أعلن وزير الخارجية المصري، سامح شكري، أن مصر هي سابع كبرى الدول المساهمة في قوات حفظ السلام في العالم، وذلك في كلمته في افتتاح مؤتمر الرابطة الدولية لمراكز التدريب على حفظ السلام في القاهرة، وأضاف شكري أن هذه الإحصائية تعبر عن الدور الهام الذي تلعبه مصر في تطوير عقيدة ومفاهيم وسياسات حفظ السلام، وذلك بصفتها عضوًا في مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة، بالإضافة إلى عضويتها في مجلس السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي، إلى جانب دورها في اللجنة الخاصة المعنية بعمليات حفظ السلام التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

وعلى مدار تاريخ بعثات الأمم المتحدة، أو الاتحاد الأفريقي، لحفظ السلام، شاركت مصر بأكثر من 3000 جندي، وخبير عسكري، وقوات عسكرية مختلفة.

ما قبل الأمم المتحدة

تأسست منظمة الأمم المتحدة عام 1945، بينما بدأت عملياتها لحفظ السلام عام 1948؛ حيث كانت البعثة الأممية الأولى لحفظ السلام في منطقة الشرق الأوسط، وذلك لمراقبة وقف إطلاق النار والحفاظ عليه في حرب فلسطين 1948 مع إسرائيل، ومنذ ذلك الحين، شاركت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في 63 بعثة مختلفة في جميع أنحاء العالم، بمشاركات من عدد كبير من الدول، من ضمنهم 17 بعثة ما زالت مستمرة إلى اليوم. نشاط قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العالم كان سببًا في حصولها على جائزة نوبل للسلام عام 1988.

وفي الواقع، المشاركات المصرية الخارجية في صراعات بعيدة عن النطاق الإقليمي والعربي وحتى الأفريقي؛ سواء لحفظ السلام، أو للتدخل العسكري لصالح طرف ضد آخر، بدأت من قبل تأسيس قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة بفترة طويلة، بل حتى من قبل تأسيس منظمة الأمم المتحدة نفسها بفترة طويلة قاربت قرنًا كاملًا من الزمان.

وكانت المشاركة الأولى لجنود مصريين من القوات المسلحة المصرية بمفهومها الحديث منذ عصر محمد علي في حرب القُرم، وتحديدًا عام 1853، وهي الحرب التي اندلعت بين الإمبراطورية العثمانية والبريطانية والفرنسية من جانب وبين الإمبراطورية الروسية من جانب آخر، وانتهت فى 1856 بتوقيع اتفاقية باريس وهزيمة الروس.

بدأت الحرب في الثالث من يوليو (تمّوز) عام ‏1853، حينما أغارت القوات الروسية على منطقتي مولدافيا ودلاشيا التابعتين للإمبراطورية العثمانية‏،‏ بذريعة حماية الأراضي المقدسة والكنيسة والأكليروس اليوناني‏،‏ وسرعان ما استعد السلطان العثماني عبد المجيد الأول لصد هذا العدوان والرد عليه؛ فأول ما فعل هو أن طالب الخديوي عباس بإعداد حملة مصرية للمشاركة في الحرب وللقتال بجانب الجيش العثماني ضد القوات الروسية.

واستجاب الخديوي عباس، وأعد حملة تكونت من عدد من آلايات المشاة وآلاي فرسان وبطاريتي مدفعية ميدان، فبلغ عدد المقاتلين المصريين حينها 19722 مقاتلًا، تم تعيين الفريق سليم فتحي باشا قائدًا لهم، ووضعت قوات الحملة البحرية ثلاثة قطع من طراز الغليون؛ هي «مفتاح جهاد» و«جهاد آباد» و«الفيوم»، وكل قطعة منها مسلحة بحوالي 100 مدفع، أمَّا عدد الأفراد فبلغ 1021 جنديًا بحريًا، كما احتوت البعثة على خمس فرقاطات (سفن حربية سريعة) هي رشيد، وشير جهاد، ودمياط، والبحرية، والفيل؛ وكل منها مسلحة بحوالي 60 مدفعًا وعدد الأفراد 510 جنديًا، بالإضافة إلى سفينتين صاعقتين كل منها مسلحة بـ12مدفعًا.

ووضعت القوة البحرية تحت قيادة أمير البحر حسن باشا الإسكندراني، وأبحرت الحملة يوم 24 يوليو (تمّوز) 1853، أي بعد الهجوم الروسي بـ12 يومًا، ووصلت إلى مدينة أستانة يوم 20 أغسطس (آب)، وتم نقل القوات البرية إلى مدينة فارنا على البحر الأسود على متن عبارات إلى حدود الروم على نهر الدانوب، وتم تخصيص بعض القطع البحرية لحراسة جسور الأرخبيل والبحر الأسود، ووضعت تحت قيادة أمير البحر العثماني أحمد قيصرلي باشا.

(السلطان عبد المجيد الأول)

وبدأت المواجهة المصرية الروسية عندما قرر المارشال باسكيفيتش الهجوم على حصن طابية العرب الذي تتحصن فيه وتدافع عنه القوات المصرية؛ حيث كانت قوة الهجوم الروسي تضم 40 ألف فرد، بالإضافة إلى 144 مدفعًا في حين كانت قوة الحامية المصرية 22 ألف مقاتل مزودة بـ24 مدفع ميدان.

وهاجم الروس لأول مرة فجر يوم 20 مايو (أيار) من عام 1854، ولم يتمكنوا من اقتحام الحصن، بعدها فشل الهجوم الثاني في اجتياز الخندق العميق المحيط بالحصن وراحوا يتسلقون جدرانه، إلا أن الحامية نجحت في طرد المهاجمين وإحباط الهجوم. وخسر الروس حينها 2000 قتيل وجريح، في حين خسر المصريون 68 قتيلًا و121 جريحًا، واستمرت الاشتباكات والمعارك مرة أخرى إلى أن أدرك القائد الروسى في النهاية عدم جدوى الاستمرار فى الهجوم، فأصدر أوامره بالانسحاب نهائيًا من أمام حصن طابية العرب، بعد أن خسر 15 ألف جندي وضابط، وخسر المصريون 3 آلاف فرد بالإضافة إلى 300 جريح، وذلك في سبتمبر (أيلول) 1854.

وفي حادثة أخرى مختلفة، وتحديدًا في المكسيك، والتي تعتبر أبعد نقطة على وجه الأرض وصلت إليها القوات المسلحة المصرية، في عام 1863؛ حيث أبحرت الباخرة الفرنسية لاسيين La Seine بالأورطة المصرية السودانية من الإسكندرية في يوم الثامن من يناير (كانون الثاني) 1863، مارة بطولون، إلى أن وصلت إلى ميناء فيراكروز المكسيكى يوم 23 فبراير (شباط) بعد رحلة استغرقت 47 يومًا كاملة، واستمرت الأورطة في القتال لمدة أربعة أعوام كاملة، إلى أن عادت في الثامن من يناير (كانون الثاني) 1867، بعدما حققوا 48 انتصارًا عسكريًا كاملة.

وكانت الأورطة بقيادة البكباشى جبرالله محمد، ونائبه اليوزباشى محمد الماس، وكان عدد جنود الأورطة حوالي 453 جنديًا، فُقد منهم 140 جنديًا، من ضمنهم 46 جنديًا ماتوا بسبب المرض.

(شارل جلياردو بك مؤسس متحف بونابرت بالقاهرة مع أربعة من ضباط الأورطة السودانية المصرية بالمكسيك)

اقرأ أيضًا: «الجنود المصريون في المكسيك».. هكذا ساهمت كتيبة مصرية في بقاء فرنسا في المكسيك

وكان هذا التدخل المصري هو من أجل استمرار وجود فرنسا في المكسيك؛ حيث جاءت دعمًا للإمبراطور ماكسميليان الأول المدعوم من فرنسا ضد الثورة الوطنية التي قامت ضده.

حفظ السلام بعد تأسيس الأمم المتحدة

بالرغم من عدم وجود مصطلح «حفظ السلام» صراحةً في ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن الخبراء يعتقدون أن معناه منصوص عليه في الفصلين السادس، والسابع من الميثاق؛ حيث إن الفصل السادس هو المختص بوصف سلطة مجلس الأمن في التحقيق في النزاعات الدولية، والتوسط فيها، بينما يناقش الفصل السابع للميثاق سلطة التفويض للأمم المتحدة ومجلس الأمن أيضًا بفرض العقوبات الاقتصادية، والدبلوماسية، والعسكرية، فضلًا عن استخدام القوة العسكرية لحل النزاعات بسلطة مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة فقط، أو بإذنٍ منه.

وبالرغم أيضًا من أن الدول المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة تخيلوا في بادئ الأمر أن هذين الفصلين، والمنظمة بأكملها، ستعمل على وقف النزاعات والصراعات بين الدول، وجعل الحروب المستقبلية مستحيلة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أن الحرب الباردة جاءت لتمحي آمالهم في ذلك، مما أدى إلى صعوبة في الوصول إلى اتفاقيات سلام بين الدول المتنازعة، وذلك بسبب تقسيم العالم إلى معسكرات واتجاهات مختلفة متعددة القوة، أو حتى ثنائة القطبية والقوى، ومن هنا بدأت القوات العسكرية لحفظ السلام، وزادت مع الوقت بسبب كثرة النزاعات والصراعات والحروب حول العالم؛ حيث إن الفترة بين عامي 1991 و1994 زادت عمليات وبعثات حفظ السلام في العالم إلى أكثر مما كانت عليه خلال الفترة منذ 1948 وحتى 1990 مجتمعة.

وبالحديث عن مصر، فقد لعبت بالفعل دورًا هامًا في حفظ السلام والأمن الدوليين، خاصةً باعتبارها عضوًا مؤسسًا في منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الأفريقية، والجامعة العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وحركة عدم الانحياز؛ فقد ساهمت على مدار فترة طويلة من الزمان في عمليات حفظ السلام الدولي.

مشاركات مصر الدولية بدعم من المنظمات الدولية حول العالم

ظلت مصر منذ البداية أحد أهم وأكبر المساهمين في عمليات حفظ السلام في العالم منذ مشاركتها الأولى عام 1960 في الكونغو؛ فقد ساهمت مصر بتسع بعثات من ضمن 37 بعثة هي مجموع البعثات الدولية للأمم المتحدة الخاصة بحفظ السلام، وذلك في 24 دولة أفريقية، وأسيوية، وأوروبية، وأيضًا في أمريكا اللاتينية.

البعثات المصرية التسعة كانت مختلفة المناطق والدول؛ مثل العملية المختلطة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور، وبعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وعملية الأمم المتحدة في ساحل العاج (كوت ديفوار)، وبعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى رواندا، وبعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعدد الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، وبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، وبعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في هايتي، وغيرهم.

الجدير بالذكر، أن قوات حفظ السلام لها أدوار مختلفة في البلاد، وليست فقط موجودة من أجل القتال، ويمكن تلخيص أهداف وأسباب ودور مصر المُعلن في عمليات حفظ السلام المختلفة على مدار حوالي 57 عامًا في ست نقاط كالآتي:

-استخدام القوة: وهي المرحلة التي تتوسع فيها قوات حفظ السلام بالتدخل العسكري واستخدام القوة من أجل تحقيق وإنفاذ السلام الغائب، وهي المرحلة الأهم التي تُعرِّض البعثات المصرية للخطر.

-حماية المدنيين: حيث تعمل مصر على التأكيد على مبدأ حماية المدنيين في أماكن بعثات حفظ السلام التي تشارك فيها، وذلك انطلاقًا من المسؤولية الدولية، ودورها الرئيسي في حفظ السلام، وحماية المدنيين.

-إدماج حفظ السلام وبناء السلام: وهي المرحلة التي تقترن فيها جهود حفظ السلام بجهود الانتعاش الاقتصادي وبناء القدرات للدول المختلفة.

-المساهمة في صياغة السياسات للدول: حيث يمكن لقوات حفظ السلام أن تُرسل لمهمات خاصة مثل المساهمة في صياغة السياسات للدول بمشاركة الدول نفسها بالطبع، وأيضًا بإشراف من مجلس الأمن الدولي.

-تعزيز دور المنظمات المختلفة: حيث يمكنها أن ترسل بعثة لحفظ السلام؛ بحيث يكون دورها الرئيسي هو تعزيز دور المنظمات الإقليمية، وشبه الإقليمية، في عمليات حفظ السلام وتحقيق الأمن والسلم في البلاد، وذلك طبقًا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

-أسباب أخرى محددة: ويمكن لمصر أن يكون سببها الرئيسي للمشاركة في أحد بعثات حفظ السلام هو إعلان مجلس الأمن لهدف معين في دولة معينة مليئة بالصراع، وذلك من أجل تحديد هذا الهدف فقط.

خريطة مشاركة مصر في حفظ السلام العالمي.. السابعة عالميًا

تأتي مصر في المركز السابع عالميًا من ضمن 124 دولة في عدد القوات المشاركة في عمليات حفظ السلام حول العالم بمجموع 3060 جنديًا تحديدًا، من ضمنهم أربع سيدات، بالإضافة إلى 3056 من الرجال. ويسبقها أثيوبيا باعتبارها أكبر دولة مُرسلة لقوات حفظ السلام بأكثر من 8000 جندي، والهند، وبنجلاديش، وباكستان، ورواندا، ونيجيريا.

وشملت البلدان التي شاركت فيها مصر ضمن قوات حفظ السلام الدولية عددًا كبيرًا من الدول مثل يوغوسلافيا السابقة (سراييفو) خلال الحرب الأهلية في التسعينيات، وساحل العاجل في يناير (كانون الثاني) 2003 للمساعدة في تنفيذ اتفاق السلام الموقع بين الأطراف الإيفوارية المختلفة وإنهاء الحرب الأهلية، وفي الكونغو شاركت مصر في حفظ السلام أثناء الحرب الأهلية بين عامي 1960 و1961، وفي الصومال بين ديسمبر (كانون الأول) 1992 وحتى فبراير (شباط) 1995، وذلك بمشاركة 1680 مصريًا، وذلك بهدف حماية مطار مقديشيو الدولي، وتدريب ضباط الشرطة الصوماليين.

وفي أفريقيا الوسطى، في الفترة بين يونيو (حزيران) 1998، وحتى مارس (أذار) 2000، بمشاركة 125 فردًا ووحدة إدارية وطبية قوامها 294 فردًا باعتبارها جزءًا من بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام. وفي أنجولا تم نشر 28 مراقبًا عسكريًا في الفترة 1991 إلى عام 1999، وفي موزمبيق تم نشر 20 مراقبًا عسكريًا آخرين خلال الفترة من فبراير (شباط) 1993 وإلى يونيو (حزيران) 1995.

وفي هايتي أيضًا بمشاركة 22 مصريًا عام 2004، وذلك لدعم الاستقرار في هايتي ضمن بعثة الأمم المتحدة UNSTAMIH، وفي ليبيريا خلال الفترة 1993 و1997 بمشاركة 15 مراقبًا عسكريًا، وفي رواندا أيضًا بمشاركة 10 مراقبين عسكريين. مشاركة مصر أيضًا وصلت إلى جزر القمر بمشاركة ثلاثة مراقبين عسكريين بين عامي 1997 و1999.

كانت هذه هي البعثات المصرية لحفظ السلام، والتي انتهى دورها بالفعل، بينما يوجد ست بعثات أخرى ما زالت مستمرة في دورها في ستة بلاد مختلفة؛ ففي الصحراء الغربية، شاركت مصر بـ19 مراقبًا عسكريًا في من شهر سبتمبر (أيلول) 1991 وحتى الآن. وفي سيراليون أيضًا، ما زالت مصر مشاركة في بعثات حفظ السلام هناك منذ سبتمبر (أيلول) 1998 وما زالت مستمرة إلى وقتنا الحالي، وفي الكونغو مرة أخرى حديثًا، حيث تم نشر 28 مراقبًا عسكريًا آخرين منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 1999 وحتى الآن.

وفي ليبيريا بمشاركة حديثة أيضًا منذ عام 2003 وإلى الوقت الحالي، وفي بوروندي أيضًا منذ سبتمبر (أيلول) 2004 وحتى الآن، أمَّأ المشاركة الأكبر التي ما زالت مستمرة إلى الوقت الحالي هي المشاركة في السودان، وتحديدًا في دارفور، حيث تشارك مصر بـ34 مراقبًا عسكريًا، بالإضافة إلى ثلاثة ضباط، باعتبارهم جزءًا من القوات التابعة للاتحاد الأفريقي منذ أغسطس (أب) عام 2004، بالإضافة إلى 1046 آخرين كجزء من بعثة الأمم المتحدة في السودان.

وبحسب الأرقام الرسمية، فإن هناك 37 فردًا مصريًا فقط لقوا حتفهم في مشاركات مصر في عمليات حفظ السلام الدولية منذ تأسيس الأمم المتحدة، ومنذ مشاركة مصر الأولى في الكونغو في عام 1960.

لماذا تشارك دول نامية مثل مصر في قوات حفظ السلام أكثر من الدول المتقدمة؟

كما ذكرنا، مصر في المركز السابع باعتبارها أكثر الدول المشاركة في قوات حفظ السلام في العالم، ويسبقها أثيوبيا في المركز الأول بمشاركة أكثر من 8000 جندي من قواتها، والهند، وبنجلاديش، وباكستان، ورواندا، ونيجيريا، أي أن كل الدول في المراكز الأولى هي من الدول النامية، أو من الدول الأكثر نموًا في الفترة الحالية كالهند، فلماذا يحدث ذلك؟

يتفق العديد من المحللين السياسيين والعسكريين على عدة أسباب وهي:

1- مكاسب اقتصادية وعملية: ويُقصد بها أن الدول النامية لا تسطيع تحمل المشاركة والمساهمة المالية بشكل كبير في إطار ميزانية الأمم المتحدة لبعثات حفظ السلام حول العالم، كما أنهم مؤمنون في الوقت ذاته بضرورة إبراز دعمهم لدور الأمم المتحدة البارز في نشر وحفظ السلام حول العالم، وبالتالي فإنهم يقومون بدورهم في هذه الحالة بالمشاركة الفعلية على أرض الواقع، وليس عن طريق الأموال.

بالإضافة إلى ذلك فإن مشاركة الدول النامية في قوات حفظ السلام الدولية يعتبر فرصة ووسيلة جيدة لدفع مصاريف من ميزانية الأمم المتحدة من أجل إعداد وتجهيز جنود تلك الدول النامية، مع توفير نسبة من ميزانية الدفاع والإنفاق العسكري المحلية لها، كما أن بعثات الأمم المتحدة لحفظ السلام هي أيضًا وسيلة جيدة لحصول جنود الدول النامية على التدريب والخبرة القتالية الفعلية دون تحمل أي تكاليف، فضلًا عن حصول جنود حفظ السلام على وراتب أعلى بكثير من تلك التي يحصلون عليها في حال عملهم ضمن صفوف الجيش الوطني لبلادهم محليًا.

2- نفوذ سياسي دولي: حيث تسعى معظم الدول المشاركة في بعثات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة لتكوين صورة خاصة بها على الصعيد الدولي، بالإضافة إلى الحصول على نفوذ سياسي في المحافل الدولية المختلفة، خاصةً المحافل العسكرية منها، وهو المبدأ نفسه الذي يدفع الكثير من رجال الأعمال على سبيل المثال للتبرع والمشاركة في الأعمال الخيرية المختلفة محليًا ودوليًا، فحتى وإن كانت هناك نوايا صادقة من أجل التبرع وحل الأزمات، فهي وسيلة أيضًا للحصول على النفوذ السياسي محليًا ودوليًا أيضًا؛ وبالتالي في حالة بعثات حفظ السلام، فإن الدول النامية المشاركة تعمل على التأكيد على دورها الهام في حفظ السلام ونشره حول العالم، بل والافتخار بمشاركتها في مثل هذه البعثات؛ حتى وإن فقدت عددًا من جنودها.

وفي حالة مصر يمكننا ملاحظة ذلك في خطاب السيد وزير الخارجية، سامح شكري؛ حيث إن خطابه الذي ألقاه كان إشارة واضحة للفخر بدور مصر في دعم السلام، وكونها في المركز السابع عالميًا في عدد القوات المشاركة، كما أن هناك عددًا من المحللين يرون أن النفوذ السياسي قد يتمثل في إطار حملة دعائية للدولة للحصول على مقعد في أحد المجالس الدولية، مثلما فعلت مصر لتحصل على مقعد مجلس الأمن غير الدائم لهذه الدورة، بالإضافة إلى تشجيع عدد من الدول الكبرى اقتصاديًا وعسكريًا للتعاون مع هذه الدول النامية نظرًا لدورها الدولي الهام في حفظ السلام في العالم وهو ما يهم في الكثير من الأحيان الدول المتقدمة الغنية للحفاظ على استقرار أجزاء من العالم تحتوي على مصالح مباشرة لها.

3- أسباب عرقية ودينية وقومية: تحمل مشاركة قوات من نفس المنطقة الجغرافية، أو الدين، أو القارة، في البعثات الدولية لحفظ السلام أهمية كبرى، ويمكن ملاحظة ذلك بالتحديد من خلال البعثات في الدول الأفريقية، التي عادةً ما يشارك فيها قوات حفظ للسلام من دول أفريقية أخرى؛ حيث إنه في بعض الحالات قد يشعر المواطن المتواجد في دولة صراع أو نزاع بالتهديد في حالة وجود قوات لحفظ السلام من دول مختلفة عنه تمامًا؛ مثل حالة مشاركة قوات أمريكية لحفظ السلام في القارة الأفريقية؛ ففي حالة وجود قوات من دول من نفس القارة يشعر المواطنون الأفريقيون بوجود علاقات أفضل، ومعرفة سابقة عن وضعهم، وهو ما يفسر سبب مشاركة مصر في بعثات حفظ للسلام في مختلف الدول الأفريقية؛ فبالإضافة إلى تفضيل الدول الأفريقية وجود مراقبين من دول أفريقية أخرى عن غيرهم من المراقبين من دول أخرى غير أفريقية، فهي أيضًا فرصة لاسترداد الدور المصري في القارة الأفريقية في نظر القيادة السياسية المصرية.

المصادر

تحميل المزيد