بعد عقد من الثورة المصرية التي أطاحت بالرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، نجد العديد ممن شاركوا في الثورة يعيشون اليوم في المنفى؛ إذ اضطروا إلى الفرار بعدما عانوا من الاضطهاد والقمع والتضييق، أو خرجوا بحثًا عن فرصة حياة خالية من الخوف بعدما تلاشت أحلامهم ونال منهم الإحباط.

يخشى هؤلاء العودة إلى بلدهم، فبعضهم موضوعون على قوائم ترقب الوصول في المطارات، في حين يواجه البعض الآخر أزمات مختلفة مع إجراءات الإقامة في البلد المضيف. هكذا يواجه النشطاء المصريون الحياة في المنفى بعدما أجبروا على الخروج من مصر في موجات كبيرة بدأت منذ عام 2011، واستمرت حتى يومنا هذا.

ممنوعون من العودة إلى الوطن.. حال «المنفيين» المصريين في الخارج

صدر بالأمس التاسع من أغسطس (آب) 2021، فيلم «المنفيون: قصة جيل»، على منصة «ميدل إيست آي»، وهو العمل الذي يوثق رحلة بعض المرتحلين واللاجئين السياسيين المصريين، الذين اضطرهم النظام المصري للفرار خارج البلاد خوفًا من الاعتقال السجن وربما التعذيب.

وفي الفيلم تختلف قصص اللاجئين على اختلاف شخصياتهم وثقافاتهم وأيديولوجياتهم، إلا أن الدمعة المعلقة في أعينهم أثناء الحديث عن الثورة المصرية 2011، أو العودة إلى الوطن، في الغالب واحدة. عن ذلك يقول حسام سرحان مخرج الفيلم لـ«ساسة بوست» اعتاد المصريون على السفر إلى الخارج للعمل وجمع المال أو الدراسة، إلا أن قصص اللاجئين السياسيين تختلف كثيرًا عن حكايات المغتربين، ممن تتاح لهم الفرصة العودة إلى أوطانهم وزيارة ذويهم والأقارب. فـ«اللاجئ السياسي» ليس بإمكانه أن يعود.

جاءت حالة الارتحال هذه نتيجة لحملة القمع والاعتقالات والترهيب ضد المعارضين السياسيين وغيرهم من نشطاء المجتمع المدني في مصر التي اشتدت منذ عام 2013؛ وهو ما أكدت عليه تقارير موثقة لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» مُشيرة إلى أن آلاف الأشخاص اعتقلوا بشكلٍ تعسفي منذ ذلك الحين.

فر صانعو الثورة المصرية وقادتها وهو ما وثقه تقرير لوكالة الأخبار الإسبانية «EFE»، نُشر في يناير (كانون الثاني) 2021 بمناسبة مرور عقد على الثورة المصرية، إذ جرت الإشارة إلى تزايد موجات الهجرة والفرار خوفًا من الاعتقال، ودون أن يكون لدى المرتحلين أدنى فكرة عن ميعاد عودتهم.

Embed from Getty Images

وتشمل الفئات المهاجرة بعض المواطنين الأقباط والمنتمين لجماعات الإسلام السياسي والليبراليين واليساريين؛ إذ بحسب ما جاء ورقة بحثية تابعة لـ«مركز كارنيجي للسلام الدولي» نشرت عام 2019 بعنوان «الارتحال السياسي في مصر»؛ اختلفت أطياف المهاجرين المصريين إلى الخارج منذ عام 2011.

وذلك بدايةً من الإسلاميين منذ عام 2013، ووصولًا إلى النشطاء الليبراليين وأفراد المجتمع المدني الذين اضطروا للمغادرة بدءًا من عام 2014 بعدما اشتدت حملة الاعتقالات والعنف ضدهم، وهم من حُرموا من العودة إلى وطنهم، بعكس الفئة التي سبقتهم من المرتحلين المتمثلة في رجال الأعمال الذين غادروا بعد الثورة خوفًا منا المحاسبة ومناخ الديمقراطية المحتمل في البلاد بعد 2011.

لم يتوقف الأمر عند مخاوف عودة المرتحلين من السجن والاعتقال، ففي مارس (آذار) 2021، اتهم نشطاء مصريون في الولايات المتحدة الأمريكية، الحكومة المصرية باستهداف أسرهم وأحبائهم في مصر من أجل الضغط عليهم، كان بينهم شريف منصور منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة حماية الصحافيين بواشنطن، الذي صرح أن القوات المصرية اقتحمت ثلاثة منازل لعائلته واعتقلت عدة أشخاص منذ أغسطس الفائت.

«المنفيون: قصة جيل».. فيلم على هيئة جلسة علاج نفسي

يحكي الفيلم قصص بعض الأشخاص الفاعلين في الثورة المصرية، الذين كان لهم دور أثناء الحراك السياسي منذ 2011 وحتى خروجهم من مصر بداية من عام 2013، إذ يرصد كيف يرى هؤلاء الثورة المصرية الآن بعد مرور 10 سنوات على اندلاعها، وهل كانت التجربة الثورية بالنسبة إليهم تستحق بعد ما كل ما حدث، خاصةً بعدما اضطروا إلى ترك حياتهم وعوائلهم والسفر.

ضم الفيلم خمسة نشطاء مصريين من خمس أيديولوجيات مختلفة، هم: «حسام يحيى، ووليد عبد الرؤوف وإسلام لطفي، وعلي خفاجي، وأسامة جاويش». الخمسة يروون تجربتهم بدايةً من مشاركتهم في الثورة، ومرورًا برحلة الخروج من مصر، حتى حياة المهجر وأحلام العودة.

جاءت فكرة الفيلم للمنتج خالد شلبي، الذي أراد أن يقدم شيئًا عن جيل الثورة الذي اضطرته الظروف للخروج من مصر، في محاولة لمعرفة ما يواجهونه بعد مرور 10 سنوات على الثورة، وكيف أصبحت شكل حياتهم بعد الارتحال.

يقول حسام سرحان: «أردنا معرفة ما يواجهونه من مشكلات نفسية نتاج الخروج من الوطن وتأثيرات الحياة في المنفى»، وهي الفكرة التي تحمس لها القائمون على «ميدل إيست آي» البريطانية، وبدأوا التحضير لصناعة الفيلم.

وثق حسام سرحان، مخرج الفيلم تلك الفكرة من خلال الصورة، وأراد أن يجعل النشطاء يروون تجربتهم وكأنهم في جلسة اعتراف أو علاج نفسي يواجه فيها المنفي الحدث الذي تسبب في منفاه. استخدم حسام زاوية التصوير ذاتها أثناء تسجيل الروايات الخمس، نفس الموقع، وحجم الكادر، والألوان الرمادية للخلفيات، ويقول عن ذلك لـ«ساسة بوست»، أردت أن أعمل على تحييد عوامل صناعة الفيلم الأخرى، ليبقى فقط الحدث والرواة و تصبح القصة هي البطل.

أثناء رحلته لصناعة الفيلم واجه المخرج عراقيل كثيرة كان منها اعتذار الكثير من الأشخاص عن الظهور من أجل الحديث عن تجربتهم، واسترجاع الذكريات، فالجميع مهزومون – بحسب المخرج – ويحاولون التعامل مع الهزيمة بالتأقلم مع الحياة الجديدة من أجل نجاةٍ فردية. كان من ضمن ما واجهه اعتذار السيدات كافةً عن رواية تجربتهن، فخرج الفيلم خاليًا من النساء.

(فيلم المنفيون: قصة جيل)

أما عن قصة حسام سرحان الخاصة غير المروية عن المنفى والتي بالتأكيد كان لها دور في دفعه لصناعته، فقد سألناه عنها وأجاب: «بالطبع لدي قصة غير مروية عن المنفى؛ إلا أنني لن أستطيع روايتها في المرحلة الحالية من حياتي». 

يحكي لنا حسام عن أصعب موقف تعرض له أثناء وجوده في المهجر؛ كان ذلك عندما جرى تهديده بإحدى الأماكن التي كان يعمل بها؛ تهديدات خاصة بالإقامة، إذ كان مديره يعلم بمسألة ملفه السياسي وعدم قدرته على العودة إلى وطنه مصر، وقد عمد إلى تهديده ليخضع ويوافق على خفض جزء من راتبه.

عربي

منذ 6 شهور
«الجارديان»: «لن نستسلم».. جيلٌ جديد من الناشطين يبقي الثورة السورية حية

يقول حسام أن هناك مواقف أكثر صعوبة واجهته، إلا أن ذلك يعتبر هو الموقف الذي يمكن روايته، وكان العامل الرئيس فيه هو المنفى، والعجز عن اتخاذ قرار بترك العمل والرحيل بعد التهديد، وقد جاءت الصعوبة في اضطراره للخضوع من أجل مواصلة الحياة.

لم يرد حسام سرحان أن يروي الفيلم بالطرق التقليدية لصناعة الوثائقيات، إذ كان الأساس هو أن يستطيع توثيق الرحلة من خلال مشاعر المنفيين والإحساس بالعزلة الخانقة والسجن الذاتي؛ وذلك من خلال حدث رئيس هو ذكرى الثورة التي عَلق بها المرتحلون في لحظة توقف للزمن، وشكلت حدثًا مهمًا ورئيسًا في منحنى حياتهم.

كم عدد المنفيين سياسيًا من مصر؟

أثناء كتابة التقرير، واجهنا أزمة عدم وجود أرقام أو إحصاءات دقيقة لأعداد المصريين المرتحلين بالخارج لأسباب سياسية متعلقة بالخوف من الاضطهاد؛ وهو نفس ما أشارت إليه ورقة كارنيجي البحثية؛ إذ إن البيانات المتوفرة قاصرة خاصةً مع التحديات التي يواجهها اللاجئون، وتجعلهم يخشون على سلامتهم، ولا يلجأون لتسجيل أسمائهم، وبالتالي لا يجري احتسابهم في عداد المرتحلين.

نفس الأزمة واجهت حسام سرحان وصناع فيلم «المنفيون: قصة جيل»؛ إذ قضى المخرج الشهر الأخير من صناعة الفيلم في البحث عن الأرقام والإحصاءات الخاصة بأعداد المرتحلين، حتى أنه تواصل مع منظمة «هيومن رايتس ووتش» بالإضافة إلى «منظمة العدل الدولية»، كما قام بالاطلاع على الأرقام الصادرة عن مركز الإحصاء المصري، إلا أنه لم يستطع العثور على أرقام دقيقة قابلة للاستخدام، ويرجع ذلك – بحسبه – إلى صعوبة فصل الأرقام الخاصة بالمغتربين من طالبي العمل والدراسة عن اللاجئين السياسيين.

أما عن اختلاف قصص المنفيون في المهجر، وهل لها علاقة باختلاف أيدلوجيتهم السياسية، فيرى حسام أن القصص تختلف باختلاف الشخص، وليس الأيديولوجية وحدها. الجميع يعانون كلٌ على طريقته الخاصة، إلا أن سبب المعاناة في الغالب واحد.

لا فرق في المنفى بين الإسلامي، والليبرالي، والعلماني من وجهة نظر حسام، فالمرتحلون كلهم يبحثون عن بلدٍ يمكنه احتضانهم وحمايتهم، في رحلة لم تنته بحثًا عن الأمان، لكن ليس هناك من شيء مضمون.

 فإذا كان البحث عن الأمان هو سبيل المرتحلين، فما وجدوه كان أمانًا ناقصًا، يقول حسام: «في المنفى تشعر دائمًا بالخطر وهو شعور يشكل جزءًا من المعاناة الأساسية للمرتحلين»؛ إذ غالبًا ما يواجه اللاجئون مشكلات مع الإقامة ورفض طلبات اللجوء، وكأنهم يستجدون حقهم في الحياة.

عن ذلك يروي لنا حسام قصة صديق له كان مصابًا في مذبحة فض رابعة 2013، إلا أن البلد المضيف رفض منحه حق اللجوء بذريعة أن «الجرح لم يعد يؤلمه» بحسب الأوراق الرسمية، وهو – بحسب حسام – نوع من الكوميديا السوداء التي يواجهها المرتحلون في منفاهم، وهي جزء من رحلتهم.

قد يكون المنفيون قد نجوا من السجن المادي، إلا أنهم – بحسب حسام – لم ينجوا فعليًا من سجون ذواتهم الخاصة. في النهاية يشير حسام سرحان إلى أن المنفى مجرد وجه واحد من أوجه ضياع الحلم ودهس الألم، كما جاء على لسان أحد المرتحلين في الفيلم، وينهي حديثه قائلًا «نعرف أننا هُزمنا، نحن معترفون بالهزيمة».

وهو نفس ما صرح به الكثير من النشطاء المهاجرين في أكثر من مناسبة، فالثورة على الأقل بعد 10 سنوات لم تنجح، وإن كنا لا ندري ما المستقبل، لكنها بالتأكيد تركت أثرًا إيجابيًا لا يمحى من خلال زيادة الوعي، إذ على الرغم من كل شيء صار اليوم من شاركوا فيها على دراية كاملة بما ارتكبوه من أخطاء، وقد دفعوا ثمن تعلمهم غاليًا. غاليًا جدًا.

علوم الثورة

منذ سنة واحدة
بماذا ينصح جمال حمدان المصريين لإنجاح ثورتهم على الطغيان؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد