم يونج نام لحضور الحفل.

وتمتعت المؤسسة العسكرية المصرية بخصوصية في العلاقة مع الجيش الكوري، منذ دعم بيونج يانج للجيش المصري في حرب 1973  بعشرين طيارًا، وثمانية مراقبين جويين، وخمسة مترجمين، وثلاثة إداريين، وطبيب وطباخ دعمًا للمجهود العسكري المصري فى حربه ضد إسرائيل.

البعد الاقتصادي.. ما وراء الخبر

أحد أبعاد التحالف الذي يتكتم كلا الجانبين عن تفاصيله، ويكتفون بخطوطٍ عامة عن العلاقة بين البلدين، هو الجانب الاقتصادي؛ إذ تحتل الاستثمارات المصرية مرتبة متقدمة في قائمة الاستثمارات الأجنبية بكوريا الشمالية،  تصف الهيئة العامة للاستعلامات المصرية الرسمية – على موقعها الرسمي –  العلاقات بين مصر وكوريا الشمالية بأنها «تاريخية»، ويجمع بينهما 20 اتفاقية متنوعة، فيما يتصدر رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس قائمة الاستثمارات الأجنبية النادرة في تلك الدولة الشيوعية.

Embed from Getty Images
نجيب ساويرس

ويجمع بين مصر وكوريا الشمالية حوالي 20 اتفاقية، تتنوع بين الاقتصاد والأمن والإعلام والتكنولوجيا والثقافة، وغيرها، وفقًا لما نشرته الهيئة. يمتلك ساويرس 75% من شركة «كوريو لينك» للهواتف المحمولة، بينما تمتلك النسبة الباقية وزارة البريد والاتصالات الكورية الشمالية، وقد بلغت تكلفة إنشاء الشركة نحو نصف مليار دولار، بالإضافة إلى استثمارات أخرى.

اتجاه رجل الأعمال المصري البارز للاستثمار في كوريا الشمالية ، يكون عادة مدفوعًا برغبة أجهزة سيادية مصرية وبموافقاتٍ أمنية، وهو الأمر الذي يعكس حالة القبول من الجانب المصري بتعزيز التعاون بين البلدين.

وشملت قائمة استثمارات الشركة المصرية إنشاء مشروع مشترك بنظام بين شركة أوراسكوم للصناعات البنائية OCI وشركة بيونج يانج-ميونج دانج للتجارة من أجل تحديث وتطوير وإعادة تأهيل مصنع سانج – ون للأسمنت. كما أنشأت شركة أوراسكوم تيليكوم المصرية أول شركة وشبكة لخدمات التليفون المحمول بنظام الـJoint Venture، وذلك مع شريكها وزارة البريد والاتصالات الكورية من خلال شركة «كوريولينك»  koryolink وبتكلفة بلغت 400 مليون دولار.

وقد دخلت كذلك شركة أوراسكوم المصرية شريكًا رئيسًا في مشروع استكمال بناء وإنهاء تشطيبات فندق ريوجيونج الكوري وسط العاصمة، ومن ثم إدارته لاحقًا بنظام حق الانتفاع؛ بالإضافة إلى المحاولات المستمرة بين شركة أوراسكوم المصرية وبنك التجارة الخارجية الكوري FTB لإنشاء بنك تجاري خاص يسمى أورابنك في بيونج يانج.

كيف أصبحت كوريا الشمالية المورد الأول للسلاح للإمارات في حرب اليمن؟

أمَّا دولة الإمارات، فقداعتمدت في سياستها الخارجية، خلال السنوات الأخيرة، على الرهان علي أكثر من حليف، كدعمها للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وفي نفس الوقت احتضانها لمنافِسِه أحمد شفيق، ودعمها السياسي والمالي للجناح الذي يمثله في مصر.

تنكشف هذه السياسة الازدواجية للدولة الخليجية في تمتين صلاتها بالولايات المتحدة الأمريكية، ومساعيها الحثيثة عبر سفيرها يوسف العتيبة لكسب ودّ الإدارة الأمريكية، وتقديم نفسها بأنها حليف واشنطن الأكثر ثقةً بمجلس دول التعاون الخليجي، لكنها في المقابل تعمل على توسيع تحالفاتها العسكرية والاقتصادية  مع كوريا الشمالية، من وراء الستار.

Embed from Getty Images
صواريخ سكود الكورية الشمالية

فبينما أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بيانًا رسميًا يدين إطلاق كوريا الشمالية صواريخ باليستية عابرة للقارات سقطت في المنطقة الاقتصادية الخاصة باليابان، تنكشف تسريبات أمريكية، من وزارة الخارجية الأمريكية، تفيد بقيام الإمارات بانتهاك العقوبات الدولية المفروضة على كوريا الشمالية، عبر شراء أسلحة من هذه الدولة المنبوذة أمميًا، موضحة أن الصلات السرية بين الجانبين قد تصل إلى سعي أبو ظبي لشراء أسلحة نووية من بيونغ يانغ.

وذكر موقع «ذي ديبلومات» الأسترالي، المعني بالشؤون الآسيوية، مذكرة وزارة الخارجية الأمريكية التي تمّ تسريبها أن الإمارات اشترت أسلحة بقيمة 100 مليون دولار من كوريا الشمالية في يونيو (حزيران) 2015 لدعم التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن.

وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد  ذكرت، استنادًا إلى بريد إلكتروني مسرّب، أنها عثرت على وثيقة احتجاج رسمية، قدّمها دبلوماسي من الخارجية الأمريكية، إلى سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة، على صفقات الأسلحة بين بلاده وكوريا الشمالية.

وفي رسالة إلكترونية، بتاريخ 3 يونيو (حزيران) 2015، كتب السفير الإماراتي في واشنطن، أنه استدعي الى وزارة الخارجية الأمريكية «مرة أخرى» بشأن صفقات كوريا الشمالية. وقد تحايلت الإدارة الحاكمة بالإمارات علي إتمام الصفقات العسكرية مع كوريا الشمالية، عبر شركات خاصة لضمان عدم خضوع أبو ظبي للعقوبات الأمريكية، إذ كانت شركة «المطلق» للتكنولوجيا التي تعمل وسيطًا لنقل الأسلحة بين الدول، وهي شركة إماراتية، هي الطرف الثاني في التعاقد مع صفقة الأسلحة مع بيونغ يانغ في يونيو 2015.