في نهاية أكتوبر 2015 أصدر مركز “كارنيجي للشرق الأوسط” دراسة بعنوان “تصاعد التمرد الإسلامي في مصر” واعتمدت الدراسة وأهم الاستنتاجات الواردة فيها على عشرات المقابلات التي تمت مع أعضاء وقادة في جماعة الإخوان المسلمين وإسلاميين آخرين ومسؤولين في الحكومة المصرية من العام 2013 إلى العام 2015.

وسردت “الدراسة” بالرصد والتحليل مراحل وخطوات تصعيد الإسلاميين منذ “الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013” على حد وصف الدراسة، واقترحت حلولًا للنظام الحالي وجماعة الإخوان المسلمين للتخفيف من حدة الصراع بينهما، وفي هذا التقرير ، نُلخص أهم ماجاء في الدراسة.

(1) انهيار المفاوضات وقمع النظام

في 3 يوليو 2013 شرع “عبد الفتاح السيسي” وزير الدفاع آنذاك ورئيس الجمهورية الحالي في “انقلاب عسكري مدعوم شعبيًّا” عزل من خلاله “محمد مرسي” أول رئيس مدني منتخب ديموقراطيًّا والذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين بعد تصاعد الاحتجاجات ضده، قابلتها تظاهرات مؤيدة له في ميداني “رابعة” و”النهضة” بدأت من 28 يونيو واستمرت بعد 3 يوليو  لأجل إبطال عزل مرسي أو على الأقلّ توفير وضع تفاوضي أفضل لهم ولكن المفاوضات انهارت، وأقبلت قوات الأمن على فض الإعتصامين بالقوة في 14 أغسطس مما أدى إلى مقتل حوالي 1000 شخص يومها فقط، وبعد ذلك اعتقل “الأمن” عشرات الآلاف من الإسلاميين وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأنصارها.

وبعد ذلك أصبح الصراع بين النظام والإخوان صفريًّا، وبُعثرت قيادات الجماعة في السجون والعواصم العالمية وفقدت السيطرة على شبابها الأصغر سنا “الذي يتوق للمواجهة المباشرة مع الحكومة” كقمع النظام والشحن المتزايد لهم من قبل الإسلاميين، بعد “انهيار القدرة التنظيمية للجماعة تقريبا” وهو ما مهد الطريق لصراع لا يمكن التنبؤ بنتائجه.

ومما يُصعّب من قدرة الدولة في مواجهة التمرد المسلح بشكل عام هو تضخم أعداد ضحاياها، ففي الفترة من(1986-1999) عندما كان التمرد الجهادي المسلح في أنشط أوقاته في عهد مبارك، أخذت الدولة 13 عامًا للقضاء عليه تمامًا بعد مقتل حوالي1300
مصري (391 من الأمن – 385 مدني – 524 من المتمردين).

في حين قتلت قوات الأمن من الإسلاميين يوم الفض وحده ما يفوق حصيلة قتل المصريين جميعًا خلال الـ13 عامًا، وقتل
الجهاديون والعناصر الفاعلة العنيفة الأخرى ما يقرب من 700 من قوات الجيش والشرطة في غضون عامين فقط وهو مايصل إلى ضعف عدد أفراد الأمن الذين قتلوا في التمرّد السابق تقريبًا.

(2) فريقان في الإخوان

بعد ازدياد قمع السلطة للجماعة الإخوان، بقتل المئات واعتقال عشرات الآلاف وتردي أوضاع السجون انقسمت قيادات جماعة الإخوان إلى فريقين:

الأول: يضم القيادات العليا “الأكثر عقلانية” وفقا لكارنيغي، التي تؤمن بـ”اللا عنف” واستمرار سلمية الاحتجاجات، ويبرّئون أنفسهم من أي مسؤولية عن اللجوء إلى العنف، ولا يرون أن هناك صلة بين سياسة غالب ومغلوب التي ينتهجونها وبين استمرار التصعيد.

الثاني: يضم القيادات “الأكثر ثورية” وفقًا لما اصطلح عليه التقرير، التي تبرر أعمال العنف التي لا تنطوي على القتل، ويؤمن بعض القادة في هذا المعسكر إن الانتقام من الشرطة والجيش له مايبرّره كتكتيك وحسب، ويذهبون إلى ما هو أبعد بالتأكيد على أن إمكانية حصول تمرّد مسلّح أمر لا مفرّ منه إذا بقي النظام الحالي في السلطة، ويرى أن “الفريق الأول” ينتظر “المدد الغيبي” – بانقلاب داخلي مثلا – للخلاص من السيسي، ولا يمثل قاعدة الشباب.

(3) الدعوة إلى العنف

ووفقًا للتقرير، فقد ساعد على خلق تلك التصدعات والانقاسامات عمل الإخوان تحت “تحالف دعم الشرعية” الذي يضم عددًا من الأحزاب والفصائل الإسلامية والسلفية، وبذلك مُنحت تلك الفصائل – دون قصد – القدرة على التحدث بالنيابة عن قاعدة جماعة الإخوان في لحظة حرجة للغاية بخطاب متصلب وناري وطائفي أجج من غضب الشباب، وأيده المعسكر الثوري من الإخوان.

خطاب غير الإخوان على منصة “رابعة” امتد بعد فض الاعتصام على قنوات أنشأها إسلاميون مؤيدون للإخوان أو بعض أعضاء الإخوان، واستغل السلفيون – المتحررون من الضوابط التنظيمية للإخوان – تلك القنوات في تأجيج غضب الشباب داعين إلى استخدام العنف لردع قوات الأمن، ومن أبرز هؤلاء الشيوخ وفقا للتقرير، “وجدي غنيم” و”محمد عبد المقصود” و”سلامة عبد القوي” و”محمود فتحي” رئيس حزب الفضيلة الذي يدعو إلى “المقاومة الشعبية” ويتحدث عن حرب السيسي على الإسلام.

وفي نفس السياق، وقع 159 عالم دين على بيان “نداء الكنانة” الذي أوجب على كل مسلم مقاومة نظام السيسي المعادي للإسلام بكل السبل المشروعة والقصاص –بالضوابط الشرعية – من أي قاتل أو محرض على قتل الأبرياء، وقد أيدت جماعة الإخوان المسلمين هذا البيان، ودعا المتحدث باسمها إلى “ثورة تجتزّ الرؤوس من فوق أجساد عفنة” في إشارة إلى مسؤولي النظام، ودائمًا ما تدعم تلك الدعوات في مجملها حقائق مرتبطة بقتل الأمن المئات من الإسلامين وإيداع عشرات الآلاف في السجون.

(4) مراحل العنف الجديد

ورصد التقرير بدايات أول مراحل “العنف الجديد” – في أواخر 2013 – بحركات مثل “ولع” و”مولوتوف” سعت للانتقام من الشرطة باستهداف أهداف بلا “روح” تراها مشروعة، مثل إشعال النار في سيارات الشرطة وممتلكات أفرادها، وبالتدريج تصاعد العنف مع بداية 2014 بجماعات تسمى “كتائب الشهداء” و”إعدام” للاستهداف المسلح لضباط الشرطة والبلطجية، كانت تلك الجماعات غير منظمة في البداية وبمرور الوقت أصبحت أكثر حنكة. ودائما ما تزعم وزارة الداخلية بأن تلك الجماعات تنتمي للإخوان ولكن هذا أمر يصعب إقراره بشكل حاسم.

وفي أغسطس2014 –تزمنًا مع الذكر الأولى لفض اعتصام رابعة – تصاعد العنف “غير الجهادي” إلى “عنف جهادي” بظهور جماعات عنيفة – تدعو بجرأة للمقاومة المسلحة في بر مصر (الدلتا ووادي النيل)، وكانت “حركة المقاومة الشعبية” أول تلك الجماعات وبثت أشرطة فيديو لهجمات بعبوات ناسفة تستهدف مراكز الشرطة، وادّعت مسؤوليتها عن عمليات اغتيال رجال الشرطة، وظهرت أيضًا “كتائب حلوان” ولكن لفترة وجيزة.

وآخر تلك المجموعات، وأكثرها خطورة ودموية، هي ما يسمى بحركة “العقاب الثوري” –التي ظهرت في يناير 2015 تزامنًا مع الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير – ونفذت حتى سبتمبر الماضي 150 هجومًا في 16 محافظة وادعت قتل ما لا يقل عن 157 من أفراد قوات الأمن.

وادعت من توقيت ظهورها “الثورية” ولكن ظهر أول فيديو لهم “أناشيد جهادية إسلامية” وطريقة مونتاج مستوحاة من فيديوهات تنظيم الدولة، مما يدعم إسلامية الحركة ويؤكد على ذلك أيضًا أن 44% من عملياتها كانت في محافظة “الفيوم” الشهيرة بدعم الإسلاميين في الانتخابات في فترة ما قبل 3 يوليو 2013.

(5) التوسع الجهادي في بر مصر

بعيدًا عن الحركات والجماعات “الجديدة” ، تأتي جماعات جهادية أخرى مختلفة عن تلك التي أسلفنا الحديث عنها في السطور الماضية، وهي جماعات تابعة لتنظيمي “الدولة الإسلامية” و”القاعدة”.

في 2011 تم إنشاء جماعة تسمى “أنصار بيت المقدس” في سيناء وفي نوفمبر أعلنت ولاءها لـ”تنظيم الدولة الإسلامية” وتعرف الآن بولاية سيناء، ومن جانبه يقود هشام عشماوي – الضابط السابق بالقوات الخاصة المصرية – جماعة “المرابطون”) التابعة لتنظيم القاعدة (وهي لا تزال صغيرة نسبيًّا).

ويسعى التنظيمان (الدولة الإسلامية والقاعدة) إلى اجتذاب الشباب غير الجهادي العنيف إليهما ليكون لهما موطئ قدم في بر مصر، بالاستعانة بقضايا كالتعذيب والانتهاكات الجنسية “المزعومة” ضد الإسلاميات بالسجون، ودائمًا ما يركزون على ذلك في فيديوهاتهم حتى لاجتذاب بعض الشباب الذي لا يزال يقف على الحياد.

وتظهر الفيديوهات الحديثة لجماعة “أنصار بيت المقدس” بوجود مجندين يحملون لهجات من “بر مصر” كما نفذت الجماعة –في مارس 2014 – عملية بقرية عرب شركس –القريبة من القاهرة – قتل خلالها مجندان في مقابل 6 من أعضاء الجماعة.ومن الجماعات التي تنتمي لتلك الفئة الجهادية أنصار “الشريعة في أرض الكنانة” والتي أعلنت مسؤوليتها عن اغتيال أكثر من 20 فرد أمن “انتقامًا لشرف حرائرنا”.

وهناك أيضا جماعة “أجناد مصر” وهي أقرب لتنظيم القاعدة عن تنظيم الدولة، وتعد أول جماعة جهادية ناجحة في بر مصر بعد عزل مرسي، ومن أبرز عملياتها تفجير عبوات ناسفة أمام جامعة القاهرة مما أسفر عن مقتل عميد شرطة كان يشغل منصب رئيس مباحث الجيزة.

وبشكل عام فإن هذه الجماعات قد يجد من يدعمها بقوة في الفترة القادمة من الجهاديين المصريين العائدين من مناطق نزاع كسوريا والعراق، وقد كان الجهاديون العائدون من أفغانسان في عهد مبارك بداية لعنف الثمانينات والتسعينيات في القرن الماضي.

(6) كيف يمكن تخفيف حدة التمرد الإسلامي؟

وفقًا للخلاصات التي توصل إليها تقرير معهد كارنيغي يمكن تخفيف حدة الصراع عندما تقوم كل من الحكومة وجماعة الإخوان المسلمين بالخطوات التالية:

أولا: يمثّل التبرّؤ من التعذيب والتحقيق في مزاعم الاعتداء الجنسي، ووضع حدّ لحالات الاختفاء القسري، وتحسين أوضاع السجون عموما، خطوات ضرورية يجب على الحكومة اتّخاذها لضمان ألّا يتمكّن المتطرّفون من استغلال هذه الأوضاع لتجنيد الأنصار.

ثانيا: فَهْم المشهد الجديد المفتّت للإسلاميين العنيفين أمر ضروري لوضع إستراتيجيات ملائمة لمكافحة هذه العناصر، واتباع سياسة “فرّق تسد” للتخلص من مختلف الخلايا والجماعات على نحو أفضل.

ثالثا: ينبغي على كبار القادة العقلانيين، وفقًا للتقرير، في جماعة الإخوان، كبح جماح المتطرّفين الذين يحرّضون على العنف، بهدف تهيئة قاعدتهم لضرورة التوصّل إلى تسوية مع الدولة في نهاية المطاف. إذ أن المسار الحالي يفتّت الجماعة من الداخل وربما يكون آخر مسمار في نعش التنظيم على النحو الذي عُرِفَ به منذ وقت طويل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد