أغلقت السلطات المصرية بشكل نهائي مكتبها الرئيسي في قطاع غزة الذي تحكمه «حركة المقاومة الإسلامية «حماس»»، وسط تفسيرات وتأويلات متباينة لهذا القرار، دون أن تخرج رواية أو تعقيب رسمي من القاهرة أو الحركة الفلسطينية حول خلفيات هذا القرار «المفاجئ» من مصر.

ولكن لم ينقطع التواصل بين قادة الحركة والمسؤولين المصريين في الأعوام الماضية، على الرغم من التوتر الذي خيم على العلاقة بعد الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، وتصنيف الحركة بالتنظيم «الإرهابي» بحكم قضائي في مصر.

ويحاول التقرير التالي التعرف على خلفيات قرار القاهرة المفاجئ، والذي يتزامن مع تصعيدها للتنسيق في الآونة الأخيرة مع السلطة الفلسطينية في رام الله، وقدوم وافد جديد للبيت الأبيض طرح في برنامجه الانتخابي المفاوضات سبيلًا لإنهاء النزاع الفلسطيني، وبالطبع للقاهرة رغبة لتكون في موقع متقدم في هذه المفاوضات بصفتها وسيطًا رئيسيًَا.

قصة المكتب الذي صمد بعد مرسي وأغلقته السلطات المصرية في غزة

في صيف 2007، وعقب صراع حركة «حماس» مع حركة فتح على السلطة في القطاع، وتوليها لإدارة شؤونه، أغلقت كل الدول العربية والأجنبية مقارها في القطاع احتجاجًا على حكم الحركة للقطاع ورفضًا له، ونقلت هذه الدول مكاتبها وممثليها إلى مدينة رام الله، حيث باتت تتركز مكاتب السفارات، ومقر السلطة الفلسطينية المعترف بها دوليًا.

مصر كانت الاستثناء الوحيد من بين هذه الدول، وأبقت سلطاتها على مكتب مغلق تدفع إيجاره طيلة السنوات السابقة، ليرمز لنوع من الشرعية للحركة عند القاهرة، حتى مع إغلاقه وتواجد البعثة العاملة المصرية في مدينة رام الله، وعدم استخدامه في أي مقابلات ومحادثات دبلوماسية أو أعمال قنصلية اعتيادية.

ويقع المكتب في حي الرمال، غربي مدينة غزة، وكان يُستخدم قبل عام 2007 «قنصليةً» مصرية في القطاع، وخضع لحراسة أمنية مشددة طيلة السنوات الماضية.

Embed from Getty Images

وظل المكتب قائمًا خلال الأعوام التي شهدت توترًا شديدًا في العلاقات بين القاهرة و«حماس»، وذروتها عقب الإطاحة بالرئيس المصري محمد مرسي، وصعود وزير الدفاع، آنذاك، عبد الفتاح السيسي لمنصب رئيس الجمهورية.

آنذاك، أصبحت الحركة في مرمى الهجوم من الإعلاميين المصريين وثيقي الصلة بالسلطات المصرية، وعزّز الهجوم صدور حكم قضائي في مارس (آذار) 2014 يحظر أنشطة حركة «حماس» في مصر ويقضي بالتحفظ على جميع مقراتها. وتبعها حكمٌ آخر من جانب محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في 28 فبراير (شباط) عام 2015، صنفت فيه الحركة بأنها «منظمة إرهابية»، وأشارت في حيثيات حكمها أن الحركة تهدف إلى «النيل من أمن مصر واستقرارها»، قبل أن تلغي محكمة الأمور المستعجلة حكم اعتبار «حماس» منظمة إرهابية.

غير أن الهجمات لم تستمر، وألغت المحكمة حكم تصنيف الحركة «بالإرهابية»، وفتحت من جديد قنوات الاتصال بين أجهزة الأمن المصرية وقادة الحركة، وانعكست لاحقًا في عودة الزيارات الرسمية بين الجانبين، وتحول إيجابي في تغطية وسائل الإعلام ذاتها التي هاجمت الحركة من قبل، حتى أصبح قادتها ضيوفًا في هذه الوسائل.

ما خلفيات القرار؟ من علاقة «حماس» بتركيا إلى تعزيز سلطة أبو مازن

خرجت الرواية الرسمية لقرار الإغلاق من مصر بعد أيام، وقد تزامن مع زيارة لوفد مصري دبلوماسي لقطاع غزة، وفسّر الأمر بأنه لا يعدو كونه «إجراءً إداريًا»، ولا يحمل أي أبعاد سياسية، بينما التزمت «حماس» الصمت تجاه القرار.

وتزامنت رواية القاهرة مع ظهور تفسيرات متباينة مُسربة حول ارتباط هذا القرار بالتقارب اللافت بين «حماس» وأنقرة في الشهور الأخيرة، ودخول تركيا على خط الوساطة بين الحركة الفلسطينية وإسرائيل، وهو الدور الذي تتمسك به القاهرة، ونقلت لقادة «حماس» خلال وجودهم في العاصمة المصرية الشهر الماضي طلبها من الحركة «بعدم تدخل أنقرة في الملفات التي تتولاها مصر».

وحدث تقارب بين «حماس» وأنقرة خلال العام كان أبرز مؤشراته لقاء أردوغان مع إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خلال 2020 مرتين، ومنح أنقرة الجنسية التركية لعدد من قادة الحركة وأسرهم، فضلاً عن استضافتهم على أراضيها.

Embed from Getty Images

وعزز من هذه الرواية ما نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية قبل قرار إغلاق القنصلية، من أن قرار القاهرة باستمرار إغلاق معبر رفح هو «إجراء عقابي» منها، وذلك بعد تنسيق ممثلي «حماس» مع أنقرة في عدد من الملفات التي كانت مصر ترعاها، وتحديدًا ملف المصالحة مع حركة فتح، فبعد اجتماعات في تركيا في سبتمبر (أيلول) 2020، تقرر إجراء انتخابات تشريعية، ومن ثم رئاسية، في غضون ستة شهور.

وتطابقت الرواية السابقة مع ما ذكره عضو البرلمان المصري سمير غطاس، وأحد المُقربين من صناع القرار في مصر، قال في تصريحات لجريدة «الشرق الأوسط» إن القرار مرتبط «بالغضب تجاه حركة «حماس» وتحركاتها الأخيرة للتنسيق مع قطر وتركيا في ملفي المصالحة والهدنة مع إسرائيل، والتي تتولاهما مصر منذ سنوات».

تعزز هذه الرواية رغبة القاهرة في إرسال «رسالة سياسية» للحركة تعبر عن مزيد من الدعم المصري للسلطة الفلسطينية على حساب حركة «حماس».

ومن جانبه، قال مفيد جلغوم، الكاتب والباحث التاريخي الفلسطيني، والمحاضر في جامعة القدس المفتوحة، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن قرار القاهرة كان مفاجئًا للحركة، مرجحًا أن يكون القرار بضغوط خارجية على مصر، أكثر مما هو رؤية مصرية خاصة.

وأضاف جلغوم أن إغلاق القنصلية في غزة يعني أن هذه المنطقة لم تعد ذات أهمية للمصالح المصرية، قائلًا: «علاقتنا بالشقيقة مصر يفترض بها أن تتطور مع الزمن ولا تتراجع لأسباب سياسية ولا حتى إدارية».

وحول تفسير الأمر بتنسيق الحركة الفلسطينية مع تركيا، أجاب جلغوم بالتأكيد على أن علاقة «حماس» مع تركيا قديمة وليست بالجديدة، ولم يطرأ عليها أي تقدم أو تغير، موضحًا أن الأقرب للقبول هو الترتيبات والضغوطات الخارجية. فمصر هي «جزء من محور كبير تسير معه»، و«لم تعد فاعلة فيه كما كانت في السابق خاصة في القضايا العربية»، قائلًا إنها «تأخر دورها لصالح قوى عربية أصغر منها بكثير، وبالتالي هي تسير مع المركب دون أي مشاركة في قيادته».

وتباينت الآراء داخل القطاع السياسي في حركة «حماس» بين من يعتقد أن قرار الإغلاق «لوجيستي يتعلق بترتيبات تقنية وإدارية وفنية» تعمل عليها الخارجية المصري، خصوصًا أن مصر تملك أرضًا في قطاع غزة قد تبني عليها مقرًا جديدًا لها بدلاً من المقر المستأجر، وفريق آخر يرى أن هذا القرار يأتي في سياق التوتر في العلاقات مع القاهرة، بحسب عدنان أبو عامر، خبير الشئون الإسرائيلية، في تصريحات لـ«ساسة بوست».

هكذا تعيد القاهرة هندسة موقفها

يتزامن القرار المصري بإغلاق المقر في غزة مع استمرار غلق معبر رفح، البوابة الرئيسية لقطاع غزة للعالم، ويثير التوقيت تساؤلات حول علاقة القاهرة المستقبلية مع الحركة في ظل تغيرات جديدة، وقدوم وافد جديد لساكن البيت الأبيض.

«قرار الإغلاق لم يأت بشكل عشوائي، والدبلوماسية المصرية تعمل على نار هادئة، ولا تأخذ قرارات انفعالية» بحسب عدنان أبو عامر، رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام في جامعة الأمة للتعليم المفتوح في غزة، والذي أضاف في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» أنه لا إشارات سلبية بقطع علاقة القاهرة مع «حماس»، لكنه يتعلق بترتيبات وإعادة هندسة العلاقة مع الحركة الفلسطينية.

Embed from Getty Images

لافتة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رُفعت في الجانب الفلسطيني من معبر رفح، في سبتمبر (أيلول) 2017.

ويقول عامر أن مجرد وجود العلم المصري في المقر المغلق يعطي الحصانة والشرعية للحركة، فهو أشبه بالاعتراف الضمني بسلطة «حماس» في القطاع.

غير أن هذا التفسير لا يجعل عامر متفقًا مع الرواية التي تربط بين القرار المصري بإغلاق المقر وتقارب الحركة مع تركيا، ويوضح ذلك :«التقارب مع «حماس» منذ سنوات، وكانت في عهد خالد مشعل في عصر الذروة، ولم نشهد موقفًا مصريًّا مماثلًا».

«ديكتاتورية الجغرافيا» هي التي ينطلق منها أبو عامر في شرح مستقبل العلاقة بين «حماس» والقاهرة في المستقبل، ويوضح أنه «طالما أن غزة لها حدود حصرية مع مصر، فإنه لا فكاك من هذه العلاقة سواء للحركة أو لمصر، حيث ستظل الحاجة المصلحية الاضطرارية دافع لاستمرار العلاقة».

غير أن الباحث الفلسطيني يؤكد في الوقت ذاته أن تنسيق القاهرة مع الأردن والسلطة الفلسطينية في رام الله ممثلة في رئيسها محمود عباس، يعكس تحولاً وإعادة إحياء لرغبتها في تهميش نفوذ الحركة، كما حاولت في أوقات سابقة في عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك.

وبحسب مصدر فلسطيني مُقرب من إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، تحدث لـ«ساسة بوست» شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن الحركة لا تخفى عليها تحركات القاهرة لتعزيز وجود السلطة الفلسطينية، وتثبيت سلطة أبو مازن، ولتهميش وزن الحركة في القضية الفلسطينية، مع استمرار العلاقة في الأمور التنسيقية والتفاهمات الأمنية فيما يتعلق بالحدود.

ويُضيف المصدر أن هذا التحرك المصري يتوافق مع جو بايدن، الرئيس الأمريكي القادم، ورغبته في إعادة إحياء المفاوضات من جديد مع السلطة الفلسطينية مُمثلة في عباس وإسرائيل، مع تغييب للحركة في أي مفاوضات مستقبلية، والضغط عليها لنزع السلاح.

يختتم المصدر بالتأكيد على أن الحركة تخشى من سياسات بايدن التي ستسعى لمحو الحركة وتهميش نفوذها وإخراجها من أي معادلة تفاوضية حول القضية الفلسطينية، عبر دول مثل مصر والأردن اللتين تسعيان لكسب ود الإدارة الجديدة في الشرق الأوسط، بإعادة إحياء المفاوضات من خلالها. ويؤكد أن الحركة تخشى من إدارة بايدن أكثر من ترامب، قائلاً: «ترامب قدم الصورة الحقيقية لأمريكا، بينما بايدن هو المحقق الجيد الذي سيمرر ما يريد عبر إعادة «وهم المفاوضات» التي ستسعي لتغييب الحركة».

ويتماشى الطرح السابق مع سعي مصر لإطلاق وإعادة إحياء المفاوضات حول حل الدولتين بالجمع بين وزراء خارجية فرنسا والأردن وألمانيا مع نظرائهم في إسرائيل والسلطة الفلسطينية، محاولةً من جانبها لإيجاد «مساحة صغيرة من الأرضية المشتركة ومن الأهمية بالنسبة للولايات المتحدة»، بطرحها لنفسها وسيطًا إقليميًا رئيسيًا في عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية.

وبدأت أولى خطوات هذا المسعى بزيارة الرئيس الفلسطيني قبل ثلاثة أسابيع، ولقائه بالسيسي، والتي ستتبع بزيارة رسمية من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى القاهرة، لمناقشة إعادة انطلاق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد