تقلب الموقف الحكومي المصري تجاه الثورة السورية بشكل جذري بين فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي والحالي عبد الفتاح السيسي، فالأول قطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام الأسد، وقال إنه «لا مجال ولا مكان للنظام السوري الحالي في سوريا مستقبلًا، وأنه ارتكب جرائم ضد الإنسانية»، بينما على النقيض كانت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي هي دعم جيش النظام السوري، فضلًا عن تحميل السوريين مسؤولية الانهيار في سوريا بسبب الثورة، من ثم تغير شكل تدخل مصر في سوريا في الفترة الأخيرة بشكل جذري.

ومع بداية إحكام السيسي يده على مقاليد الحكم في مصر، نأت الحكومة المصرية بنفسها عن الانخراط في الملف السوري بشكل علني، وراقبت عن كثب مواقف حلفائها من الدول العربية وخاصة الخليجية، لكنها صوتت في مجلس الأمن الدولي مرتين بشكل مفاجئ، أولها بالموافقة على مشروع القرار الروسي لإحياء اتفاق وقف الأعمال القتالية في سوريا، والذي لم يطالب بوقف الغارات الجوية والآخر بالامتناع عن التصويت على مشروع قرار سعودي يدين نظام الرئيس السوري، في خطوة بدت أنها إعلان خروج عن العباءة السعودية في هذا الملف.

ثم باشرت مصر دورها في تهيئة الأجواء أمام العديد من الاتفاقيات التي أدت إلى تهجير المعارضة نحو شمال سوريا، فالنجاح الأول كان بالوساطة في وقف إطلاق النار بريف حمص أكتوبر (تشرين الأول) 2017، وكذلك وساطة في هدنة الغوطة يوليو (تموز) 2017، إذ بدت أنها محاولات مصرية حثيثة لتوسيع دورها في الأزمة السورية، ولكن ما طبيعة الدور الذي لعبته مصر خلال حكم السيسي في سوريا بالتحديد؟

احتواء وترويض «معارضة الأسد الناعمة»

لم يفتأ النظام المصري في عقد اجتماعات دولية من أجل تبني الحل السياسي على أرضها، فمؤخرًا احتضنت مصر جهودًا عربية لإعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية وإيجاد حل سياسي للأزمة السورية، إذ عقدت مصر والسعودية والإمارات والأردن، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، اجتماعًا على مستوى وزارات الخارجية لبحث تطورات الحرب السورية.

نتج عن هذا الاجتماع إصدار بيان للخارجية المصرية قالت فيه إن «الاجتماع بين الدول الأربع بحث سبل حل الأزمة السورية وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254»، وهو ما رأى فيه طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، لموقع «المونيتور»، أن القاهرة ستلعب دورًا في ردم الهوة بين دول الخليج والنظام السوري أو على الأقل تقليص الخلافات بين الجانبين.

سابقًا، ومع تفاقم الأزمة السورية، وانسداد أفق التفاوض مع النظام السوري، ظهرت منصتا «القاهرة» و«موسكو» كتجمعات سورية أعلن عنها في كل من مصر وسوريا بين عامي 2014 و2015، إلا أن بعض أطياف المعارضة الأخرى ترى أنهما تحابيان روسيا ونظام بشار الأسد وتملكان توجهات وأولويات تتباين مع أولويات الهيئة العليا للمفاوضات، وكانت أول مشاركة للمنصتين على المستوى السياسي في مفاوضات «جنيف 4» بواقع مقعد واحد لكل منهما ومن ثم ارتفعت إلى ثلاثة مقاعد.

تأسست منصة «القاهرة» التي تتخذ من العاصمة المصرية مقرًا ومركز نشاط سياسي لها خلال مؤتمر المعارضة السورية يونيو (حزيران) 2015، الذي دعت إليه وزارة الخارجية المصرية، تحت عنوان «من أجل الحل السياسي في سوريا». حيث تم الإعلان عن المنصة برئاسة حسن عبد العظيم رئيس هيئة التنسيق في الداخل السوري، والفنان السوري جمال سليمان، وجهاد مقدسي، الناطق السابق باسم وزارة الخارجية السورية والذي انشق عن النظام.

وتعرّضت المنصة للانتقادات خاصة بعد تصريح عضو المنصة حينها، الدكتور أنور المشرف، لوكالة «سبوتنيك»، «بأن المعارضة بالقاهرة تتبنى مبادرة، أسستها على نتائج زيارة مستشار الأمن القومي السوري علي مملوك إلى القاهرة، وتقضي باستبعاد المعارضة التي تؤمن بالحلول المسلحة، والإبقاء على المعارضة السلمية المؤمنة بالحل السياسي فقط حلًّا للأزمة السورية».

ويشير المحامي محمد صبرا الذي كان كبير المفاوضين في الهيئة العليا للمفاوضات، في حديث مع «العربي الجديد»، «أن منصة القاهرة متحركة، بمعنى أنها مجموعة أشخاص أفراد لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين اجتمعوا في عام 2015، ولولا مشاركة هيئة التنسيق الوطنية في هذا الاجتماع، لما كان له أي صدى وليس من حقهم الادعاء بتمثيل شرائح مجتمعية أو تيارات سياسية، فحتى اللحظة لا نعرف من هم أعضاء منصة القاهرة بالضبط، وبالتالي من المشروع جدًا السؤال عن ماهية منصة القاهرة ومن يقف وراءها، ومدى ارتباطها بالأجندة الروسية في سوريا».

وحديثًا تواردت الأنباء عن اختلاف بين أعضاء المنصة خلال اجتماعهم في ديسمبر (كانون الأول) 2020، إذ نقلت صحيفة «المدن»، عن مصادر مطلعة أن الخلاف نتيجة «الطرح المتداول حاليًّا المتعلق باستبدال أحمد الجربا، رئيس تيار الغد في المنصة، بخالد المحاميد المدعوم من الإمارات، بناءً على توصيات من الخارجية المصرية، إذ ينقسم غالبية أعضاء المنصة بين من هو مرتبط بالخارجية وبين الذين تجمعهم علاقة وطيدة بالمخابرات المصرية، فيما للجهتين حاليًا توجهات غير متطابقة حيال الصراع في سوريا».

مؤتمرات القاهرة لزيادة انقسام المعارضة

خلال السنوات التسع السابقة دار السوريون في دوامة المؤتمرات من مؤتمري القاهرة إلى جنيف واحد إلى اللانهائية، ثم سوتشي وآستانة، وصولًا للدستورية وجولاتها، فضلًا عن مؤتمرات الرياض الثلاث، والآن التحضير لعقد «القاهرة 3» الذي ربما يكون رقمًا هو الآخر، فلا شيء واضح لمخرجاته سوى أن مهمة المؤتمر إنشاء لجنة متابعة لمنصة القاهرة، بحسب الناطقة الإعلامية في «تيار الغد السوري»، مزن مرشد، خلال حوارها مع صحيفة «زمان الوصل».

وقد أضافت مزن خلال الحوار أن «المؤتمر يعقد برعاية جمهورية مصر العربية وتحت رعايتها، وأن هناك لجنة تحضيرية للمؤتمر هي من ستتدارس وتقرر من هي الجهات التي ستتم دعوتها للحضور، من القوى الديمقراطية السورية المؤمنة بضرورة وقف الدم السوري والوصول إلى حل سياسي مرضي يلتزم بثوابت الثورة وقرارات الشرعية الدولية وخاصة القرار 2254».

القاهرة احتضنت مؤتمرين، الأول في يوليو (تموز) 2012، والذي شكل لفتة أمل للمعارضة السورية خرجت عنه «وثيقة عهد وطني» احتوت أبرز بنودها على دعم الجيش السوري الحر، وأن الحل السياسي في سوريا، يبدأ بإسقاط النظام، ممثلًا في بشار الأسد ورموز السلطة وضمان محاسبة المتورطين منهم في قتل السوريين.

أما المؤتمر الثاني والذي عقد في يونيو (حزيران) 2015، بعنوان «من أجل الحل السياسي في سوريا» بحث إقرار خارطة الطريق لتنفيذ مقررات «جنيف واحد»، إذ رأت «المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام»، «أن المؤتمر جاء ليزيد انقسام المعارضة السورية عبر البحث عن قطب سياسي خارج المنظومة الدولية التي دعمت «الائتلاف الوطني»، وخارج المنظومة الروسيةـ الكازاخية التي تعبر عنها «الجبهة الشعبية للتحرير والتغيير» وبعض القوى المحسوبة على النظام، حيث إن هيئة التنسيق المكون الأساسي لمنصة القاهرة تركز على البعد العسكري والإنساني في وظائف هيئة الحكم أثناء المرحلة الانتقالية، في حين يصر «الائتلاف» على مسألة تشكيل الهيئة الانتقالية وحدودها وصلاحيتها السياسية باعتبارها أولوية لأي حل في سوريا».

تدخل عسكري.. صواريخ وجنود

حافظت مصر في عهد السيسي على العلاقات مع النظام السوري، بزيارات متكررة بين المسؤولين المصريين والسوريين، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2018، زار رئيس جهاز الأمن القومي السوري اللواء علي مملوك القاهرة والتقى برئيس جهاز المخابرات العامة المصري عباس كامل. ولم تكن زيارة مملوك في ذلك الوقت هي الأولى، ففي أكتوبر 2016، قام مملوك بزيارة رسمية إلى القاهرة والتقى نائب رئيس جهاز الأمن القومي في مصر اللواء خالد فوزي.

أما إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال مقابلة مع قناة «أر تي بي» البرتغالية عام 2016، إن مصر تنحاز إلى ما أسماه «الجيش العربي السوري»، ثم زيارة رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، عباس كامل، لدمشق، في مارس (آذار) 2020، ولقاءه مسؤولين في النظام السوري، يفسر حيازة الأخير على الأسلحة المصرية فضلًا عن وجود جنود مصريين وخبراء مشاركين في العمليات العسكرية مع قوات النظام السوري حسب شهادات متعددة.

صواريخ من عائلة «صقر»، التي تنتجها الهيئة العربية للتصنيع، هي من عيار 122 ملم برأس حربي يزن 19 كيلو جرامًا، ومدى يصل إلى 20 كيلومترًا، كانت أبرز ما تم توثيقه وثبت استخدامه من قبل النظام السوري خلال معاركه ضد فصائل المعارضة، إذ صرح الرائد سعد أبو الحزم، قائد اللواء الأول في «فيلق الشام» التابع للمعارضة السورية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، عن السيطرة على عشرات الكراتين من الذخيرة المصرية في مخازن قرية منيان بريف محافظة حلب شمالي البلاد، وتظهر الصور التي نشرها «أبو الحزم»، أن الذخيرة مصنوعة في «مصنع 27» التابع لشركة «شبرا» للصناعات الهندسية المصرية.

سياسة

منذ 3 سنوات
مصر تلعب عكس حلفائها الإقليميين.. ماذا تعرف عن علاقاتها الدافئة مع حزب الله؟

وغداة إعلان السيسي دعمه لجيش النظام السوري، كشفت صحيفة «السفير» اللبنانية عن انضمام 18 طيارًا إلى قاعدة حماه الجوية التابعة لقوات النظام، وأن أواخر شهر يناير 2017 سيكون ساعة الصفر التي سترتفع بعدها وتيرة الانخراط المصري العسكري في سوريا، إذ أشارت أن الوحدة المصرية يرأسها أربعة ضباط كبار من هيئة الأركان المصرية في مقرّ الأركان السورية في دمشق، يعمل منهم ضابطان مصريان برتبة لواء، على مقربة من غرف العمليات، وأن اللواءين المصريين يقومان بجولات استطلاعية على الجبهات السورية.

لكن متحدث باسم وزارة الخارجية المصرية نفي وجود أية قوات مصرية مساندة للنظام السوري آنذاك، ولكن ذلك لم يبدد الحديث عن وجود عناصر من الجيش المصري في سوريا، خاصة بعد المقطع المنتشر حينها الذي يصور عملية أسر ضابط مصري منحدر من القاهرة في معارك مدينة حلب عام 2015، اعترف بوجوده ضمن كتيبة المرابطين التي تقاتل مع قوات النظام.

ومؤخرًا في يوليو 2020، نقلت وكالة «الأناضول» التركية، عن مصادر عسكرية وصول عشرات الجنود المصريين إلى الشمال السوري للقتال بجانب قوات النظام، ينتشرون بأسلحتهم الخفيفة برفقة المجموعات التابعة لإيران على خطوط الجبهة ضد فصائل المعارضة السورية المعتدلة، وهو ما أكده «مضر أبو أحمد» العامل في المرصد العسكري التابع للجيش الحر على جبهات ريف إدلب الجنوبي لـ«ساسة بوست»، «أنهم اعترضوا تسجيلات صوتية لأحد الضباط المصريين، مشيرًا أن العناصر المصرية توزعت بـ50 عنصرًا حول سراقب في إدلب و98 في خان العسل بريف حلب».

كعكة مصر في سوريا.. ملف إعادة الإعمار

الكعكة السورية لم تغب عن رؤية النظام الحكام في مصر، فسوريا تعتبر مقرًا لجلب استثمارات هائلة خاصة أن مصر تأخرت في الدخول إلى العراق لإعمارها، وهنا لا يريد «السيسي» تكرار الخطأ نفسه، لا سيما أنه الآن يحيط بدول مليئة بالحروب وهي أرض خصبة لتربعه على الاستثمارات فيها كفلسطين وليبيا والسودان، وحليفه النظام السوري، فبدأت وزارة التجارة والصناعة المصرية تحركاتها واتصالاتها الواسعة مع الشركات المصرية، بنهاية نوفمبر (تشرين ثاني) 2018 تمهيدًا للمشاركة في إعمار سوريا، ووفق بيان المجلس التصديري لموادّ البناء.

ويوضح المجلس التصديري أن غرضهم من الانخراط في السوق السورية هو بغرض تعزيز الدور المصريّ في إعادة الإعمار خصوصًا أنّ هناك بالفعل طلبًا كبيرًا على منتجات الحديد والصلب والنحاس والألومنيوم ومصنوعاتها والسيراميك والمواد العازلة والأدوات الصحية، بحسب بيان المجلس، كما شاركت مصر رسميًا في معرض دمشق الدولي في يوليو 2017 الماضي بجناح على 610 متر، وفقًا لما نشرته وكالة الأنباء الرسمية السورية، وشاركت 30 شركة مصرية في المعرض، لتعظيم دور القطاع الخاص المصري في إعادة إعمار سوريا، وفقًا لما أعلنه اتحاد الغرف التجارية المصري.

وعلى الصعيد ذاته، أطلقت لجنة التشييد والبناء في جمعية رجال الأعمال المصريين، وهي منظمة تصنف نفسها أنها غير حكومية ولا تهدف للربح، وتعمل على دعم التنمية الاقتصادية ورفع كفاءة الكوادر البشرية بحسبها، مبادرة لإعادة إعمار سوريا، بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة، في نوفمبر 2017 من خلال شركات المقاولات المصرية، مع تشكيل مجموعات عمل لتحديد متطلبات عمل ووسائل ضمان مستحقات الشركات المصرية التي ستشارك في إعادة الإعمار.

لكن المحلل الاقتصادي السوري سقراط العلو في حديثه لجريدة «عنب بلدي»، اعتبر أن دخول الشركات المصرية نابع من سببين، الأول علاقة مصر مع النظام السوري، التي تحسنت عقب وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، والذي حاول اتخاذ موقف الحياد في القضية السورية، إلا أن العلاقة مستمرة وجيدة رغم أنها غير معلنة، خاصة وأن الوقائع على الأرض تشير إلى وصول أسلحة من مصر إلى النظام، والثاني أن دخول الشركات يأتي بدفع من روسيا بسبب التقارب المصري- الروسي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد