أحمد طلب

21

أحمد طلب

21

741

في مصر، سواءٌ كنت تستقلّ القطارات أو السيارات أو حتى الطائرات؛ فأنت بلا شك معرَّضٌ للموت في أي لحظة، فطالما أنت موجود في شبكة النقل المصرية، والتي تُصنّف ضمن الأسوأ عالميًّا فالموت احتمالٌ واردٌ جدًّا، إذ تشير الإحصائيات إلى وقوع حالة وفاة كل نصف ساعة، ويصل معدَّل قتلى حوادث الطرق لكل 10 آلاف مصري إلى 25 شخصًا، وهو ضعف المعدل العالمي، كما أنّ 131 قتيلًا عدد قتلى حوادث الطرق لكلّ 100 كم في مصر، فيما يقول مؤشِّر «قسوة الحادث» إنّ مصر يموت بها 22 من كل 100 مصاب، في حين أن المعدل العالمي ثلاثة قتلى لكل 100 مصاب.

«سوء الإدارة – الخسائر – الفشل – البنية المتهالكة»، لا يخرج الحديث عن سكك حديد مصر مع كل حادث دموي يضرب البلاد عن هذه المحاور الأربعة، وغالبًا ما يبقى الحديث حبيس شاشات التلفاز أو مانشيتات الجرائد، وتستمرّ مصر في المضيّ قدمًا في تحقيق أرقام قياسية في حوادث النقل، إذ إنّ البلاد من بين أسوأ 10 دول في العالم من ناحية ارتفاع معدلات حوادث الطرق التي تؤدي إلى الوفاة، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

حوادث القطارات في 15 عامًا

جاءت آخر حلقات الموت في شبكة النقل بمصر، عبر تصادم قطاري ركاب بمحافظة الإسكندرية، الجمعة 11 أغسطس (آب) 2017، إذ قُتل نحو 49 شخصًا وأصيب أكثر من 100 آخرين، وفق تقديرات رسمية أولية، فيما يأتي هذا الحادث تكرارًا لحوادث تصادم القطارات بين الحين والآخر.

ووفقًا لرصد وكالة الأناضول استنادًا إلى تقارير معلوماتية وصحفية، فإنّ أبرز حوادث القطارات التي خلّفت ضحايا بمصر، خلال 15 عامًا، قتل بها نحو 700 شخص، وأصيب المئات، فيما كان الحادث الأكبر والأسوأ في تاريخ سكك حديد مصر في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، في فبراير (شباط) 2002، حين اشتعلت النيران في قطار قادم من الصعيد، جنوبي البلاد، لمسافة تسعة كيلومترات، ما اضطر المسافرين للقفز من النوافذ أثناء سير القطار، حتى توقف بمدينة العياط في محافظة الجيزة، وراح ضحية الحادث أكثر من 350 شخصًا.

أين تقف سكك حديد مصر؟

يقول موقع الهيئة القومية لسكة حديد مصر، إنّ الهيئة تعتبر من أكبر المؤسسات الاقتصادية في مصر والعالم العربي، وهي الأكبر في مجال خدمات النقل (الركاب والبضائع)، وهي كذلك العمود الفقري لنقل الركاب في مصر إذ يبلغ حجم نقل الركاب والبضائع بالسكك الحديدية، حسب بيانات الهيئة نحو 500 مليون راكب سنويًا – حوالي 1.4 مليون راكب يوميًا -، ونحو 6 ملايين طن بضائع سنويًا، وإجمالي طول الشبكة 9570 كيلومترًا.

تعمل 15% من خطوط السكك الحديدية بنظام إشارات كهربائية، بينما تعمل 85% بنظام إشارات ميكانيكية، فيما بلغ إجمالي عدد المحطات 705 محطات رئيسية وفرعية ومتوسطة، ويبلغ أسطول نقل عربات الركاب 3500 منهم 850 عربة مكيّفة على شبكة خطوط سكك حديد مصر بنوعيات مختلفة من القطارات، تتراوح سرعتها من 90 إلى 120 كيلومترًا/ ساعة وقطارات نوم سريعة وقطارات درجة أولى وثانية مكيفة فاخرة وقطارات مميزة وقطارات مطورة وقطارات ركاب ضواحٍ، متوسط سرعتها 90 كيلومترًا/ ساعة.

بالطبع تمتلك الهيئة إمكانيات هائلة تجعلها تربح عشرات الملايين وربما المليارات، ولكن ما يحدث على العكس تمامًا، فخسارة سكك حديد مصر عرضٌ مستمر، إذ من المتوقع أن تصل إلى 13.6 مليار جنيه في ثلاث سنوات، حيث قدرت الهيئة خسائرها بنحو 4.48 مليار جنيه خلال السنة المالية 2016/ 2017، وذلك بمصروفات قيمتها 8.5 مليار جنيه خلال 2016/ 2017، منها أجور بقيمة 3.06 مليار جنيه، والباقي تكاليف ومصروفات، وبلغت الإيرادات 4 مليارات جنيه فقط.

بينما تتوقّع أن تسجّل خسائر بنحو 5 مليارات جنيه خلال العام المالي الحالي، فقد كشف تقرير من لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، عن موازنة العام المالي الجاري، أنّ هيئة السكة الحديد تستحوذ وحدها على 41.8% من خسائر الهيئات الاقتصادية، التي تقدر بنحو 11.9 مليار جنيه، فيما كانت الخسائر في السنة المالية 2015/ 2016 نحو 4.1 مليار جنيه.

ويقول محمد معيط، نائب وزير المالية لشئون الخزانة العامة، إن هيئة السكك الحديدية مكبلة بالمديونيات، مثلها مثل عدد من الهيئات الاقتصادية الخاسرة، والتي تحمل الموازنة العامة للدولة أعباء مالية سنوية، موضحًا أن الموازنة العامة للدولة دعمت هيئة السكك الحديدية خلال العام المالي 2016/ 2017 بنحو 3 مليارات جنيه، منها مليار دعم لمصروفات التشغيل وملياران لتمويل المشروعات الاستثمارية، في حين أن الهيئة لم تحقق إيرادات سوى 3.4 مليار جنيه – متضمنة مليار الدعم – وحققت خسائر تشغيل بلغت 3.7 مليار جنيه، بالإضافة إلى 2.5 مليار جنيه مديونيات وهي فوائد الديون المستحقة لبنك الاستثمار القومي.

أرجع معيط تدهور حالة سكك حديد مصر، إلى تراكم المديونيات منذ سنوات، وتدنِّى مستويات الخدمة والتشغيل، وعدم قدرة الهيئة على وضع خطط طموحة للإصلاح والتجديد، موضحًا أن الهيئة عاجزة عن زيادة مواردها من خلال تحريك أسعار التذاكر، بسبب تدنِّى مستوى الخدمة والتشغيل، فيما يرى أنه يجب مواجهة الحقائق ووضع حلول جذرية.

يرى جانبٌ آخر من المحللين أنّ من ضمن أسباب الخسائر هو ما يتعلَّق بدعم نقل الركاب، إذ تشير بيانات الموازنة العامة للدولة للعام المالي الجديد، إلى أنها تتضمن ثلاثة محاور هي دعم هيئتي نقل الركاب بالقاهرة والإسكندرية، ودعم اشتراكات الطلبة على خطوط السكك الحديدية ومترو الأنفاق، وأخيرًا دعم خطوط السكك الحديدية غير الاقتصادية بالمحافظات، والمقدرة بنحو 1.8 مليار جنيه، مقابل 1.6 مليار جنيه في موازنة العام الحالي 2016/ 2017.

بالإضافة إلى الديون والدعم، كشف مسئول بهيئة السكك الحديد، أن خسائر الهيئة بسبب «سرقة القضبان الحديدية» تتجاوز ـ7 مليارات جنيه سنويًا، وهو رقم ضخم بلا شك، إذ إن هذه الظاهرة قد أدَّت إلى توقُّف حركة القطارات بين مدن محافظات الوجه البحري بصفةٍ خاصة، فضلًا عن الخسائر المالية الكبيرة نتيجة تعطل القطارات ساعاتٍ طويلة، واتجاه المواطنين إلى وسائل نقل أخرى، بالإضافة إلى أن هذا الأمر يتسبب في زيادة حوادث القطارات بشكل كبير ما يعني تكبد خسائر فادحة ماديًا وكذلك بشريًا.

قال المسئول الذي لم يذكر اسمه لموقع «العربي الجديد»، إن هناك تعاونًا كاملًا بين تلك العصابات ومسئولين بالهيئة في تقسيم أموال السرقات، مؤكدًا أن العصابات تقوم بعمليات السرقة بمعرفة مسئولين في الهيئة، وأن تلك القضبان تعد من الحديد الممتاز، وتباع خردة بمبالغ أقل من قيمتها بكثير، حتى مسامير القضبان من الأنواع المتميزة ذات القيمة المالية العالية، وهو ما يكشف عن وجود فساد بالهيئة بجانب الديون ومبالغ الدعم مما يفاقم الخسائر أكثر، ولكن مع معرفة الأسباب لماذا يتكرر نفس الخطأ باستمرار؟

لماذا تتكرر حوادث وخسائر القطارات في مصر؟

يمكن بسهولة لهيئة السكك الحديدية في مصر دخول موسوعة جينيس، وذلك بالأرقام القياسية والتاريخية التي تحققها الهيئة فيما يخص الحوادث والخسائر، إذ كشفت إحصائية رسمية أن إجمالي عدد حوادث قطارات السكك الحديدية منذ 2006 حتى العام الماضي، بلغ 12 ألفًا و236 حادثًا، وذلك بما يزيد يوميًا على ثلاثة حوادث، فيما كان أعلى معدلات الحوادث في عام 2009 وبلغت 1577 حادثًا وأقلها في 2012 الذي شهد 447 حادثًا، وذلك بسبب توقفات الحركة في فترة ثورة 25 يناير.

وتتنوع حوادث قطارات السكة الحديد ما بين اقتحام سيارة لمزلقانات وتمثل 80% من الحوادث في الوقت الذي جاء خروج القطارات من على القضبان بنسبة 15%، غير أن سبب الحادث الأخير، وهو تصادم قطارين على قضيب واحد، يعد نادرًا في تاريخ الحوادث في مصر والعالم.

على الجانب الآخر، دائمًا ما يسرد المسئولون أسباب الخسائر، فهذه الأسباب معلومة منذ زمن، وبالرغم من ذلك لا يتحرك ساكن، فالخسائر تتعاظم والفساد يتمكن من الهيئة العملاقة، ولكن لماذا تتكرر الحوادث والخسائر، دون وجود حل حقيقي لهذه المشاكل التي تلقي بآثارها السلبية على المصريين؟

أسامة عقيل، أستاذ المرور والطرق والنقل في جامعة عين شمس، والخبير في وسائل النقل، يرى أن ما يؤدي إلى تكرار الحوادث التي توقع ضحايا وتفاقم الخسائر، هو أن منظومة السكك الحديدية قديمة جدًا في مصر، ولم تشهد تحديثًا على مدى سنواتٍ طويلة، قائلًا إن ما تقوم به هيئة السكك الحديدية في مصر، على مدار السنوات الماضية هو الصيانة، بينما من المفترض أن يتم التحديث، إذ إن إحلال قضبان قطارات جديدة بأخرى متهالكة غير مجدٍ بل يجب تغيير المنظومة التقنية بكاملها، بحسب عقيل.

أكد الخبير في وسائل النقل أنَّ بلاده تخلّفت أجيالًا كاملة عن أنظمة التقنية لتشغيل السكك الحديدية في العالم، فبينما مصر في عصر الجر بالديزل، بات العالم يعتمد على الجر الإلكتروني، وفي الوقت الذي يتم تنظيم الحركة والإشارات إلكترونيًا، ما زالت مصر في العصر اليدوي.

محمد أبو حامد، عضو مجلس النواب المصري، ذهب إلى سبب آخر يرجَّح أنه وراء تكرار الحوادث والخسائر، قائلًا إن السكك الحديدية في مصر تحتاج إلى تمويل ضخم لتطويره قد يصل إلى 100 مليار جنيه، ليكون قادرًا على العمل، بينما يؤكد أن الخصخصة ضرورية في هذا المجال من أجل وجود إدارة أكثر كفاءة ودقة، وبحيث تكون هناك شراكة من أجل التطوير بين الدولة وقطاعها الخاص.

كيف يمكن أن تخرج سكك حديد مصر من المأزق؟

باتت هيئة سكك حديد مصر تائهة في دوامة الحوادث والخسائر، وسوء الإدارة، ونضوب التمويل، فيما لا تزال الحلول الحقيقية مختفية حتى الآن، إلا أنه مع الحادث الأخير الذي وقع الجمعة الماضي، وجدنا بعض الأصوات تتحدث عن حلول يعتبرونها جذرية، هذه الحلول تلخصت في ثلاثة اتجاهات وهي:

إدارة الجيش

أناشد الرئيس بتحويل مرفق السكة الحديد للقوات المسلحة لتديره.

هكذا طالب النائب والمذيع سعيد حساسين، بعد ساعات قليلة من حادث الإسكندرية، هذه المناشدة لم تكن لحساسين فقط، بل إن كثيرًا من الإعلاميين تحدث عن نفس الأمر، ولكن هل القوات المسلحة قادرة على الخروج بسكك حديد مصر من هذا المأزق؟ وما هي احتمالات نجاح هذه التجربة إن حدثت؟

في الواقع تواصل القوات المسلحة التوسع الاقتصادي بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، إذ تشير التقديرات إلى أن سيطرة القوات المسلحة على الاقتصاد المصري ما بين 45% و60%، وفقًا لمنظمة الشفافية الدولية، إذ وصل هذا التوسع ليشمل جميع أنواع المنتجات والخدمات، من المواد الغذائية مثل الطماطم وزيت الزيتون، إلى الإلكترونيات والأجهزة المنزلية، والعقارات، وأعمال البناء والنقل والخدمات والمدارس، بالإضافة إلى خدمات الطعام ومطابخ المدن الجامعية لطلاب الجامعة، وكذلك المستلزمات الطبية.

ويساهم الجيش كذلك في كل من: منظومة بطاقات التموين الذكية، وبطاقات الخبز، ومجال الطاقة الشمسية، الاستزراع السمكي، إنتاج مكيفات الهواء، وكذلك أعمال الترميم والتطوير للقصور والمتاحف، كقصر ثقافة المحلة الكبرى، امتلاك فندق سياحي، ناهيك عن السيطرة على قطاع إعلانات الطرق، واستيراد السلع الأساسية، وتشغيل الطرق الصحراوية، متاجر غذائية، لكن السؤال هل استفادت تلك القطاعات بشكلٍ خاص والاقتصاد المصري بشكلٍ عام من دخول الجيش لاعبًا أساسيًّا بهذه القطاعات؟

في الواقع لا تعمل القوات المسلحة في بيئة عمل تنافسية، فالمجندون يعملون في مشروعات الجيش بشكل قسري دون الحصول على أجر، فيما لا تخضع واردات الجيش من الخامات والمعدات والمستلزمات للجمارك، ولا يسدد الجيش أية ضرائب عن أرباحه من المشروعات، وتحصل مشروعاته ومصانعه على الوقود والطاقة مجانًا، ولا يسدد أية تأمينات عن أجور العاملين في المشروعات، في الوقت الذي تتحمل فيه الموازنة العامة للدولة قيمة أية خسائر تتكبدها هيئات الجيش.

كل هذه الأمور جعلت منظمة الشفافية الدولية، ترى أن المشاريع التجارية للقوات المسلحة تضر بالاقتصاد الوطني وبقدرة القوات المسلحة على القيام بمهامها الأساسية، معتبرة خلال تقرير لها أن انعدام الرقابة السليمة يؤدي إلى الفساد وإهدار المال العام، وهناك تأثير آخر للهيمنة الاقتصادية للقوات المسلحة؛ وهو عدم وجود فرص نمو للشركات الصغيرة والمتوسطة.

عمومًا، يمكن النظر إلى إدارة الجيش لسكك حديد مصر، من نفس زاوية تنفيذ الجيش ثلاثة مشروعات كبرى خلال الفترة الأخيرة، وهي مشروع قناة السويس الجديدة، ومشروع شبكة الطرق العملاقة، ومشروع استزراع مليون فدان، ومع انتهاء الأول وتحقيق خسارة كبيرة حتى الآن، إذ لم تنجح القناة في الهروب من الخسائر منذ الانتهاء من المشروع، وفي ظل عدم الاستفادة الواضحة من شبكة الطرق التي من المفترض أن تخفض نسبة الحوادث وهو ما لم يحدث حتى الآن، ومع غموض مصير مشروع استزراع مليون فدان، يتخوف المحللون من مصير هيئة السكك الحديدية حال تم إسنادها للجيش، خاصة أن هذه المهمة ستكون شبه دائمة وليس مشروعًا سيتم الانتهاء منه وتسليمه، لذلك ربما لا يكون تحويل مرفق السكة الحديد للقوات المسلحة لتديره حلًا مناسبًا.

الخصخصة

تأتي الخصخصة حلًا آخر قد نال نصيبًا كبيرًا من التناول الإعلامي كذلك، بل وصل إلى أن طالب به أعضاء بالبرلمان، إذ طالب النائب حسين خاطر، عضو لجنة النقل والمواصلات بالبرلمان، بضرورة خصخصة هيئة السكة الحديد أو إسنادها لشركات استثمار عالمية، وفي نفس الاتجاه كذلك، طالب الدكتور مصطفى الفقي، الخبير الاقتصادي، بضرورة الاستعانة بشركات عالمية لمشاركة مصر في إدارة هيئة السكك الحديدية، مقابل نسبة من الأرباح نظير الإدارة مع عدم المساس بأصول الهيئة.

أكد الفقي أن الشراكة العالمية هي الخيار الأفضل حتى نتمكن من تحسين كفاءة الخطوط الحالية، بالإضافة إلى التوسع في نقل الركاب والبضائع لزيادة الأرباح، لكنه نوه إلى أن التعاقد مع الشركة العالمية يجب أن يتضمن عدم رفع أسعار تذاكر القطارات التي يستخدمها محدودو الدخل، مع وجود القطارات السياحية والفندقية، والتي يتضاعف سعرها إلى خمسة أضعاف التذكرة الحالية.

وحتى نستطيع تقييم هذا المقترح يجب النظر أولًا إلى تجارب الخصخصة في مصر، هل حققت المستهدف منها أم لا؟ وفي الحقيقة من الصعب أن نضع أيدينا على تجربة ناجحة للخصخصة في مصر، فدائمًا ما يتم اكتشاف فساد في صفقات الخصخصة خاصة الكبير منها، وهو الأمر الذي يجعل المصريين يخشون حتى الحديث عن الخصخصة، في الوقت الذي يعتبرها انتزاعًا لملكيتهم في المرافق العامة، لذلك دائمًا ما تواجه برامج الخصخصة رفضًا شعبيًا.

على كل ربما يمكن اعتبار الخصخصة بمثابة تخلي الحكومة عن المسئولية، أو اختيار الطريق السهل لحل الأزمة، لكنها بلا شك ليست الحل الأفضل لهيئة السكة الحديد على الأقل في المستقبل القريب.

اقرأ أيضًا: ما وراء بيع القطاع العام في مصر: خروج مليوني موظف حكومي

محاربة الفساد والتطوير

النظام التراتبي الإداري المعمول به بالهيئة هو أن يعين الموظف الأقدم رئيسًا للهيئة، وبهذا ربما ينتهي الأمر بموظف كان في قطاع الورش رئيسًا لهيئة سكك حديد كبيرة.

هكذا يقول عقيل، أستاذ المرور والطرق والنقل في جامعة عين شمس، وبالرغم من أن هذا الأمر يبدو قانونيًا، إلا أنه أحد أبرز ملامح الفساد الإداري بالهيئة، كما أنه أهم عوائق التطور وصياغة رؤى جديدة، وفي ظل مثل هذه الأنظمة الإدارية لا يمكن الحديث عن تطوير حقيقي لسكك حديد مصر.

ولكن ومع مطالبة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الحكومة بعملية تحديث وتطوير شبكة السكك الحديدية على مستوى الجمهورية وبنيتها الأساسية، والتوسع في نظم الإشارات الكهربائية بما يقلل من الاعتماد على العنصر البشري، ويسهم في الحد من الحوادث، ويعزز من إجراءات سلامة الركاب، ربما يكون هذا الخيار هو الأفضل والأنسب لهذه المرحلة لكنه كذلك هو الأصعب، لأسباب أهمها الفساد ونضوب التمويل.

على كل لا يمكن أن تنجح مصر في محاولة التطوير سوى من خلال، أولًا، الاعتماد على التكنولوجيا الحديثة، ثانيًا، وجود رؤية عامة لإدارة السكة الحديد، ثالثًا، اختيار إدارة على قدر المسؤولية بعيدًا عن العشوائية، وبالطبع هذا التطوير يحتاج إلى التمويل وهو ما سيوفره القضاء على الفساد، بالإضافة إلى رفع أسعار التذاكر الذي بات قريبًا جدًا من التفعيل، وهو ما يمكن من خلاله توفير مزيد من التمويل.