العنوان مجرد صدى لواقع تغطية الصحف الأجنبية للانتخابات الرئاسية خلال أيامها الثلاثة، ومستوحى من التحليلات المتواترة- منذ ترشح السيسي وحتى أغلقت أبواب الاقتراع- للتحديات التي تواجه “منقذ مصر”، والسطور التالية عبارة عن رصد لأبرز الإجابات ذات الصلة.

يبدأ السيسي رئاسته لمصر بتذمرٍ رصده أرييل بن سولومون عبر جيروزاليم بوست، في أعقاب إقبالٍ انتخابيّ “مخيب للآمال”، رغم “الأساليب المخادعة” التي انتهجتها الحكومة لجذب الناخبين، والتي اعتبرتها مؤسسة “ديموكراسي انترناشيونال” تضر بمصداقية الانتخابات، وتثير تساؤلات حول نزاهة عملية التصويت، حسبما نقل باتريك كينجسلي في الجارديان.

لكن الرسالة التي أرادت الأصوات المقاطعة إيصالها عبر صناديق الاقتراع، ووجدت صداها في مواقع التواصل الاجتماعي، ذات دلالة أيضًا، كما رصدها تامر الغباشي في وول ستريت جورنال. وسواءً كان الدافع وراء انخفاض إقبال الناخبين يعود إلى اعتراضهم على كلا المرشحَيْن، أو ببساطة يُعزى إلى اللامبالاة بأي صناديق اقتراع جديدة بعد ثلاث سنوات صاخبة، فإنها تمثل جرس إنذار لأنصار السيسي بحسب بورزو دراغي و هبة صالح في فاينانشيال تايمز.

ليس هذا وفقط، بل إن ضعف الإقبال في انتخابات الرئاسة يُقوِّض هدف المشير في الحصول على تفويضٍ كاسح، ما يهدد بـ”شلّ السيسي وتكبيله في وقت مبكر من ولايته”، حسبما نقل وايرين كننغهام في واشنطن بوست عن هشام قاسم، الرئيس السابق للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان والناشط الحقوقي، التي أكد- في حال لم يتغير المشهد: “ليس لدي شك في اندلاع ثورة ثالثة”.

ومثلما فعلت كافة الصحف الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية والتركية و-ياللعجب- الخليجية، تطرقكننغهام إلى خواء مراكز الاقتراع، والتضارب بين التصريحات الرسمية التي تحدث خلال التصويت عن إقبال 37% من الناخبين بينما كان المراقبون وحملة حمدين يؤكدون أن الإقبال لم يتعدى 15%، وذلك في ظل غياب آلة انتخابية شعبية، والاعتماد بدلا من ذلك على شخصية المرشحين.

باختصار.. أراد السيسي استخدام صناديق الاقتراع لترسيخ سلطته، فأتت الرياح بعكس ما اشتهاه، واحتفل مؤيدوه بعدم انسحاب منافسه الأوحد حمدين صباحي فجاء سحب مندوبيه من اللجان بعد شكاوى الاعتقال والاعتداء الشرطيّ ليطيح بآخر وسيلة كان يمكن التحقق بها من عدم تزوير الانتخابات، على حد وصف ديفيد كيركباتريك في نيويورك تايمز، ما يلقي بمزيد من الشك حول مصداقية أعداد المشاركين.

نعود إلى بن سولومون في جيروزاليم بوست بمفارقةٍ تطرق إليها شادي حميد، وتتمثل في الادعاء بأن السيسي يحظى بدعمٍ شعبيٍّ كاسح ثم تأتي صناديق الاقتراع لتخبرنا بقصة مختلفة تماما، ليخلُص-زميل مركز سابان لسياسات الشرق الأوسط بمعهد بروكنجز- إلى أن “المواطن ليس له مكان حقيقي في مصر تحت حكم السيسي، إلا كأداة في يد الدولة المصرية”، مؤكدًا صعوبة تحقيق الاستقرار في هذه البلد دون إشراك شريحة كبيرة مستبعد لم تعد تملك شيئًا لتخسره.

صحيحٌ أن بن سولومون فتح نافذة تفاؤلٍ حذرة؛ مفترضًا أن هذا الأداء الباهت يمكن أن يتبدد صداه إذا استطاع السيسي تحقيق نتائج إيجابية على الصعيد المحلي، مستفيدًا من المساعدات المالية التي يقدمها داعموه في الخليج والغرب وروسيا، وهو ما قد يسمح له بالاستمرار في السلطة لسنوات عديدة، هذا بالطبع -حسبما يستدرك المحلل الإسرائيلي-إذا لم يقتله المسلحون الإسلاميون أولا. بيدَ أن صموئيل تادروس، المحلل السياسي بمعهد هدسون للحرية الدينية كان أكثر من واضح حين قال بصراحة إن السيسي غير مجهَّز لإدارة الدولة، وأن ميله المفرط للتفاؤل في حل مشاكل البلد قد يؤدي إلى المزيد من خيبة الأمل لأنصاره.

وفي الختام يجيب البروفيسور افرايم انبار، مدير مركز بجين السادات للدراسات الاستراتيجية، وأستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان، عن التساؤل الذي ربما يداعب مخيلتك الآن: أين تكمن مصلحة إسرائيل في كل هذا؟ قائلا: تكمن مصلحة إسرائيل في قدرة السيسي على تحقيق الاستقرار وإنعاش اقتصاد مصر.

لكن أي استقرارٍ هذا الذي يستطيع تحقيقه رئيس تلقت جهوده أولى انتكاساتها في تثبيت أقدام سلطته يوم انتخابه، عبر ضعف الإقبال، لدرجة أن يشرح ديفيد كينر في فورين بوليسي كيف تحوَّل يوم السيسي الكبير إلى مجرد ركود، مسلطًا الضوء على ذات التضارب بين شعبية المشيرة الكاسحة المزعومة، وضعف الإقبال المذهل في الانتخابات.

لكن هل تقتصر هذه “الانتكاسة” على السيسي، أم تمتد لتشمل كل من دعمه، بما في ذلك الدولة التي اتخذت إجراءات غير مسبوقة خصصت لها الصحف الأجنبية عشرات الروابط للتأكيد على أنها لم تكن سوى محاولة لتغيير الواقع ومساعدة المشير المتقاعد على تحقيق حلم “التفويض الكاسح”، لا فارق في ذلك بين تغطية الصحف الأمريكية مثل لوس أنجلوس تايمز التي رصدت فشل سعي الحكومة لحشد المزيد من الأصوات للسيسسي، والبريطانية مثل الإندبندنت التي قال روبرت فيسك على صفحاتها إن تمديد التصويت كان محاولة مستميتة لاستعادة ثقة المشير المتقاعد المفرطة بالنفس، وتحقيقًا لطموحه في أن يوصله أكثر من 60% من الناخبين المصريين، والإسرائيلية مثل هآرتس التي قالت صراحة إن مصر تمدد التصويت لمساعدة السيسي، والتركية مثل تودايز زمان التي تحدثت عن “دعم السيسي”، وحتى الخليجية مثل أراب نيوز التي قالت إن الجهود الحكومية الحثيثة هدفت إلى رفع نسبة التصويت المنخفضة التي تهدد بتقويض مصداقية السيسي.

صحيحٌ أن السيسي ظل حذرا طيلة فترة حملته الانتخابية، فلم يرفع سقف التوقعات ولم يتعهد بأي شيء تقريبا لدرجة عدم تقديم برنامج انتخابي، بيدَ أنه أخطأ- بحسب “كينر” في فورين بوليسي، و تادروس في جيروزاليم بوست- حين تحدث في آخر حواراته التلفزيونية عن أمله في أن يذهب 40 مليون ناخب، ما يقارب 75% من الناخبين المسجلين، إلى صناديق الاقتراع.. وفي المرة الأولى الذي يرفع فيها السيسي سقف التوقعات، ينهار السقف تمامًَا في عرضٍ متواصل استمر ثلاثة أيامٍ متواليات. وفي ظل غياب أي أيديولوجية واضحة أو برنامج سياسيّ، لم يتبقَّ على الأرض سوى تركيز حملة السيسي على فضائله الشخصية، وسيل الملصقات الذي أغرق القاهرة أحيانا مع خلفيةٍ أسد أو الأهرامات. أما استمرار الصورة البطولية التي رسمها أنصاره فمرتبطة بنجاحه في بناء الاقتصاد المتعثر ورأب الانقسام، أما البديل فالاستسلام للاضطرابات السياسية التي أطاحت برئيسين في ثلاث سنوات- هكذا يردف كينر- خاتمًَا حديثه بالقول: إذا فشل السيسي في إلهام المصريين بأنه قادر على صناعة مستقبل أفضل، قد يحاول زعيم آخر أن يتدخل ويملأ هذا الدور”. مهلا.. أيبشر كينر بانقلاب عسكري جديد على المشير المتقاعد؟ وحدها الأيام ستحسم الإجابة.

ويتفق المراقبون على أن فوز السيسي في الانتخابات متوقع وما سواه مفاجأة- أو مجرد “تحصيل حاصل”، على حد وصف بن سولومون في جيروزاليم بوست- لكن المعركة السياسية أطول من مجرد جولة انتخابية، خاصة إذا خرجت بهذه الصورة “المذهلة للجميع” ما يطرح تساؤلا أكثر خطورة: إذا كان هذا هو شكل البداية، فأي نهاية تنتظر المشير؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد